د.نهلة صالح إسماعيل
حكومة التكنوقراط والكفاءات كما معلوم أنه “نظام حكم يعتمد على تعين الخبراء والفنيين في المناصب الحكومية بدلا من الإعتماد على الإنتخابات السياسية، ويعتقد أنصار هذا النظام أن إختيار القادة والإداريين بناءا على خبرتهم وكفاءتهم في مجالاتهم سيؤدي إلى إدارة افضل ونجاح منتظر ومستحق” . ولكن هل هذا وحده يكفي للإختيار المناسب ؟؟؟ لقد اثبتت كتير من التجارب والمشاهدات الحياتية اليومية أن هذا وحده لا يكفي لوضع المرشح المناسب في المهنة المعينة والمناسبة، وهو ما لاحظه عدد من علماء النفس، ذلك أن هناك عدد من المهن لا يحقق الشخص فيها النجاح المطلوب إلا إذا إتفق نمط سلوك الشخص الممتهن مع المهنة الموكلة إليه. وفي رحلة البحث عن النجاح والتميز قام عدد من علماء نفس الشخصية بعدد من الدراسات والبحوث توصلوا بعدها إلى أن سمات الشخصية ونمط سلوكها الإجتماعي له الدور الأكبر والأول في تحديد تلك الإختيارات والنجاحات وذلك حين وضع الشخص المناسب امام المهنة المناسبة و العمل المناسب للنمط الإجتماعي، بمعني يجب أن يكون هناك علاقة بين نمط السلوك الإجتماعي والتوافق المهني، وأن الشهادات الأكاديمية والدرجات العلمية الرفيعة تأتي كمتغير للشخصية وليس مستقل عنها.
وأكد علماء النفس؛ أن الشخصية وسماتها يلعبان دورا قويا ومؤثرا في إنجاح العمل وإتخاذ القرارات إذا تناسب العمل مع نمط سلوك الفرد الاجتماعي، وهو إختيار الشخص المناسب للوظيفة أو المهنة المناسبة من خلال سماته الشخصية والنفسية، وليست من خلال خبرته السابقة أو درجاته العلمية الرفيعة ومؤهلاته الأكاديمية فقط، ذلك أن هذه السمات تمكن من التنبوء بسلوك الفرد وكيفية إتخاذ القرارات وكيفية تفكيره وتصرفاته السلوكية في مواجهة المشاكل وطريقة حلولها، أما الخبرات والكفاءة والشهادات والدرجات العلمية فهى تدعيم وتقوية لنوع نمط سلوك الفرد الإجتماعي.
وتوصل إثنين من علماء النفس إلى وجود أربعة أنماط من السلوك وذلك عند إختيار المرشح نذكر إثنين منهما لانهما ضدين وذلك للمقارنة:
اولا
النمط التعبيري
يتميز هؤلاء التعبيريون، بالحماس الزائد ويجدون متعة عالية في التواصل الإجتماعي وكثرة الكلام والتعبير الحركي عند التحدث، ويتميز هذا النمط بإستخدام مشاعره وأحساسه في تحقيق أهدافه وحدسه خصوصا في إتخاذ القرارات، ومن أهم مميزاتهم حب الإنفتاح والعفوية الأمر الذي قد يعرضهم لمشاكل عديدة منها إستقلالهم، هم ايضا إجتماعيون جدا ويهتمون بأراء الناس كثيرا ايضا يتسمون بالدراماتيكية.
من أهم عيوبهم عدم التركيز الدقيق في التفاصيل، والتسرع في إتخاذ القرارات دون دراسة كافية،( الإندفاعية) التأثر السريع بالنقد.
ثانيا:
النمط التحليلي
عكس التعبيري تماما وغالبا ما تجدهم لا يتفقون في العمل خصوصا العمل الجماعي(team work) من ابرز سماتهم التركيز على المهام والتفاصيل وليس الناس والأشخاص، من سماتهم جادون يتميزون بالدقة والتحليل في التنفيذ و إتخاذ القرارات، اكثر توجها نحو المهام والأعمال العقلية التحليلية، يهتمون بالتفاصيل الدقيقة وإنجاز القرارات المستندة على البيانات والأرقام.
من ابرز مميزاتهم العبقرية في خلق الأفكار وحل المشكلات، يحبون العزلة ويتجاهلون الجوانب العاطفية والإجتماعية تماما في كثير من الاحيان.
هذه السمات الشخصية تظل راسخة باقية لا يغيرها علم ولا خبرة.
تاريخيا نجد هناك كثير من الشخصيات التي إستطاعت التغير وصناعة وفرض واقع جديد على الشعوب ومن المؤكد لم يكن للدرجة العلمية دور في ذلك التغيير بقدر ما كان لنمط السلوك الاجتماعي الدور الأكبر في فرض وصناعة تلك المواقف والقرارات.
هذه الدراسات اوضحت أهمية دور نمط السلوك الإجتماعي للشخص المرشح ودوره الفاعل الهام في بعض المهن المصيرية والهامة والتي تحتاج إلى الدقة والتركيز والتحليل العقلي في إتخاذ القرارات؛ حتى تظهر نتائجها في الإصلاح والإعمار وصناعة تاريخ الأمم، وخلق التغير المجتمعي الإيجابي طويل المدى الذي تظهر نتائجه في تقدم الشعوب وإصلاحها وتغيرها وتطورها الإنساني، وليس التغير اللحظي السريع المرتجل السطحي الذي لا ينتج عنه سوى السلبية والتخدير الشعبي.
جل هؤلاء من الذين صنعوا تاريخ الأمم ومجتمعاتهم وشعوبهم من المؤكد أنهم تمتعوا بانماط سلوكية إجتماعية اهلتهم لتحقيق تلك الأدوار المصيرية لصناعة التاريخ والعبور بتلك الشعوب إلى الأمام وبر الأمان.