رأي

الخيارات والتحديات التي تواجه قرار الحكومة باستيراد الوقود (١)

كلام
سمية سيد

قالت الحكومة بحسب ما تلاه وزير الثقافة والإعلام السيد خالد الاعيسر بانها ستتولى استيراد المواد البترولية بنفسها .

القرار لم يوضح ان كانت الحكومة ستحتكر الاستيراد بواسطة الشركات الحكومية او عن طريق احياء دور المؤسسة العامة للنفط التابعة لوزارة النفط او اي جهة حكومية اخرى وإيقاف شركات القطاع الخاص ، ام انها ستدخل منافس مع القطاع الخاص ام انها ستعود إلى تجربة محفظة استيراد السلع الاستراتيجية التي كان يقودها بنك الخرطوم.. لا زالت صيغة استيراد الحكومة للمواد البترولية بنفسها مبهمة وغير واضحة .

منذ لحظة إعلانه امس أثار التوجيه الخاص بتولي الحكومة مسؤولية استيراد المواد البترولية تساؤلات واسعة حول الكيفية التي ستوفر بها السلطات النقدية الموارد اللازمة لتمويل هذه الواردات، في ظل استمرار الضغوط على سوق النقد الأجنبي وتراجع الأدوات المتاحة لإدارة السيولة وسعر الصرف.
فالقرار لم يحدد بصورة واضحة الآلية التي سيتم بموجبها الاستيراد، وما إذا كان البنك المركزي سيتولى فتح الاعتمادات مباشرة لصالح الموردين، أو سيكتفي بتوفير النقد الأجنبي للبنوك التجارية، أو سيلجأ إلى إنشاء آلية تمويلية جديدة مشابهة للمحفظة التي كانت قائمة في السابق.
وتبرز أهمية هذه التساؤلات عند استدعاء تجربة المحفظة المشتركة التي أُنشئت بين البنك المركزي وبنك الخرطوم برأسمال بلغ نحو مليار دولار بهدف تمويل واردات المواد البترولية وتخفيف الضغط على سوق النقد الأجنبي.
اذكر وقتها كتبت مقالا انتقدت عبره اختيار بنك الخرطوم لقيادة المحفظة دون مشاركة بقية البنوك في راس المال مما أدى إلى خلاف بيني وبين محافظ البنك المركزي برعي الصديق الذي
رأيي ان المحفظة اعتمدت على نموذج تمويلي خاص يقوم على توفير النقد الأجنبي لمستوردي الوقود من مواردها، بينما يتم استخدام المقابل بالعملة المحلية في شراء حصائل صادرات الذهب من القطاع الخاص. ولضمان استدامة هذه الدورة، ألزم البنك المركزي آنذاك مصدري الذهب ببيع حصائل صادراتهم للمحفظة، بحيث يعاد توظيف هذه الموارد الأجنبية بصورة مباشرة في تمويل واردات الوقود.

تجربة محفظة تمويل السلع الاستراتيجية كانت استجابة لتحد اقتصادي معقد يتمثل في توفير سلعة استراتيجية تستحوذ على نحو ٤٠٪؜ من اجمالي الطلب على الدولار .. كانت الفكرة التي نفذت بالفعل هدفها عدم احداث ضغوط إضافية على سعر الصرف او ارتفاع معدلات التضخم .

ويرى عدد من المراقبين أن هذه الصيغة حققت قدراً معقولاً من النجاح في توفير المواد البترولية والمحافظة على استقرار سوق الصرف خلال تلك الفترة، كما ساهمت في الحد من الحاجة إلى شراء الذهب من الأسواق المحلية أو اللجوء إلى السوق الموازية للحصول على العملات الأجنبية، وهما خياران يحملان آثاراً تضخمية معروفة.

تعرضت المحفظة لانتقادات متكررة من عدد من الكتاب وانا منهم .. كان أبرزها الادعاء بأنها منحت بنك الخرطوم وضعاً احتكارياً في إدارة الملف. غير أن المدافعين عن التجربة يشيرون إلى أن النظام الأساسي للمحفظة نص على إتاحة المساهمة في رأسمالها لجميع البنوك التجارية دون استثناء، وأن المشكلة لم تكن في الهيكل القانوني للمحفظة بقدر ما كانت في ضعف مشاركة بقية البنوك أو عدم رغبتها في الانضمام إليها بالشكل المطلوب.

بعد قرار حل المحفظة وتحرير استخدام حصائل صادرات الذهب، عادت المعضلة الأساسية للظهور من جديد، وهي كيفية توفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل واردات الوقود دون إحداث اختلالات في الاقتصاد الكلي.

ففي ظل غياب المحفظة، تبدو الخيارات المتاحة أمام البنك المركزي محصورة في ثلاثة مسارات رئيسية هي
السحب من الاحتياطيات الأجنبية، أو شراء الذهب محلياً بغرض التصدير، أو شراء النقد الأجنبي من السوق. ولكل من هذه الخيارات تكلفته الاقتصادية الواضحة، سواء من خلال استنزاف الاحتياطيات، أو زيادة السيولة المحلية وما يصاحبها من ضغوط تضخمية، أو رفع الطلب على العملات الأجنبية في السوق وما يترتب عليه من ضغوط على سعر الصرف.

ويرى مؤيدو العودة إلى نظام المحفظة من الذين تحدثت معهم أن التجربة السابقة قدمت نموذجاً عملياً لمعالجة هذه الإشكالية، وأن إعادة تطويرها أو تحديثها قد تكون أقل كلفة من البدائل الأخرى المطروحة حالياً. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن الإدارة الجديدة للبنك المركزي فضلت منح البنوك التجارية ومصدري الذهب مساحة أكبر من الحرية في إدارة مواردهم، وهو التوجه الذي قاد إلى حل المحفظة وتحرير حصائل الصادر.

ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع الآليات الجديدة تحقيق التوازن بين توفير الوقود والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، أم أن الظروف الحالية ستفرض العودة بصورة أو بأخرى إلى النموذج الذي وفر هذا التوازن في السابق؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى