رأي

دبلوماسية حافة الهاوية: “التفاوض بالنار” ومستقبل الهيكل الأمني الجديد للخليج

تفكيك بنيوي للمسودة المسربة بين واشنطن وطهران، والتلازم الميداني لحرب المسيّرات فجراً مع محاولات تفخيخ الهدنة في جنوب لبنان.

تحليل: د. محمد زيدان خفاجي
باحث في العلاقات الخليجية-الإيرانية والسياسات الدولية
mohammedzidan89@gmail.com

التفاوض العنيف من إسلام آباد إلى هرمز وصناعة الردع بالشروط الإيرانية:

لم تعد كواليس الدبلوماسية الدولية بين واشنطن وطهران تُدار عبر القنوات المغلقة أو التنازلات الهادئة؛ بل أصبحت تُفرض قسراً في الميدان عبر تلازم حاد بين صياغة أوراق الاتفاق واشتعال خطوط الملاحة الحيوية. من منظور أداة التحليل الجيوسياسي، يكشف تسريب النص النهائي لمسودة اتفاق السلام برعاية باكستانية عن تحول بنيوي في موازين القوة؛ حيث خرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ليعلن بنبرة “المنتصر” أن “السيف الإيراني سيبقى مسلطاً فوق مضيق هرمز”، مؤصلاً لواقع عملياتي جديد يربط أي هدنة بإنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية وتثبيت شراكة طهران ومسقط المطلقة في إدارة شريان الطاقة العالمي. غير أن هذا “الاستسلام العملياتي” الذي حاولت إدارة ترامب هضمه ديبلوماسياً عبر إشارتها لقرب توقيع مذكرة التفاهم، سرعان ما قوبل باختبار بالستي خشن فجر اليوم السبت؛ إثر إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن إسقاط سرب من المسيّرات الانقضاضية الإيرانية حاولت استهداف سفن تجارية في المضيق. هذا التصعيد الفجرى المبرمج يبرهن على أن الحرس الثوري، لاسيما جناح أحمد وحيدي المتصلب، يوظف “القوة المسلحة الخشنة” كأداة حرب معلوماتية لرفع كلفة التراجع الأمريكي، وانتزاع الشروط القصوى المتمثلة في الإفراج الفوري عن المليارات المجمدة والتعويضات الهيكلية، فارضاً معادلة واضحة بالنار: لا أمن للملاحة الدولية دون اعتراف كامل بالسيادة الإيرانية العابرة للحدود.

تفخيخ الهدنة وتسخين جبهة لبنان لكسر “وحدة الساحات”:

ولم تقتصر ديناميكيات حافة الهاوية على مياه الخليج، بل توازت مع تحرك صهيوني متهور يسعى لتفكيك هذا التلازم الإستراتيجي عبر تسخين الجبهات الإقليمية ومحاولة إحراج طهران أمام حلفائها. إن إقدام جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم على خرق التهدئة وإصدار أوامر إخلاء فورية لسكان 20 بلدة وقرية في جنوب لبنان (بما فيها محيط مدينة النبطية) مطالباً إياهم بالتحرك شمال نهر الزهراني، يمثل محاولة صهيونية صريحة للهروب إلى الأمام وخلط الأوراق السياسية. ووفقاً لاقتراب تحليل النظم، تسعى تل أبيب عبر هذا التصعيد العسكري الوشيك إلى استغلال الانقسامات الداخلية الإيرانية بين الأجنحة الدبلوماسية والعسكرية حول حجم التنازلات المقبولة في صفقة الـ 60 يوماً النووية المقترحة؛ حيث يحاول الكيان الصهيوني تفخيخ بند “وقف الأعمال العدائية الشامل”، واضعاً عقيدة “وحدة الساحات” تحت مقصلة الاختبار: إما قبول طهران بإنقاذ بِنْيتها الجيواقتصادية مقابل التخلي اللوجستي عن أذرعها، أو الانزلاق نحو حرب استنزاف إقليمية كبرى تُبدد أوهام التسوية وتُعيد إشعال جبهة الشمال المحتل تحت النار.

الجيواقتصاد الدولي وتداعي الأسعار تحت هيبة الاتفاق:

وفي الشق السياسي والاقتصادي، يكشف الموقف الراهن عن الحرج البالغ الذي يعيشه النظام الدولي، ولا سيما كبار المستوردين في أوراسيا مثل الهند والصين، جراء حرب الناقلات وحوادث مسيّرات عمان الغامضة التي تبادلت فيها واشنطن وطهران الاتهامات حول مقتل البحارة الهنود. ومع ذلك، فإن الهبوط الحاد لأسعار نفط خام برنت لتبلغ 84 دولاراً للبرميل، يعكس حقيقة أن الأسواق العالمية باتت تخضع لهيبة الاتفاق الجاري صياغته أكثر من خضوعها لدوي الانفجارات. إن القوى العظمى، وتحديداً بكين، تمارس ضغوطاً هادئة خلف الكواليس لتمرير هذه الهدنة التقنية المؤقتة لإعادة فتح شريان هرمز، محاولةً إنقاذ خطوط إمداداتها من كماشة الصدام الأمريكي-الإيراني المباشر.

بين سلام الأوراق ومآلات النظام الإقليمي الجديد:

في التحليل الأخير، يبرهن هذا التلازم المعقد بين مسودات السلام المكتوبة وغبار المعارك المستعرة من أجواء هرمز إلى جبال جنوب لبنان، على أن المنطقة لا تسير نحو سلام مستقر بل نحو “هدنة مسلحة” تُدار بالحديد والنار. ومع وقوف كافة الأطراف الإقليمية والأساطيل الغربية في حالة استنفار قصوى، يبقى التساؤل الجيوسياسي الحرج معلقاً فوق مياه الممرات المشتعلة: هل يتحول اتفاق الساعات القادمة الموعود إلى صياغة دائمة للاعتراف بتفوق الآلة العسكرية الإيرانية، أم أن معادلة “التفاوض بالنار” الحالية هي مجرد التقاط أنفاس مؤقت لائتلاف مأزوم يبحث عن ثغرة عملياتية لترميم هيبته المتآكلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى