محمد الشيخ حسين
هل يملك السودانيون ثقافة تناسب عصرهم؟ سؤال حاضر غائب في مجمل حركة الوعي التي تلامس مشاريع التغيير الساعية لفك الأزمات التي تملأ حياتنا.
لكن ما هو المصدر الثقافي للخلافات والإحن، بمعنى هل يملك السودانيون معارف تؤهلهم لفهم العالم الواسع والتعاطي معه بنجاح يستغل أفضل أمكانيات البلاد ومورثاتها لصالح تطوير التجارب والخبرات السودانية؟
(1)
لا يسع المجال للاستطراد أو الإجابة، لكن الإدارة العامة للمباحث والتحقيقات الجنائية في الشرطة السودانية عبر تجربة ممتدة لأكثر من 40 عاماً في مجال استخدام الكلاب البوليسية في كشف غموض الجرائم، استطاعت تطوير تجربة سودانية نفذتها قبائل الكبابيش في استخدام الكلاب في الحراسة ورعاية قطعان الثروة الحيوانية.
وبلغة أهل الثقافة، فإن هذه التجربة تصب في نسق الاستفادة من الموروث المحلي في تطوير الحياة. لكن الإدارة العامة للمباحث والتحقيقات الجنائية، تعتبر التجربة استثمارا في التجارب السودانية، وترنو إلى أن تعمم في كافة أنحاء الوطن العربي
(2)
تعود تفاصيل التجربة إلى بدايات تأسيس وحدة الكلاب الشرطية في عام 1967، حيث ظلت هذه الوحدة تؤدي عملا فنياً يتمثل في تدريب الكلاب البوليسية للاستفادة من ذكائها في كشف طلاسم بعض الجرائم. واستخدمت هذه الوحدة الكلاب الألمانية من فصيلة (الولوف). واستمرت هذه الوحدة تؤدي عملها باتقان وتحقق النجاح تلو النجاح، نظراً لتمتع الكلاب الألمانية بنسبة عالية من الذكاء، ومع تراكم التجربة والخبرة لفترة طويلة في استخدام الكلاب البوليسية، ومع البحوث المستمرة من القائمين على أمر هذه الوحدة، تمكنوا من الوصول إلى بعض الفصائل من الكلاب السودانية التي تستخدمها بعض القبائل، خاصة الكبابيس الذين يستخدمون الكلاب في عمليات الحراسة و رعاية الإبل.
(3)
لفت هذا الأمر اهتمام الباحثين في وحدة الكلاب الشرطية، وشرعوا في دراسة تجربة الكباييش لمعرفة مدى الذكاء الذي تتمتع به هذه الكلاب. وبالفعل نجحت هذه التجربة وتمكنوا من تطوير هذه الكلاب وتدريبها واستخدامها نفس الاستخدام الذي تقوم به الكلاب الألمانية.
وتقف في مقدمة إيجابيات هذه التجربة تفادي سلبيات الكلاب الألمانية التي تعودت على العيش في درجات حرارة معينة ووجبات غذائية مختلفة، خلافاً لكلاب الكبابيش التي تعودت على البيئة السودانية الجافة الحارة، ولا تتطلب الكثير من العناية والرعاية وتعيش على الأطعمة العادية في السودان. (4)
هذه التجربة الناجحة تستحق الوقوف عندها بتأمل، فالإدارة العامة للمباحثات والتحقيقات الجنائية تقدمها كتجربة فريدة في استثمار التجارب الشعبية السودانية، أنجزها رجال قطعوا شوطاً كبيراً في مجال تدريب الكلاب الشرطية. وهناك دراسة مقارنة لهذه التجربة السودانية بتجربة الكلاب الألمانية، لتعكس محاسن وإيجابيات هذه التجربة، بغية أن نعمم هذه التجرية في جميع أنحاء الوطن العربي.
ونبعت فكرة الاستعانة بكلاب الكبابيش من كون كلاب الولوف الألمانية تنتمي إلى فصيلة يمكن ترجمتها باللغة العربية [كلاب الراعي الألماني]، وهي كلاب تقوم برعاية قطعان الضان والماشية في شمال أوروبا.
(5)
من هذه الترجمة نشأت فكرة الاستعانة بكلاب الكبابيش لأنها تقوم بنفس الدور، حيث ترعى القطعان المختلفة وتقوم بكافة أدوار الحماية للقطعان. وهنا برز سؤال لماذا لا نستخدم كلاب الرعي التي تعمل في السودان، في العمل الشرطي طالما تعارف عليه عالميا أن كلاب الرعي من أفضل الكلاب التي تصلح للعمل في الحقل الشرطي.
(6)
تقطن قبائل الكبابيش في أقصى المناطق الشمالية من شمال كردفان. وتمتد (دار الكبابيش) من حدود ولاية الخرطوم شرقاً وحتى حدود شمال دار فور غرباً،
وتشتهر قبائل الكبابيش بتربية ورعي الإبل والضأن، حيث الخروف الكباشي هو المفضل بين الخراف يليه الخروف الحمري الذي تربيه قبائل الحمر.
(7)
يربي الكبابيش الكلاب لأغراض الحراسة والصيد. (صيد الغزلان والأرانب).
وتهتم قبائل الكبابيش بالسلالات الجيدة من الكلاب ويبحثون عنها في كل مكان.
وتربية الكلاب ليست ترفاً عند قبائل الكبابيش، إذ هي ضرورة حياة، فهي تساعد أصحابها في قص الأثر إذا ما ضلت بهائمهم طريقها أو اختفت بفعل اللصوص أو قطاع الطرق.
وتتحسس الكلاب لأصحابها التحركات الغريبة والمشبوهة، وهم في الخلاء أو بين الأودية. وتشبع الكلاب لمربيها هواية الصيد. وكل نوع من هذه الكلاب يحظى بالتربية والرعاية والتدريب والحفاظ على السلالة
(8)
كلاب الكبابيش هي سلالة كلاب سودانية أصيلة ترتبط بقبيلة الكبابيش، وتتميز بقدرات فائقة في الحراسة والتعقب. وتتميز بذكاء حاد وقدرة عالية على الاستجابة للتدريبات المختلفة. كما تتميز بسلوك قابل للتشكيل والسيطرة.
من ناحية الطباع والسلوك ترتبط كلاب الكبابيش بالإنسان بشكل كبير، وغير شرسة بطبعها، وتميل إلى حراسة الممتلكات والمناطق بفعالية.
ويتناقل الناس أخبار الكلاب الناجحة في مجالاتها وإنجازاتها، حيث يعرف الناس (كلاب ناس فلان)، هي من سلالة ممتازة، ولعل أشهرها كلاب الشيخ محمد علي التوم (المـُر) الوصي على نظارة الكبابيش 1945-1952
(9)
المعروف عن كلاب الشيخ المـُر أنها من فصيلة النمور يعني كلاب صيد قوية وسريعة مثل النمر. وكلب المر المشهور اسمه (عكام). وكان ضخم الجثة قوي البنية، وقيل فيه شعر:
كأنه مضبر من جرول موثق على رماح زبل.
(10)
الكبابيش قبيلة إبل وضأن، فالكلب عندهم ليس للزينة بل يقوم بالمهام التالية:
1/ حراسة مراح الضأن من الذياب والضباع بالليل.
2/ صيد الأرانب والغزالان.
3/ كترة الكلاب عندهم علامة قوة وغنى، مثل الإبل
(12)
ليس لنوع كلاب الكبايش سلالة مسجلة عالمياً، لكنها خليط من كلب الصيد الصحراوي (السلوقي) وكلب الراعي السوداني: طويل، نحيف، سريع، يتحمل العطش والحر، شرس مع الغريب وأليف مع أهل البيت.