د. الصادق علي حاج الشيخ
حين تهدأ المدافع، ويعود الليل إلى هدوئه القديم، لا تنتهي الحكاية.
فثمة وطن يقف بين ركام الأمس ودهشة الغد، يفتش في ذاكرته عن صوته الذي غاب، وفي ترابه عن خطى الذين رحلوا، وفي عيون أبنائه عن بقية من حلم لم تستطع الحرب أن تطفئه.
هكذا يقف السودان اليوم؛ وطن أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد القدرة على النهوض. قد تكون بعض مدنه قد انحنت تحت ثقل الخراب، لكن روحه ما زالت واقفة، مثل نخلة سودانية تضرب جذورها عميقاً في الأرض، ثم ترفع رأسها إلى السماء، وكأنها تعرف أن الريح مهما اشتدت لا تستطيع اقتلاع وطـن متجذر في التاريخ.
فالسودان ليس مجرد أرض يمتد بينها نيلان وأنهار ، ولا مجرد تراب يخفي في جوفه ذهباً ونفطاً ومعادن. السودان، قبل ذلك كله، هو الإنسان؛ الفلاح الذي يعرف أسرار الأرض، والحرفي الذي يحمل في يديه خبرة الأجيال، والفنان الذي يحفظ إيقاع الوطن، والعالم الذي يفتش عن نافذة للمستقبل، والشاب الذي يحلم أن يصنع من فكرة صغيرة شيئاً يغير حياة الناس.
وفي بلد عبرت على أرضه حضارات عريقة، وتركت في حجارتها وفنونها وذاكرتها ما يشهد على عمق الإنسان الذي عاش هنا، تبدو الذاكرة نفسها ثروة. ففي الأغنية والحكاية والحرفة والزي، وفي المعارف التي توارثها الناس جيلاً بعد جيل، ثمة كنز لم نكتشف بعد كامل قيمته… إنه كنز المعرفة.. الثروة التي لا تنضب.
لعل السودان، بعد كل ما مر به، مدعو إلى إعادة النظر في معنى الثروة. فقد اعتدنا أن نبحث عن الذهب تحت الأرض، بينما يوجد ذهب آخر لا ينضب في أعماق الإنسان. وظللنا نقيس قوة الوطن بما يملك من موارد، بينما تقيس الأمم الحديثة قوتها بما تستطيع أن تفعله بعقول أبنائها.
ولهذا، فإن معركة السودان بعد الحرب لن تكون معركة إعادة بناء الحجر وحده، وإنما معركة إعادة بناء الإنسان؛ أن نستعيد للعلم مكانه، وللمعرفة قيمتها، وللموهبة طريقها، وللإبداع حريته، وللتراث مكانته، وللفكرة حقها في أن تتحول إلى مشروع.
فالثروة الطبيعية قد تتراجع أو تنضب، أما المعرفة والإبداع فهما ثروة تتجدد كلما أحسن المجتمع الاستثمار فيهما. من الفكرة إلى الثروة
في اقتصاد القرن الحادي والعشرين، أصبحت الفكرة رأس مال. فالاختراع قد يتحول إلى صناعة، والبرمجية إلى شركة، والتصميم إلى علامة تجارية، والبحث العلمي إلى منتج يخلق فرص العمل، بل إن خوارزمية مبتكرة أو تطبيقاً رقمياً قد يصبحان أكثر قيمة من أصول مادية ضخمة.
ومن هنا تأتي أهمية الملكية الفكرية، لا باعتبارها منظومة قانونية لحماية حقوق المبدعين فحسب، وإنما باعتبارها جسراً يصل الفكرة بالسوق، ويحول المعرفة إلى قيمة اقتصادية.
فالمخترع يحتاج إلى حماية اختراعه، والباحث إلى بيئة تشجع ابتكاره، والفنان إلى صون إبداعه، ورائد الأعمال إلى حماية علامته، والمجتمع المحلي إلى حماية تراثه ومعارفه من الاستغلال غير المشروع.
إن بناء اقتصاد المعرفة يبدأ من حماية الفكرة، ثم توفير البيئة التي تسمح لها بأن تنمو، وتتحول إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل.
وهنا تبرز أهمية تحديث منظومة الملكية الفكرية في السودان، بما يواكب التحولات التي أحدثها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، ويمنح المبدعين والشباب حوافز حقيقية للابتكار، ويجعل من حماية المعرفة جزءاً من استراتيجية التنمية وإعادة الإعمار.
التراث… من ذاكرة الماضي إلى اقتصاد المستقبل
يمتلك السودان تراثاً ثقافياً واسعاً، من الحرف والأزياء والفنون والموسيقى إلى الحكايات والمعارف الشعبية والخبرات الزراعية والطب التقليدي.
وهذا التراث ليس مجرد ذاكرة ينبغي حفظها، بل يمكن أن يصبح مورداً اقتصادياً إذا جرى توثيقه وحمايته وتطويره وربطه بالأسواق.
فالحرفة يمكن أن تتحول إلى علامة تجارية، والفن إلى صناعة، والتراث إلى سياحة، والمعرفة التقليدية إلى مجال للبحث والابتكار.
لكن ذلك يتطلب حماية حقوق المجتمعات التي حفظت هذه المعارف، وضمان استفادتها من أي قيمة اقتصادية تنشأ عنها. كما يمثل التنوع الحيوي والموارد الجينية السودانية، بما فيها النباتات الطبية والأصناف الزراعية والسلالات الحيوانية، رصيداً استراتيجياً يستحق الحماية والاستثمار، خصوصاً في عصر تتقدم فيه التكنولوجيا الحيوية بسرعة. ومن ثم، فإن حماية هذه الموارد والمعارف المرتبطة بها ليست قضية ثقافية فحسب، بل قضية اقتصادية وسيادية أيضاً.
العقول السودانية… الثروة التي لا ينبغي أن تضيع
ربما لا توجد خسارة أكثر إيلاماً من أن يمتلك بلد ما العقول ثم يخسرها.
فالسودان زاخر بالشباب الموهوبين في التكنولوجيا والعلوم والفنون وريادة الأعمال، كما أن السودانيين في الخارج يمثلون شبكة واسعة من الخبرات والكفاءات.
ولهذا، ينبغي أن تصبح هذه الطاقات جزءاً من مشروع إعادة البناء. وليس المطلوب بالضرورة أن يعود الجميع، بل أن تُبنى جسور دائمة للمعرفة والاستثمار والتدريب ونقل التكنولوجيا.
فقد يعود الطبيب بعلمه، والعالم ببحثه، والمهندس بخبرته، ورجل الأعمال باستثماره، وقد يشارك آخرون عن بُعد في تدريب جيل جديد أو تأسيس شركة أو تمويل مشروع ابتكاري.
وهكذا يمكن تحويل الشتات من خسارة إلى قوة، ومن نزيف للعقول إلى شبكة عالمية تخدم مشروع النهضة الوطنية.
من الجامعة إلى السوق
لا يمكن أن يقوم اقتصاد المعرفة بجامعات معزولة عن الاقتصاد، أو مراكز بحث لا تجد طريقها إلى السوق.
يحتاج السودان إلى إعادة بناء منظومة التعليم والبحث والابتكار على أساس أكثر ارتباطاً باحتياجات الاقتصاد والمجتمع، وربط الجامعات ومراكز البحث بالقطاع الخاص والصناعة، وإنشاء حاضنات ومراكز للابتكار، وتمويل الشركات الناشئة، ومنح الشباب الفرصة لتحويل أفكارهم إلى مشروعات. كما أن الاقتصاد الرقمي يفتح أمام السودان فرصة لتجاوز بعض قيود البنية التقليدية، عبر الاستثمار في البرمجيات والخدمات الرقمية والعمل عن بُعد والتجارة الإلكترونية، وهي مجالات يمكن أن تتيح للشباب فرصاً جديدة داخل السودان وخارجه.
فالمعرفة لا تكتمل قيمتها حين تبقى في الكتب والمختبرات، وإنما حين تتحول إلى منتج وخدمة وفرصة عمل.
مؤسسة وطنية لرعاية الثروة الفكرية
في هذا السياق، تبدو الحاجة ماسة إلى إنشاء مجلس وطني أعلى للملكية الفكرية، يوحد السياسات والجهود، ويربط هذا الملف بالتنمية الاقتصادية والعلمية والثقافية.
وينبغي أن يمتد دوره ليشمل حقوق المؤلف والبراءات والعلامات التجارية والتصاميم، إلى جانب المعارف التقليدية والتعبيرات الثقافية والموارد الجينية والمؤشرات الجغرافية، وأن يعمل بالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية.
وتبرز هنا فرصة مهمة مع تولي الدكتور كامل الطيب إدريس رئاسة مجلس الوزراء، بما يمتلكه من خبرة دولية في مجال الملكية الفكرية؛ وهي خبرة يمكن أن تسهم في وضع رؤية وطنية تجعل من الابتكار والمعرفة والإبداع ركائز أساسية لمشروع إعادة بناء السودان.
وطن ينهض بما يسكن في داخله:
قد يعيد السودان بناء البيوت التي تهدمت، والطرق التي انقطعت، والجسور التي سقطت، وقد تعود المصانع والمدارس والجامعات إلى الحياة. لكن النهضة الحقيقية لا تبدأ حين ترتفع الجدران، وإنما حين يرتفع الإنسان.
ولعل السودان، الذي ظل واقفاً على ضفاف النيل آلاف السنين، يعرف معنى البقاء. فالنيل يمضي، والنخلة تنحني للريح ثم تعود، والأرض، مهما عطشت، تخبئ دائماً وعداً بالمطر.
هكذا ينبغي أن يكون السودان.. أن يأخذ من النيل معنى الاستمرار، ومن النخيل معنى الصبر، ومن الأرض معنى الأمل.. أن يخرج من الحرب لا مثقلاً بذاكرة الخراب فقط، بل محملاً بإرادة البناء ففي هذا الوطن تراث ينبغي ألا يضيع، ومعارف ينبغي ألا تموت، ومواهب ينبغي ألا تهاجر، وأفكار ينبغي أن تجد طريقها من العقل إلى المختبر، ومن المختبر إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق.
إن أعظم ما يمكن أن يفعله السودان بعد الحرب هو أن يستثمر في الإنسان؛ أن يجعل من المعرفة قوة، ومن الإبداع صناعة، ومن التراث مورداً، ومن الابتكار ثقافة.
فالثروة التي تستخرجها الأرض قد تنفد، أما الثروة التي يصنعها العقل فلا تنتهي.. ومن رماد الحرب يمكن أن تولد نهضة، ومن ذاكرة الألم يمكن أن يولد الأمل، ومن ثروة العقول يمكن أن يولد وطن جديد.
وعندما ينجح السودان في أن يجعل من عقوله ثروة، ومن ذاكرته جسراً، ومن تراثه قيمة، فإنه لن يكون قد أعاد بناء ما هدمته الحرب فحسب، بل سيكون قد بدأ كتابة فصل جديد من تاريخه؛ فصل لا يكون فيه الإنسان مجرد ناجٍ من الحرب، بل صانعاً للمستقبل.
فالسودان الذي ينهض من رماد الحرب لن يكون هو السودان الذي كان… بل السودان الذي حلم به أبناؤه، ولم يجدوا حتى الآن الفرصة ليبنوه.