رأي

 حمزة الملك طمبل رائد الحداثة الشعرية في السودان

أ. نسرين عبد الهادي الصديق تكتب..

( قيمة الأمة أو شخصيتها أظهر ما تكون في آدابها قبل كل شئ آخر ، و كلما إرتقت آداب الأمة سمت مكانتها ) هذا ما جاء على لسان الكاتب في العام 1927 و نشر في العدد 590 من جريدة ( حضارة السودان ) و عندما عبرت الجريدة عن تقبلها للمقال و رفضها لإخفاء هوية الكاتب كشف الشاعر و الأديب حمزة الملك طمبل عن هويته مفضلاً الإستمرار بتوقيعه بإسم ( أديب ) و إخفاء هويته الحقيقية و إستمر في ذلك حتى أعلنت الجريدة عن رفضها للمزيد من المقالات ، و كان هذا المقال هو الأول في سلسلة من المقالات الي أثارت جدلاً واسعاً بين الأدباء المحافظين في ذلك العصر ، والإعلان الأول لبداية مشروع أدبي جديد يدعو إلى التجديد في الشعر و في الأدب السوداني على العموم مستنكراً الإستمرار في التكرار و التقليد الأعمى لكل ما هو قديم ، و دعا إلى البساطة و الصدق و الدقة في الوصف و عدم الضرورة للإلتزام بالشعر التقليدي القديم و تعقيداته ، و ضرب مثلاً لذلك لزوميات أبو العلاء المعري إذ عبر عن ملله من المقدمة الطويلة التي كتبها أبو العلاء للزومياته و في الجانب الآخر إستمتاعه باللزوميات نفسها ، و كان من أبرز المُعارضين لهذه الدعوة عرفات محمد عبد الله و الشاعر الأديب محمد أحمد المحجوب إذ كان المحجوب يرى أنه من الخطأ أن يقول طمبل ( قطع مني للصلة بين الماضي و الحاضر ) و يرى أن الأساس هو في الشعر الكلاسيكي القديم و يرى في أبو العلاء المعري خاصة عبقرياً مجدداً يجب السير على منهاجه و التعلق بمبادئِه و يرى أن لا سبيل في قطع الصلة بين الماضي و الحاضر و الداعي إلى ذلك كالداعي إلى تشييد بنيان من غير أساس ، و يرى أيضاً أن في ذلك تطاول على مقام أبو العلاء و مكانته الشعرية بينما يحتفل الغرب بلزومياته و يعجب لها ، و يرى طمبل من الجانب الآخر أن وجود الشاعر في زمان غير زمانه غير مُنصف لشعره و أنه لو وجد أبا العلاء في غير ذلك العصر لكان غير أبا العلاء الذي نسمع عنه الأن و نعجب به ، و يقول ( هكذا تخلق الحوادث الرجال ثم بعد ذلك يخلقونها ) و يقول أيضاً في ذلك ( وهكذا يكون أبو العلاء جاء في زمانه لا قبله و لا بعده) و مضى طمبل في إنتقاد مَنهج القُدماء ضارباً مثلاً لذلك ( بالتشطير ) الذي فتحت له جريدة الحضارة باباً للتسابق و توجته بإعلان الفائزين و يقول ناقداً ( الشعر لا يحسن فيه إلزام النفس بقيد من القيود ) و يرى أن التشطير فيه إلزام للنفس بمشاركة نفس أخرى في ميولها و إحساسها و لكن بلا طائل ، كذلك أطلق عبارته الشهيرة ( يا شعراء العالم أصدقوا و كفى ) موضحاً رغبته في أن يكون لنا كيان أدبي عظيم يعبر عن هويتنا السودانية ، يقول ( نريد أن يقال عندما يقرأ شعرنا من هم في خارج السودان أن روحها تدل على أنها لشاعر سوداني ) أن يأتي ذلك من بيئة سودانية خالصة أو جمال إمرأة سودانية أن يعبر عن أفكارنا ، و بعد أن عبرعن يأسه من إستيعاب فكره المجدد أطلق صيحته المدوية ( لا تفكروا في نقض ما أقول و لكن فكروا في العمل بما أقول ) إذ كان يأمل من الجميع أن يهتموا بفكره المجدد و إمكانية تطبيقه بدلاً من معارضته ، عمل طمبل بعد ذلك و بعد سنوات من المعارك الأدبية الحامية على جمع تلك المقالات الأدبية و الردود المصاحبة لها و التي تم نشرها في أعداد متفرقة من جريدة ( حضارة السودان ) على ضمها في كتاب واحد بعنوان ( الأدب السوداني و ما يجب أن يكون عليه ) لتكون حصيلته الأدبية كلها ذلك الكتاب و ديوانه الوحيد ( ديوان الطبيعة ) و رحل طمبل في العام 1951 تاركاً بصمته في الأجيال اللاحقة من الشعراء و النقاد السودانيين و كان بمثابة الأب الفكري لحركة التجديد الأدبي في السودان .
و لعل طمبل إذا لم يقُابل بمثل هذا الهجوم من الأدباء المحافظين كان ليسطر إسمه كأول رائد من رواد مدرسة الحداثة في الشعر العربي فدعوته تلك جاءت سابقة لمدرسة الحداثة العربية بما يقارب العشرين عاماً و التي كانت بداياتها الحقيقية في آواخر الأربعينات مع ظهور الشعر الحر على أيدي بعض الشعراء المجددين مثل بدر شاكر السياب و نازك الملائكة و صلاح عبد الصبور ، و في السودان سار لاحقاً على نفس المنهاج شعراء مثل محمد المهدي المجذوب و محمد عبد الحي و محمد المكي إبراهيم و علي عبد القيوم و غيرهم من الشعراء ، وظهرت كذلك مدرسة ( الغابة و الصحراء ) كمحصلة لفكره .
خاتمة القول أن طمبل يقول أنه يجب علينا أن نكون أصحاب أصل لا مقلدين و لعل في هذا الكفاية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى