رأي

السودان بين الجباية والإنتاج…درس تعلمته من الهند

عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
٦يوليو ٢٠٢٦

حين تضيق الموارد وتشتد الأزمات، يصبح البحث عن المال هاجساً طبيعياً لدى الدول. لكن التاريخ الاقتصادي يعلمناً أن هناك فرقاً بين دولة تبحث عن الإيرادات ودولة تصنع الثروة. الأولى تنشغل بما يمكن تحصيله اليوم، أما الثانية فتنشغل بما يمكن إنتاجه غداً.
وفي السودان، حيث أنهك العدوان والحرب الإنسان والعمران، وتراجعت حركة الإنتاج والاستثمار، وأصبحت معايش الناس أكثر هشاشة من أي وقت مضى، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أسئلة السياسة والأمن وإعادة الإعمار وهو كيف نبني اقتصاداً قادراً على النهوض من بين الركام؟
قد يظن البعض أن الإجابة تكمن في زيادة الرسوم والضرائب لتعويض النقص في الإيرادات، لكن التجارب الإنسانية تقول العكس. فالأرض العطشى لا تثمر لأننا نطالبها بالمزيد، بل لأنها تحتاج الماء والرعاية والوقت الكافي لتنبت. وكذلك الاقتصاد؛ لا ينمو بالاستنزاف، وإنما بالنماء.

ولا أحد يجادل في حق الدولة في تحصيل الإيرادات اللازمة للوفاء بالتزاماتها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الجباية من وسيلة إلى غاية، ومن أداة مالية إلى فلسفة اقتصادية. فعندما تتعدد الرسوم وتتداخل الجبايات وتتزاحم الجهات على التحصيل، يجد المنتج نفسه أمام معركة يومية للبقاء قبل أن يفكر في التوسع أو الابتكار أو خلق فرص العمل.
وفي الظروف التي يعيشها السودان اليوم تصبح هذه المسألة أكثر حساسية. فالمزارع الذي فقد جزءاً من إنتاجه، والحرفي الذي يكافح لإعادة تشغيل ورشته، وصاحب المصنع الذي يحاول الوقوف مجدداً بعد سنوات من الاضطراب، لا يحتاجون إلى مزيد من الأعباء بقدر حاجتهم إلى مساحة للتنفس وفرصة للعودة إلى دائرة الإنتاج. فالأموال التي تُنتزع من اقتصاد ضعيف ليست إيرادات جديدة بقدر ما هي اقتطاع من قدرته على التعافي والنمو.

لست من أهل الاقتصاد تخصصاً، لكن سنوات الدراسة التي قضيتها في الهند منحتني فرصة لرؤية جانب مختلف من معادلة التنمية. فقد شاركت مع عدد من الزملاء والأصدقاء في إعداد بعض الأوراق المتعلقة بالصناعات الصغيرة، وزرت عدداً من المصانع والمنشآت الإنتاجية، والتقيت رجال أعمال وصناعيين، وحضرت معارض الصناعات الصغيرة أكثر من مرة. وهناك لم أتعلّم درساً اقتصادياً فحسب، بل شاهدت بأم عيني كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تغير مصير أمة بأكملها.

لقد أدركت الهند مبكراً أن النهضة لا تصنعها المصانع العملاقة وحدها، وأن الاقتصاد القوي لا يقوم على حفنة من الشركات الكبرى مهما بلغ حجمها، بل على ملايين الأيدي التي تعمل كل صباح في ورشة صغيرة أو مزرعة متواضعة أو مشروع ناشئ. لذلك مُنحت الصناعات الصغيرة والجمعيات التعاونية الزراعية مكانة خاصة ضمن رؤيتها التنموية، ليس باعتبارها قطاعاً هامشياً، وإنما باعتبارها أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.

وما لفت انتباهي أن الدولة كانت تنظر إلى صاحب المشروع الصغير بوصفه شريكاً في صناعة المستقبل لا مجرد دافع للضرائب. كان الاهتمام موجهاً إلى إزالة العقبات وإعفاء الرسوم والجبايات لسنوات وتوحيد الضرايب في نافذة واحدة وبقيمة محفزة لا ترهق الشركاء الجدد مع ، تبسيط الإجراءات أمامهم، وتوفير التدريب الجاد والمجاني والتمويل والخدمات الفنية واللوجستية والتسوقية التي تساعدهم على النجاح. وكانت الفكرة واضحة وبسيطة وهي عندما ينجح المنتج ينجح الاقتصاد، وعندما ينجح الاقتصاد تتحسن إيرادات الدولة تلقائياً.

وهنا يكمن جوهر القضية التي نحتاج إلى التفكير فيها في السودان. فالثروة لا تبدأ من الخزانة العامة، بل تصل إليها في نهاية الرحلة. تبدأ في الحقل عندما يزرع المزارع أرضه، وفي الورشة عندما يدير العامل آلته، وفي المصنع عندما تتحول المادة الخام إلى منتج يحمل قيمة مضافة. وكلما ازدادت حلقات هذه السلسلة اتسعت دائرة الرخاء واتسعت معها موارد الدولة.

إن السودان لا يعاني من فقر الموارد، بل من ضعف تحويل تلك الموارد إلى قيمة اقتصادية. فالسمسم الذي يغادر خاماً يمكن أن يصبح صناعة للزيوت ومشتقاتها. والجلود التي تُصدر دون تصنيع يمكن أن تتحول إلى منتجات تفتح أبواب الأسواق. والقطن والصمغ العربي والفواكه والحبوب ومنتجات الثروة الحيوانية المهدرة تستطيع أن تكون أساساً لآلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة المنتشرة الجديدة في المدن والولايات.

وهنا تبرز الصناعات الصغيرة باعتبارها الخيار الأكثر واقعية في هذه المرحلة. فهي لا تحتاج إلى مليارات الدولارات ولا إلى سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية ورؤية اقتصادية قومية تدرك أن المنتج الصغير ليس عبئاً على الدولة، بل أحد أهم أصولها الاستراتيجية.

إن المصنع الصغير الذي يفتح أبوابه اليوم قد يوظف عشرة أشخاص، وبعد سنوات يوظف مائة. والتعاونية الزراعية التي تبدأ بعشرات المزارعين قد تتحول إلى مصدر دخل لمئات الأسر. والورشة المتواضعة التي تكافح من أجل البقاء قد تصبح نواة لصناعة كاملة. هكذا تُبنى الاقتصادات الحقيقية؛ خطوة بعد خطوة، ومشروعاً بعد مشروع، وإنساناً بعد إنسان.

فالسودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الأبواب التي تُطرق طلباً للجبايات ، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الأبواب التي تُفتح لدعم الإنتاج. يحتاج إلى مصنع صغير يضيء ويحيي قرية، وإلى تعاونية تعيد الحياة إلى مشروع زراعي، وإلى شاب يجد فرصة ليصنع قيمة بدلاً من انتظار المساعدة. فهناك، في مواقع العمل والإنتاج، تبدأ رحلة التعافي الحقيقي، وهناك تُبنى الثروات التي تدوم، وتُصان بها كرامة الإنسان، وتستعيد الأوطان قدرتها على النهوض.

لقد خرجت من تجربتي في الهند بقناعة ما زالت تزداد رسوخاً مع مرور الزمن وهي أن الأمم لا تنهض عندما تتقاسم ما لديها من ثروة، بل عندما تخلق ثروة جديدة. وأن الحكومات الحكيمة لا تقيس نجاحها بما جمعته من الجبايات، وإنما بما أطلقته من طاقات الإنتاج والإبداع والاعتناء بالشباب في مجتمعها.

وربما يكون السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذا التحول؛ أن ينتقل من اقتصاد يبحث عن الإيرادات إلى اقتصاد يصنعها، ومن ثقافة الجباية إلى ثقافة الإنتاج، ومن النظر إلى المواطن باعتباره مصدراً للتحصيل إلى اعتباره شريكاً في بناء الثروة الوطنية. فعندها فقط لن تكون الضرائب عبئاً يثقل كاهل الاقتصاد، بل ثمرة طبيعية لشجرة قوية الجذور، ممتدة الفروع، تعطي خيرها للوطن ولأبنائه جيلاً بعد جيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى