رأي

استراتيجية الاستنزاف والانشقاقات الكبرى وانهيار المليشيا

بقلم د. محمد عثمان عوض الله
18 مايو 2026

لماذا أحدثت الانشقاقات الأخيرة هذا الأثر الكبير؟
شكلت انشقاقات كل من قائد الفرقة في الفاشر اللواء النور قبة، واللواء السافنا، والأمير إسماعيل محمد يوسف الموتر، إلى جانب المعلومات التي كشفوها في مؤتمراتهم الصحفية بعد انضمامهم إلى الجيش، زلزالا عسكريا و سياسيا و اجتماعيا كبيرا داخل صفوف المليشيا و على وسائل التواصل الاجتماعي.
فاقت أهمية هذه الانشقاقات عدد الأفراد و عدد العربات التي خرجت من صفوف المليشيا، على أهميتها. كما تعدت طبيعة الشخصيات التي انشقت، والمواقع التي كانت تشغلها. لتسلط ضوءا كثيفا على مدى هشاشة البنية التنظيمية والاجتماعية للمليشيا و انهيار مجموعاتها. يسعى هذا المقال إلى تفسير أسباب هذا التأثير الكبير، وبيان كيف تحولت البنية التي صنعت تماسك المليشيا في بداية الحرب إلى أهم عوامل انهيارها من الداخل.

كيف بنيت المليشيا تماسكها منذ بداية الحرب؟
ينقسم النظام الإداري للمليشيا إلى مستويين رئيسيين:
الأول هو الولاء القبلي والعشائري، والذي يحقق الانتماء والأمان والمصلحة الشخصية لأفراده.
أما الثاني فهو الولاء للمليشيا كمؤسسة، والذي يمثله في كل مجموعة قائد واحد يحمل رتبة اللواء و الذي يمثل القوة المستخدمة لتنفيذ الأهداف. الملاحظة الرئيسية أن قيادة المليشيا لا تتواصل مع أفراد و ضباط المجموعة إلا عن طريق قائدها فقط. و الذي هو المسؤول عن منح و نزع الرتب والمرتبات والعربات والتحركات والمصالح المختلفة الخاصة بأفراد مجموعته. لذلك يدين جميع أفراد المجموعة بالولاء المطلق لقائدها. بسبب الروابط القبلية من جهة، و بسبب قدرته على توفير المصالح والحماية والامتيازات لأفراد مجموعته من جهة أخرى.

ما هي المجموعة؟
تتكون المجموعة من 600 إلى 1000 شخص، ينتمون إلى عمودية واحدة. (تتكون العمودية من عدد 2 الى 4 خشم بيت داخل فرع القبيلة). وهنا يظهر عامل النفوذ و الولاء الشخصي والقبلي للقائد، أكثر من أي ولاء لأي مؤسسة أخرى.

كيف تتكون المجموعة؟
أول شخص يتم تعيينه في المجموعة هو قائدها. و الذي يستلم المال و العربات و الصلاحيات من عبدالرحيم دقلو مباشرة. يقوم بدوره بتكوين مكتب إدارة المجموعة. يتكون من عشرة أفراد من ذوي الحظوة و الثقة و الولاء. يمنح كل واحد منهم رتبة ضباط تتراوح بين ملازم الى عقيد. جميعهم من نفس العمودية لضمان الولاء. يطلب من كل واحد منهم تكوين مكتب صغير خاص به يسمى الضرا، يتكون من 2 الى 3 أفراد. و بذلك يتكون 20 الى 30 مكتب ضرا. يمنحهم المال و العربات و الرتب من ملازم الى نقيب. يقوم كل مكتب ضرا بتجميع 50 الى 100 فرد من نفس العشيرة أو الأسرة لضمان الولاء. و يمنحهم المال و الرتب من جندي الى صول. (مكتب الضرا هو أصغر وحدة إدارية في بناء المجموعة و جميعهم من عشيرة أو أسرة واحدة. ضمان الولاء و الثقة)

أين تكمن قوة المجموعة؟
استطاعت المليشيا في بداية الحرب أن تبني تماسكا داخليا قويا عبر هذه البنية القائمة على الولاء القبلي والمصالح المالية. وذلك من خلال شراء الولاءات وتوفير المال والسلطة والجاه لقادة المجموعات وأفرادها بالتسلسل الموصوف أعلاه.

لماذا أصبح قادة المجموعات نقطة ضعف المليشيا؟
واضح أن المليشيا اعتمدت على الولاء الشخصي لقادة المجموعات. لضمان الضبط و الانتماء و الولاء، أكثر من اعتمادها على مؤسسة عسكرية مركزية. لذلك أصبحت العلاقة بين الجنود وقائد المجموعة علاقة تقوم على:
الانتماء القبلي،
المصالح الشخصية،
الحماية،
الثقة الشخصية،
والتاريخ المشترك.

أي أن قائد المجموعة هو العنصر الأساسي الذي يحافظ على تماسك المجموعة. ولذلك فإن غيابه، سواء بالقتل أو الانشقاق، يعني انهيار شبكة كاملة من العلاقات والمصالح والولاءات. أي انهيار منظومة المجموعة. النتيجة: الف جندي بلا هوية و لا رابط.

استراتيجية الجيش
لأن الاستراتيجية الرئيسية للجيش منذ البداية، كانت مبنية على استنزاف المليشيا، القادة، الجنود و العتاد. أكثر من السيطرة على الأرض. فقد لاحظت استخبارات الجيش أن المجموعات التي تفقد قادتها تتفكك بصورة كبيرة و في وقت وجيز. ويفقد أفرادها القدرة على إعادة تنظيم أنفسهم أو الرغبة أو الدافعية للقتال بنفس الكفاءة السابقة. ومن هنا أصبحت قيادات المجموعات تمثل نقطة الضعف الرئيسية داخل بنية المليشيا. و صارت محل الاستهداف الرئيسي للجيش.

*كيف تحولت بنية المليشيا من مصدر قوة إلى عامل تفكيك؟*
شن الجيش حملاته كبيرة. و تعرضت المليشيا لهزائم متتالية. و استنزاف بشري كبير وسط أبناء القبائل وقادة المجموعات. وبعدها ظهر الخلل واضحا في بنية المليشيا و تشتت جنودها. و أصبحت عاجزة عن الصمود بعد غياب القادة و تراجع الضبط والمصالح.

*مقتل القادة وانهيار المجموعات*
استطاع الجيش قتل عدد من قادة المجموعات، من بينهم:
1/ اللواء عبد المنعم شيريا،
2/ اللواء جلحة،
3/ اللواء عبد الرحمن البيشي
4/ اللواء التاج فولجانق،
5/ اللواء الصادق ماكن،
6/ اللواء علي يعقوب.

أحدث غياب هؤلاء القادة حالة من الانهيار والتفكك داخل مجموعاتهم. حيث تفرقت أعداد كبيرة من أفرادها وفقدت قدرتها على العمل كوحدات متماسكة.
حاولت المليشيا استدراك الموقف باستبدال القادة بأشقائهم للمحافظة على الولاء القبلي والشخصي. لكن هذه التجربة فشلت في إعادة إنتاج نفس النفوذ والهيبة والتأثير. لأن الجنود ارتبطوا مع قادتهم بعلاقات شخصية لم يتمكن القادة الجدد من ملئ الفراغ. تفككت هذه المجموعات ولم يعد لها نفس التأثير في مسارح العمليات و فقد الجنود الرغبة في مواصلة القتال.

المرحلة الثانية من خطة الجيش
هذه النجاحات التي حققها الجيش شجعت الاستخبارات على تطوير خطتها المبنية على استهداف القادة. و بذلك انتقل تركيز الجيش من استنزاف الأفراد فقط إلى استهداف قادة المجموعات ومن ثم الانتقال الى القيادات الكبرى الأكثر تأثيرا.

من هي القيادات العليا للمليشيا؟
لاحظت الاستخبارات أن المليشيا تجمع في الفرق التي انسحب منها الجيش، أكثر من مجموعة. إلى جانب المرتزقة والعناصر الفنية و الاستخبارات و الادارات المالية و غيرها. لذلك ركزت على استهداف القيادات الكبرى في قيادة الفرق. و التي تحت سيطرتها أكثر من مجموعة. منهم اللواء كيكل، اللواء النور قبة ، اللواء السافنا، اللواء عثمان عمليات، اللواء عليا.

وفق هذه الاستراتيجية، بدأت الاستخبارات في إجراء اتصالات ومفاوضات مع بعض القيادات.
أول هذه القيادات هو اللواء أبو عاقلة كيكل (الفرقة 1 ودمدني) الذي انضم إلى الجيش بكل جنوده و استخباراته و طواقمه الفنية و الادارية و المالية وعتاده وعرباته وأسلحته. مما أحدث الأثر الأكبر في كل المسارح. و أكد نجاح خطة الجيش.

ثم انضم اللواء النور قبة، قائد الفرقة 6 في الفاشر، بكل جنوده و طواقمه الفنية و الادارية و الاستخباراتية و المالية، وعتاده وعرباته وأسلحته،
ثم اللواء السافنا، ايضا بمعظم جنوده و عرباته و طواقمه …

إلى جانب مجموعات أخرى أصغر مثل:
جماعة أبوهويلة من بارا، بعدد 15 عربة بنحو 200 جندي
ومجموعة أخرى من محور كازقيل بعدد 11 عربة بنحو 200 جندي.
و هكذا بعضهم يتم الاعلان عنه و بعضهم لم يعرفهم الراي العام ، حسب تقديرات الاستخباراتية .

كما انضم الأمير إسماعيل محمد يوسف الموتر، وهو من الشخصيات ذات المكانة الاجتماعية الكبيرة وسط قبيلته وخارجها و النفوذ السياسي و الاجتماعي الكبير.

ماذا تعني الانشقاقات الأخيرة؟
تكشف هذه الانشقاقات عن عدة حقائق منها:
1/ أن المليشيا تعاني من أزمة بنيوية داخلية كبيرة و متزايدة.
2/ استحالة استخدام مليشيا لتنفيذ مشروع سياسي. حسب ما حاول الجناح السياسي للمليشيا، الترويج له قبل و اثناء الحرب.
3/ لا يمكن بناء اي مشروع سياسي اعتمادا على الولاء القبلي والشخصي.
4/ لا تستطيع المليشيا مواجهة دولة تمتلك مؤسسات عسكرية وتنظيمية عريقة و راسخة. مهما كان التخطيط و الامداد الخارجي.
5/ تماسك المليشيا يعتمد فقط على المصالح والقيادات المحلية
6/ المليشيا لا تصلح لاقامة أي مشروع سياسي أو مؤسسي.

هل دخلت المليشيا مرحلة التفكك الداخلي؟
حاولت المليشيا استدراك الموقف عبر مسارين. كلاهما يعتمد على تمزيق النسيج الاجتماعي القبلي. كرد فعل طالما أن هذا الانتماء القبلي هو الذي أدى الى انهيار بنيتها. المسار الاول هو خطاب الكراهية و موجة اعلامية ضخمة ضد القادة الذين انشقوا عنها. باعتبار أن ذلك قد ينفث عن الغضب الداخلي أو يمتصه. المسار الثاني ايضا يمزق النسيج الاجتماعي وهو موجة عالية من الشكوك تجاه القادة المتبقين. فأصدر عبدالرحيم دقلو قراراته بسحب العربات و تخفيض الصلاحيات و اخضاع القادة من القبائل الاخرى الى المراقبة الصارمة. و ارسل الى كل مجموعة، قيادة جديدة موازية للقديمة. تتكون جميعها من فرع قبيلة الماهرية. تتولى القيادة الموازية، السلطة و جميع الصلاحيات و تصدر الاوامر حتى في تفاصيل العمل اليومي. بذلك صار قادة المجموعات الأصليين، هم انفسهم تحت قيادات أقل منهم رتبة و خبرة و لكن تقدموا عليهم فقط بميزة الانتماء لفرع الماهرية. وكما بدأت المليشيا بالتكوين القبلي عادت بتنتهي به. و كمان أن البنية التي صنعت القوة أصبحت المصدر الرئيسي للانهيار.
وأن حرب المليشيا تحولت من صراع خارجي إلى أزمة ثقة داخلية طاحنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى