ماجدة حسن
عزف منفرد
انقسم الناس في موقفهم من الفنان محمد النصري إلى معسكرين: مع وضد، وفقاً لقراءة كل طرف لموقفه السياسي. ولأن السياسة ساحة للصراع والاستقطاب، فإن من وجد النصري قريباً من خندقه اصطف إلى جانبه، ومن رآه في الضفة الأخرى اتخذ موقفاً مغايراً. وهكذا وجد الفنان نفسه في قلب انقسام لا يتعلق بالضرورة بفنه، بقدر ما يتصل بموقفه السياسي.
منذ وقت طويل، لم نشهد تجربة فنية رائدة يُحتذى بها في كيفية الفصل بين موقف الفنان السياسي وإنتاجه الإبداعي. فالمسألة لا تتعلق بالنشاط الميداني وحده، بل تمتد إلى العمل الفني نفسه، الذي ينبغي أن يُقرأ وفق مقاييس تنبع من طبيعته الإبداعية، لا وفق معايير مستمدة من خارجه، ولا سيما المعايير السياسية.
غنّى محمد وردي في عهد عبود، وعزا ذلك إلى عدم نضجه السياسي في تلك المرحلة، ثم غنّى في بدايات عهد نميري، قبل أن يلتحق في أواخر عهده بصفوف المعارضة. وعلى النهج ذاته، غنّى كمال ترباس للإنقاذ. ومع ذلك، لم تنتقص هذه المواقف السياسية من مكانة وردي الفنية، ولا من تجربة ترباس الغنائية، وإن أثارت مواقفهما ردود فعل متباينة لدى الجمهور.
قد يقول قائل إن الواقع أفرز معيارين لتقييم الفنان: أحدهما إبداعي، والآخر سياسي. ويمكن ملاحظة هذا التداخل في المواقف من عدد من الفنانين، مثل محمد الأمين، وسيد خليفة، وأبوعركي البخيت، ونانسي عجاج، وسيف الجامعة، وعبد القادر سالم. وها هو الدور يصل، أخيراً، إلى محمد النصري، الذي ظل يحظى بإعجاب جمهور واسع، ليس فقط لصوته وأدائه، بل أيضاً لما قدمه من أشعار حميد، بما تحمله من ملامح الوجدان السوداني وتفاصيل الحياة اليومية.
ولأن كبار الفنانين يمتلكون شعبية واسعة وقدرة على التأثير في الرأي العام، فإن السياسة تسعى باستمرار إلى استقطابهم وتوظيف حضورهم في صراعاتها. وفي المقابل، يظل التحدي أمام الفنان هو أن يحافظ على استقلال تجربته الإبداعية، وألا يسمح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى مقياس وحيد للحكم على فنه، أو إلى سبب لإقصائه من الوجدان العام.
فالفنان الذي يحظى بمحبة جمهوره لا ينبغي أن يفقد هذه المكانة لمجرد اختلاف بعض جمهوره معه سياسياً، كما لا ينبغي أن تتحول شعبيته إلى مبرر لمنحه حصانة من النقد. فالفن ليس فوق المساءلة، لكنه أيضاً ليس تابعاً بالضرورة للمواقف السياسية لصاحبه. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين تقييم العمل الإبداعي ومناقشة خيارات الفنان السياسية، من دون الخلط بين المجالين أو استخدام أحدهما لإلغاء الآخر.
غير أن المعادلة ليست بهذه البساطة؛ فالفنان، قبل أن يكون مبدعاً، مواطن وإنسان، ومن حقه أن يشارك في قضايا وطنه، وأن يتخذ المواقف التي يراها معبّرة عن قناعاته. وليس منطقياً مطالبته بالصمت السياسي حتى يحتفظ بمحبة الجميع، أو تجريده من حقه في التعبير عن رأيه بحجة أن فنه يجمع الناس.
لكن حق الفنان في اتخاذ موقف سياسي لا يعني أن جمهوره ملزم بموافقته، مثلما أن اختلاف الجمهور معه لا يمنحه الحق في مصادرة فنه أو محو أثره الإبداعي. فالمسألة ليست في أن يكون الناس مع النصري أو ضده، بل في قدرتهم على الفصل بين النصري الفنان والنصري صاحب الموقف، وأن يتركوا للفن مساحته التي تتجاوز الانتماءات السياسية وتقلبات الصراع.
ذلك هو الامتحان الحقيقي لعلاقة الفن بالسياسة: أن يظل الاختلاف ممكناً، وألا يتحول الإعجاب إلى ولاء أعمى، أو الخلاف إلى خصومة تمحو كل ما سبقها. فالفن أوسع من خندق، والجمهور أكبر من معسكر، وقيمة التجربة الإبداعية لا ينبغي أن تُختزل في موقف سياسي، مهما كان أثره في لحظته.