فيما ارى
عادل الباز
“نعيد نشر هذا المقال في الذكرى السنوية لرحيل الصديق السفير عبد الله الأزرق”.
1
كيف يمكن أن تضحك الذاكرة وتبكي؟ احترتُ منذ أن سمعتُ الخبر الأليم، والذي هرعتُ فيه بآمالي إلى الكذب؛ إذ كيف يمكن أن أكتب عن الأزرق دون أن أضحك؟! وكيف يضحك من انكسر قلبه وزمَّ فؤاده الحزن؟ لم أذكر، عبر أكثر من عشرين عامًا، أن قابلته يومًا دون أن تسبقنا ضحكاتنا، وقبل أن تفتر ابتسامته التي تكشف عن تلك الفُلجة التي تتوسط الأسنان، مهمتها أن تُظلِّل أفق الضحكات بجمالها. كنا إذا نلتقي، على وقع ذلك الضحك المجنون، نتجاوز السلام واللوم، وندخل في أفق الحكايات البديعة، والقصص، والأشعار، والروايات، والأنس الجميل.
يوم اتصلتُ عليه ولم نضحك، عرفتُ أن عبد الله يودّع الفانية؛ كانت المنية قد أنشبت أظفارها في «حلقه»، حيث تُنتج الضحكات وتتفجر ينابيع القهقهات. يا له من داءٍ لعين لم يختر إلا ذلك الجزء الذي كان يهب حياته معنًى إنسانيًا عميقًا؛ هو مفتاح شخصيته، ومضمد كل جراحاته.
2
غاب وجهٌ من ضوء، وغادرتنا قامةٌ من قامات الشعر والدبلوماسية. غادر الفانية وجهٌ من وجوه النبل، ورحل عنا من كان للكلمة روحًا، وللأخلاق ظلًا، وللوطن نغم وفاء. رحل عبد الله الأزرق، الشاعر، والأديب، والدبلوماسي؛ كان دبلوماسيًا صاخب الضحكات، عميق الحكمة، يمشي على خُطى السودان كما يمشي الحرف على المعنى. الإنسان الذي لم يعرف إلا الكرم والشهامة، ولا نطق إلا صدقًا وجمالًا.
كان الأزرق (هل أقول: «كان»؟ يا ويحي… ويا ويلي!) متعدد المواهب، كما تتعدد ألوان السماء في الغروب؛ شاعرًا يطرز المعاني بخيوط من ضوء، وأديبًا يغزل اللغة برفق العارف. في حضرته كانت المجالس تضيء، وفي غيابه الآن يخيم الحزن في زوايا الأرواح التي أحبّته وارتوت من نبله. كان إنسانًا لا يُنسى: كريم النفس، رقيق القلب، شهمًا في مواقفه، صادقًا في وده، وأصيلًا في كل ما كان يفعل ويقول.
3
إن بحثتَ عن عبد الله الأزرق، الدبلوماسي الذكي الأنيق الشجاع، فيمكن أن تقرأ ما كتب رفيقه الدرديري محمد أحمد، وصديقه معاوية التوم، وزميله خالد موسى، نضَّد الله يراعهم، فقد عرفوه دبلوماسيًا أنيق الصمت، يزن الكلمات بمكيال الحكمة.
4
لو رغبت أن تعرف عن فحولته الشعرية، فيمكن أن تقرأ قصائده الجياد، أو تسأل الناقد الشاعر الكبير إبراهيم القرشي، أو أن تستمع بإفادة الشاعر الكبير خالد فتح الرحمن حول أصالة شعره ومفرداته. وكيف لا، وهو حفيد المجاذيب، وما أدراك ما هم؟ أهل دين وكرم وشهامة وتقوى وأدب، من لدن عبد الله الطيب المجذوب إلى عكير الدامر.
انظر قصيدته «كعبة المضيوم»:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً
بدوحة عزٍّ كي أروِّي فؤاديا
أولئك أقوامٌ صباحٌ أعزةٌ
مآثرُهم أربت وفاقت عداديا
دوحتهم ضاءت من العز والبها
وبالعلم والعرفان تجلّى معانيا
تسعة وثلاثون بيتًا، مكتوبة على بحر الطويل. يا لها من قصيدة، ويا لها من كلمات جزلة، ويا له من شاعر.
5
إذا كنتَ لم تتعرف عليه كاتبًا، فراجع كتابه (إدارة التوحش)، أو راجع أرشيف «الأحداث»، لتتعرف على قلم باذخ في الكتابة المسؤولة والتحليل العميق للسياسة العالمية. مئات المقالات تكشف لك عن كاتب عميق ومبهر.
أذكر أنني قرأت مقالًا واحدًا له في الصحافة السودانية، فبحثت عنه زمنًا لأستكتبه لصحيفة «الأحداث»، فاستجاب بدون لف ولا دوران، قائلًا: «بس عندي شرط واحد، أن تُنشر كما كُتبت». فقلت له: وهكذا هي «الأحداث»، لا تتدخل في مقالات كتابها أبدًا.
أما أنا الآن، فسأحدثك عن الأزرق الإنسان.
6
عرفتُ عبد الله الأزرق، الضاحك الإنسان، قبل عقدين أو أكثر من الزمان. كنتُ في ذلك المساء أتسكع في أكسفورد رود، كعادتي في المساءات اللندنية، فإذا بشخص يأخذني مباشرة بالأحضان وهو يضحك. فاستغربتُ من تلك المفاجأة، إذ كنتُ لا أعرف وقتها من هو ذلك الضحّاك الحنون. فلما رأى حيرتي قال: «مش عيب عليك تكون في لندن ولا تزور أحد كُتّابك؟».
فتأملتُ الوجه، وتطابقت الصورة. إذن أنت السفير عبد الله الأزرق! يا له من لقاء. قلت له: ولكن لي حكاية مع السفارات، حكاية سأحكيها لك مرة أخرى.
وحكايتي تلك تقول إنني، على كثرة أسفاري، كنت ولا زلت أتجنب السفارات ودبلوماسييها وموظفيها، سواء كنت أعرفهم أم لا؛ وذلك لأنني، بعد تجارب قليلة زرت فيها بعض سفاراتنا بالخارج، رأيت القوم، حين تدخل عليهم بالسلام والتحية والمجاملة، تجحظ عيونهم، وترى الخوف يتملكها، وكأنك جئت لتحملهم عبئًا أو تكلفهم ما لا طاقة لهم به، ويظنون بك الظنون، كأن الذي أتى بك الحاجة! فيسلمون عليك على عجل بطرف أصابعهم، ويغادرون سريعًا.
ومنذ أن لاحظت أحوالهم تلك، امتنعت عن زيارة السفارات السودانية نهائيًا. بالطبع، هناك كثيرون أفاضل يكرمون مقدمك ويؤنسون غربتك، ولكنهم قليل.
7
أصر الأزرق، بعد اللقاء في أكسفورد رود، أن يأخذني معه مباشرة إلى المنزل، وبإلحاح شديد. ذهبتُ وأنا كاره، وخرجتُ وأنا ندمان أنني لم أعرف هذا الإنسان من قبل.
ومنذ تلك اللحظة، امتدت صداقتنا أكثر من عشرين عامًا. كنتُ كلما أذهب إلى لندن أجد الديوان عامرًا بالضيوف، والأنس الجميل، والشعر، والحكايات. يا لها من حكايا!
لا زلت أذكر كثيرًا من الأمسيات، يقرأ لنا فيها شعرًا لا يُقرأ لعامة الناس، وأستمتع فيها بحكايات الصادق الرزيقي، وماجد عبد الباري، وعبد الرحمن سليمان، وخلق كثير لا أذكرهم، ولكنهم كلهم كانوا على قدر من الثقافة الرفيعة.
8
المرة الوحيدة التي زرته فيها ولم يستقبلني بضحكته، كانت في المستشفى، حين هوت به عربته من فوق كبري شمبات. يومها، وراء الدموع، كتمنا ضحكات، وأنا أتخيله ساخرًا من نفسه والآخرين. وقد فعل! أول ما أفاق من الغيبوبة ورآنا، قال: «إنتو هنا ولا في الآخرة؟». فضحكنا، وفرحنا، وسعدنا، وعرفنا أنه بخير ما دام قادرًا على الضحك.
9
حين خرج من المستشفى، كان يوم بهجة عظيمة؛ لم أرَ حشودًا تعاود مريضًا كما رأيت في ذلك اليوم. كان الناس يتوافدون بالعشرات. من أين لعبد الله معرفة كل هذا الخلق؟!
جاء جيرانه الأقربون، وأصدقاؤه المقربون، وتقريبًا كل الدبلوماسيين في السودان. جاءت وفود من أهله المجاذيب، الأتقياء الفصحاء. جاء الإخوان الذين عرفهم والذين لم يعرفهم. جاءت كل الطوائف والأحزاب.
تخيلتُ يومها لو أن عبد الله الأزرق دُفن في الخرطوم، إذن لما وسعت الناس الطرقات والمقابر. ولكن شاءت الأقدار أن يُدفن بعيدًا عن الأرض التي أحبها، وعشقها، وكتب فيها أروع أشعاره، وعاش فيها أجمل أيامه.
10
حين كان الأزرق يكتب في صحيفة «الأحداث»، ما كان يأخذ لنفسه أجرًا مقابل الكتابة، كبقية كتاب «الأحداث» وقتها، إذ كان المال يتسرب من بين يديه إلى الناس.
فكان عبد الله يأمرنا في كل شهر: «ادفع هذا الشهر لفلان، فإنه يربي أيتامًا، وادفع لذلك، فإنه محمول، وآخر مصاريفه كثيرة، وعمنا الحاج فلان عيان».
وكان لا يكتفي بذلك، بل يرسل المال لأوزعه على الأصدقاء والأصحاب وبعض الزملاء الصحفيين، الذين كان دائمًا ما يتفقد أحوالهم.
11
أما في لندن، فلقد مد يديه لمعارضين للنظام آنذاك، يعملون ضده، وآخرين لا يعرفهم. لم يشكُ أحدٌ منهم، رغم ما طالته من اتهامات، ولم يغضب؛ بل، على العكس، كان لا يرد على كثيرين من شأنهم، ويقول لي: «دعهم يعرفون يومًا الحقائق».
تحمل كثيرًا من الأذى؛ لأنه إن تحدث أفشى كثيرًا من أسرار الدولة التي هو مؤتمن عليها. فليس أمامه غير الصبر، وانتظار الأجر، يوم يكشف عالم الغيب الأسرار ويعرف الناس الحقائق.
12
أيها المقيم في ذاكرة الوطن… كيف تسللت من بين أنفاسنا، وتركت كلمتك الأخيرة معلقة بين السطر والدمعة؟
أيها الراحل في صمت الحكماء، الساكن في دفاتر القصيدة، الرافل – بإذن الله – في سندس وإستبرق، الراقد في نمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، المتكئ في ظل ممدود وطلح منضود… بالله، قل الآن، يا أيها الضاحك، يا أزرق العينين أبيض القلب، كيف روّضتك؟ ووين ضحكتك؟
نم هادئًا، يا من استراح من وعثاء الطريق. نم بين أوراقك وذكراك، وسيظل يلهج باسمك كل من عرفك، واستمتع بأنسك وضحكك، وكلما رفرفت راية الشعر، أو هتف نيلنا باسم النبلاء.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل مثواك جنات ورضوانًا، وألهمنا وذويك ومحبيك الصبر والسلوان.