وليد دليل
يحمل الخطاب الذي وجهته محافظ بنك السودان المركزي إلى وزير الطاقة والنفط، والذي يربط إصدار شهادة عدم الممانعة لاستيراد المشتقات البترولية بإيداع 200 كيلوجرام من الذهب عيار 21 لدى مصفاة السودان، أكثر من مفارقة تستدعي التوقف. فالمنطق الذي يبدو كامناً وراء القرار هو محاولة تحويل عائدات الذهب، أو على الأقل جزءاً منها، إلى غطاء يدعم الاحتياطي الرسمي ويضبط حركة النقد الأجنبي المرتبطة بقطاع الطاقة. لكن المشكلة أن هذا المنطق يصطدم مباشرة بطبيعة قطاع الوقود نفسه، وهو قطاع لا يحتمل التأخير أو التعقيد الإجرائي. فالسودان يعيش منذ أشهر أزمة وقود حادة تنعكس على الكهرباء والمواصلات والخبز، وأي اشتراط جديد يبطئ سلسلة إصدار الموافقات سيعني عملياً مزيداً من الانتظار قبل وصول الشحنات، في وقت لا يحتمل فيه السوق مزيداً من التأخير.
ثم تأتي المفارقة الأعمق، وهي أن الشركات العاملة في استيراد المشتقات البترولية شركات تجارية ولوجستية بطبيعتها، لا تملك في الغالب مخزوناً من الذهب يمكنها التصرف فيه بسهولة. وهذا يعني أنها ستجد نفسها مضطرة للبحث عن هذه الكمية في سوق الذهب المحلي، وهو سوق متوتر أصلاً ومرتبط بشبكات تهريب واسعة.
والنتيجة المرجحة هي أن الطلب الجديد على الذهب، الناتج عن هذا الاشتراط، قد يغذي السوق الموازي بدل أن يضعفه، عكس ما يفترض أن يكون الهدف من القرار. كما أن قدرة تأمين هذه الكمية ستكون أيسر على كبار المستوردين أو مَن لديهم علاقات قائمة مع شبكات تعدين أو تهريب، وهو ما يفتح الباب أمام تركز السوق في يد عدد محدود من الفاعلين، على حساب الشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تجد نفسها خارج المنافسة تماماً.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن القرار لم يوضح آلية استرداد هذا “الضمان العيني”، ولا تسعيره، ولا الجدول الزمني للإفراج عنه. وفي غياب أي حافز سعري أو إعفاء يجعل تقديم هذا الضمان مجدياً اقتصادياً، فإن الشركات ستحاول إيجاد طرق للالتفاف على الشرط، أو ستحمّل تكلفته في النهاية على المستهلك النهائي عبر رفع أسعار الوقود. وهذا تكرار لنمط رأيناه في تعاميم البنك المركزي السابقة بشأن الذهب والصادرات والواردات، حيث تغيب آلية التسعير العادل التي تجعل القرار قابلاً للتطبيق على أرض الواقع، لا مجرد إجراء إداري يضاف إلى طبقات البيروقراطية القائمة.
وحتى على المستوى الإجرائي، فإن الربط الإلكتروني المقترح بين وزارة الطاقة ومصفاة الذهب، والتنسيق اليومي بينهما، يبدو مطلباً معقولاً من حيث المبدأ، لكنه في بيئة تتسم بضعف الاتصالات والكهرباء وتشتت المؤسسات، قد يتحول إلى عنق زجاجة إضافي يطول من زمن إصدار الموافقات بدل أن يسرّعه. وفي المحصلة، يبدو القرار استمراراً لنهج معالجة الأزمات بإجراءات إدارية فوقية، بدل التعامل مع الأسباب البنيوية الحقيقية المتمثلة في تهريب الذهب، وتعدد أسعار الصرف، وضعف القطاع المصرفي.
وما لم يصحب القرار بآلية تسعير واضحة وجدول زمني محدد للإفراج عن الضمان، فإن أثره الأقرب سيكون مزيداً من التأخير في وصول شحنات الوقود، وضغطاً إضافياً على سوق الذهب الموازي، وتركزاً أكبر للسوق في يد كبار المستوردين.