والقصة ما قصة رغيف”

د.عبد اللطيف البوني يكتب:”
(1)
من الكتب القيمة التي قرأتها و التي تلصق بالذاكرة كتاب
Lords of Poverty
سادة الفقر تأليف
Graham Hancock
غراهام هانكوك صدر في ثمانينات القرن الماضي قرأته مُترجماً…تناول الكاتب فيه قصة المعونات الدولية… أي المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الدولية مثل وكالات الأمم المتحدة والبنك الدولي والدول الغربية …وكيف أنها أصبحت مدخلاً لفساد عالمي يقوم به الحكام وكبار الموظفين في الوكالات المختصة هذا من جهة الدول المانحة ….والحكام الطغاة وكبار المسؤلين في العالم الثالث المتلقي ..وأوضح الكاتب ان الذي يصل للفقراء الذين جُمعت الأموال باسمهم مجرّد فتات …وكشف الآليات التي تجمع بها الأموال وكيفية توزيعها.. والأبعاد السياسية المحرّكة لكل اللوجستيات التي تتم بها العمليات ..وتكمن خطورة الكتاب في أن مؤلفه شخصياً كان موظفاً كبيراً في في تلك الوكالات …لدرجة انه صادق منغستو هيلاماريام ومحمد سياد بري ..وبذا يكون شاهد ملك لأنه اغتنى من الفقر هو الآخر وبالمناسبة قد عمل بالسودان …
أهم مافي الكتاب انه يوضح سطوة تلك الجمعيات الطوعية غير الحكومية على الحكام في الدول المانحة وفي الدول الممنوح لها معاً …وبالتالي أصبحت أداة من أدوات السيطرة والهيمنة الغربية على دول العالم النامي …لقد حلت محل الأحلاف العسكرية والجيوش والقوة المادية المباشرة …هكذا تظل العلاقة غير المكافئة بين العالمين المتقدّم والمتخلف ولكن تتغيّر أدوات وآليات السيطرة ..فهذا زمان المنظمات العالمية غير الحكومية والتي تعرف اختصاراً ب NGO,s(الان جي أوز ) ..
(2)
خطورة هذة المنظمات إنها أصبحت لا تتلاعب في مصادر تمويلها ومبرّرات وجودها… وبما لها من سطوة ونفوذ تفرض رأيها ورؤيتها ..فإذا قالت إن هناك مجاعة في بلد ما …يعني في مجاعة ..كسر رقبة ..وإذا دعت لتدخل إنساني بأي شكل لابد من الاستجابة لها ..ما تصدره من بيانات هو الذي يجب أن يكون عليه العمل …نحن هنا لسنا بصدد التخويف منها ولسنا بصدد ضرورة مقاومتها …ففي الحالتين .دة شعرا ما عندنا ليه رقبة ..نحن كمواطنين ونحن كبلد ..فحالنا يغني عن سؤالنا ..ولكن الذي ندعو إليه هو ضرورة معرفتها والأهم لابد من مداراتها لتجنّب شرورها ..يعني نلعب معها بولتيكا ..على طريقة الراحل الأب فليب عباس غبوش (قلت ياود يافيليب ألعب بولتيكا)..
أما مناسبة ذكرنا لها اليوم فهو ما ذكرناه في المقالات السابقة من نُذُر ضعف الإنتاج نتيجة شح الأمطار في بعض مناطق الإنتاج …والتي قلنا فيها إن خيارات السودان المتعدّدة تجعله في مأمن من المجاعة حتى ولو توالت عليه مواسم جفاف ..ولكن مشكلة السودان في ضعف الإرادة وسوء الإدارة… ولن نبالغ إذا قلنا الجهل بمحرّكات السياسة العالمية …وهذا داء قديم من زمن الخليفة عبدالله …فمع بداية الهجمة الاستعمارية كان الخليفة يستعد لغزو الحبشة.. فكتب له منليك ملك الحبشة بأن الطليان قادمين إليهم.. والإنجليز قادمين للسودان فالأوفق أن نتفق لمواجهة الغزاة الأوروبيين… بدلاً من أن نحارب بعضنا البعض …لكن الخليفة كان في واد آخر و للقصة جوانب طريفة ..
(3)
الذي دعونا إليه في مقالاتنا السابقة عن الجوع والمجاعة ونقص الثمرات وشح الأمطار ..هو أن سد الذرائع …وعدم إعطاء (سادة الفقر) والترجمة الصحيحة “لوردات الفقر”…أي المتكسّبين منه ..الذين تحدث عنهم جراهام هانكوك والذين كان هو واحداً منهم فرصة للنيل منا …وذلك بامتلاك المعلومة الصحيحة عن أحوالنا …ثم العمل بتجرّد لتلافي النقص المتوقع ..وسد الثغرات باصلاحات داخلية ..ووقف الفساد الذي ينخر في جسد الأمة …كل هذا قبل أن يقبل علينا (لوردات الفقر) بآلاتهم الإعلامية الضخمة ويدهم الطولي الباطشة ..ليس كراهية فينا إنما حباً لمصالحهم … فالحرب هنا حرب أرزاق …وهنا مكمن الشراسة ..فالحكاية يا جماعة ليس هل عندنا ما يكفينا من القوت ولا ماعندنا …القصة ما قصة رغيف …الحكاية بولتيكا …فانزعوا الجرثومة بالمعرفة ثم التصرّف المسؤل ..

↑
Exit mobile version