عفوا إن قدمت متأخرا، فقد استجاشت الخواطر قبل ازدراف الدمع لأنك لم تكن مجرد طيف عابر تكفيك العبرات و الحروف العاطلة، لكنك غرست معنى عميقا من الدرس و الفكر والمنهج فى قلب كل مثقف يبحث عن الحقيقة الساطعة والمجردة دون بهرج من الالوان الزائفة.. عشت حياتك بين اليقين و المقاومة كما وصفت نفسك وهى قيم ارتضعتها من سيرة الوالدين، لم تكتسبها من تلقاء أثر أيدلوجى او تأثير ثقافى خارج بيئة تلك القرية الوادعة ام دم حاج أحمد فى قلب كردفان، و هى تشهد تاريخ المقاومة مع المهدى منذ معارك شيكان وهزيمة هكس باشا وسقوط الابيض.
نكتب اليك ونحن الشعب السودانى من فئة آكلى التسالى، كما وصفتنا، لم تترك لنا عمارات تتناطح فى سماء الخرطوم او برج يتهادى علي ضفاف الخليج او قلعة تتلاصف اضواؤها على نهر البوتوماك بواشنطن. بل تركت ارثا فكريا سيظل يضيء منارات الوعى لعقود قادمة، لم تثنيك عن الحقيقة مغارم الوجع والتطلع لذهب المعز او ان تخاف من نطعه او تتهيب بطش سيفه. استحالت محابر النعى عن مآثر المرحوم بروفيسور التيجانى عبد القادر الفكرية و مناقبه الشخصية الى بقايا من مداد حزين، وشجن هطول ، ومهما اغدقوا عليه من المناقب و المآثر فلن يستوفوا حقه ويقاربوا قدره… فقد كان نسيج وحده، نشأ عصاميا ومات وحيدا فى محرابه، لم يتكىء على إرث أحد ولم تصطنعه فى نضجه المعرفى رافعة سياسية أو فكرية.. لذلك فقد نشأ أصيلا فى فكره واجتهاده وهو يجترح حفرياته فى مدارسات القرآن ومقابسات الفكر. كان يقرأ لأبن يتيمية و يقف على قوافى نزار قبانى ويطرب لأماديح الشيخ البرعى ويعدها ثورة ثقافية دون تعارض، ويراها نتاج سياقات فكرية وثقافية وأدبية لتحديات زمانهم و تداعيات الظاهرة الإجتماعية لعصورهم رغم إختلاف كسوبهم الفقهية والأدبية والصوفية ، اي ان منهج د. التيجانى لا يستنكف دراسة أى ظاهرة والوقوف على أثرها الاجتماعى والسياسى والفكرى و الادبى. أدواته فى ذلك المنهج العلمى والبحث الموضوعى، والعقل المنفتح واستنكاف الاسقاطات الايدلوجية على الظاهرة التاريخية والتخندق فى المواقف التاريخية و انتباذ الدوغمائية. ابرز ما يميز أسلوب المرحوم الدكتور التيجانى عبد القادر هو بساطة العبارة وعمق الفكرة. وقد نذر نفسه خلال حياته لأربع مهام كبرى هى: الاولى: انتباذ النشاط السياسي الوظيفى و العمل فى حقل الفكر الإسلامي. وقد اختار وجهته التاريخية بوعى وإدراك اذ كان يمكن ان يكون احد وجوه المرحلة ورفض لقب الوزير او القائد السياسي وارتضى وصف “المفكراتى” رغم ظلال المعنى والشهود. وترك بعد كدح فكرى منهج فى الدراسات القرآنية يدرس على مستوي جامعات العالم. الثانية: نشدان الإصلاح اذ قبل لنفسه دورا وظيفيا كمثقف عضوى وأن يكون هدفه الإصلاح السياسي والإجتماعى، وأن ينحاز للحقيقة مهما كلفه الامر، و أن يخوض معركة الإصلاح مع اصدقائه قبل خصومه، لذا انتصب ليحذر من الثنائيات المدمرة استشراء الفساد السياسي و المادى و كتب بضمير المثقف مطالبا الرئيس السابق بالرحيل. ونادى بفتح الحوار بين اطياف النادى السياسي والفكرى و عدم التخندق فى المواقف التاريخية. و جعل منهجه توخى الموضوعية والبحث عن الحقيقة. ثالثا: جعل من قضية العدل الاجتماعى قلب مشروعه الإصلاحى و إتخذ من تجديد الفكر الإسلامى غايته الكبرى واصاب فيها نجاحا كبيرا. و ظل منهجه هو الحفريات والتفكيك للوصول للحقيقة، وجعل مهمته فحص الاوتاد قبل شد الخيمة حتى يتأكد من سلامة الرؤية وربطها بمنابعها الأصلية وأهدافها الكلية وفق اجتهاد إسلامى اصيل. رابعا: اختار الاستقلال السياسي والفكرى ليقدم نقده للتجربة و تحرر من قيود الانتماءات جميعها الا وجدانه السودانى و العمل من داخل حقل الفكر الإسلامي، ونأى بنفسه ان يتحيز لمذهب فقهى، او مدرسة فكرية او الانغلاق على تفسير أحادى وجعل من دراسات القرآن محورا لحياته الفكرية وقدم فيها أطروحات عميقة ومنهجا جديدا حظى بالقبول فى الأوساط الاكاديمية والفكرية على مستوى العالم. وحرر دراسات القرآن من مذاهب الإعجاز البيانى التى سادت منذ عصر الزمخشرى، وقدم منهج المفاهيم القرآنية على أساس الحقول المعرفية التى تتكامل فيها فقه اللغة و المعانى والتفاسير وفقه السنة و مناهج الاستنباط، وأصول الفقه والأحكام و حوادث التاريخ وأسباب النزول وغيرها. ورغم سيرته العلمية الواسعة التى تخطت حدود الوطن الجغرافية، ظل سودانيا قحا من حيث الثقافة و الانتماء والوجدان والتاريخ إذ قال عن نفسه إنه من حيث الشكل واللون سودانى افريقي، ومن حيث اللغة عربى، ومن حيث العقيدة مسلم و يشده الانتماء الأسرى الى الطريقة التيجانية، و تصله السياسة بالحقل الاسلامي ومن ناحية المهنة مرتبط بالفلسفة و التدريس والفكر الإسلامى، لكنه رغم ذلك يرفض التنميط لأنه يعلو بالوعى والإرادة ، ، كما انه يحتفظ بمساحة واسعة من الإستقلال الذاتى و الفكرى لنقد كل الممارسات والظواهر دون محاباة إلا معرفة الحقيقة. أغدق على الزمان صحبة متفرقة و عابرة معه فى الخرطوم وأنا طالب جامعى وفى كوالالمبور وأنا طالب دراسات عليا و فى واشنطن و الدوحة وأنا موظف خدمة عامة. . لم أتتلمذ عليه كفاحا فى قاعات الدرس، و تركت أفكاره وشخصيته أثرا عميقا فى مقارباتى الثقافية و نظرتى للناس و الأشياء.. ما اسرده فى هذا المقال من مشاهد هى حصيلة قراءات وحوارات متفرقة معه عبر مناخات شتى مع اختلاف الجغرافيا والشخوص وطقوس الحوار..وما اسرده من مشاهد فى هذا المقال لا أعنى به وقائع او مشاهد تشخيصية على الحصر، لكن بعضها مواقف فكرية وحوارات ثقافية وسياسة لكن تكشف بوضوح عن أفكاره وموقفه من الحياة والناس والتاريخ. لفت نظرى ان معظم مقالات النعى ركزت على تاريخ نشاطه الطلابى و رباطة جأشه فى تصديه لنظام مايو و لباقته فى الخطاب الجماهيرى وقيادته المتفردة، و سلط آخرون الضوء على حيثيات مفارقته لرهطه و إنتباذ تجربة الانقاذ الذى آثر الإبتعاد عنها مغتربا ومهاجرا، وانه عاف مغانمها وانقلابها وكذلك نقده لها ومطالبته للرئيس البشير ان يحمل عصاه وان يرحل ليترك لشعبه إختيار مصيره ومستقبله. لكن الأثر الباقى للدكتور التيجانى ليس فى بسالة تصديه لنظام نميرى ولا فى نقده لتجربة الانقاذ لكن في ما تركه من منهج فى مسار الفكر الإسلامى خاصة فى الدراسات المفاهيمية القرآنية ، و الذى أعده عن قناعة انه ثورة غير مسبوقة فى مجاله. فى مدارساته كان يعترف ان الماركسية أعلت من العامل الإقتصادى فى دراسة التاريخ، وان مفهوم العدالة الإجتماعية أكتسب بعدا ثوريا غير مسبوق عند ماركس، لذا كان يدعوا للإستفادة من المنهج الماركسي فى التحليل الطبقى ولم يجعل من خصومته الفكرية حاجزا، كما كان داعيا لتجاوز الثنائيات المدمرة و القاتلة وان الصراع بين العلمانية و الإسلام فى تمظهرته السياسية فى تاريخ السودان الحديث صراعا عبثيا مكلفا و ان المشتركات بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية أكبر من الإختلافات إذ تجردت من شح النخبة و أهوائها الذاتية، وأن الحوار الجاد و المنفتح هو الترياق ، بل توصل فى رسالته الذائعة الصيت عن أصول الفكر السياسى فى القرآن المكى أنه يمكن القبول بقدر من العلمانية بأعتبارها أحد مخزونات الحكمة فى التجربة الإنسانية. و يعد التيجانى فكريا أول من إنتقد مفهوم الدولة الإسلامية والتى سلخت كثير من التيارات الإسلامية عمرها فى محاولة تأسيسها وترسيخها، وقدم مقاربة تجاوزت اطروحة الدكتور عبد الوهاب الأفندى فى كتابه who needs an Islamic state? وهى أطروحة اقرب لما قدمه فوكوياما عن نهاية التاريخ فى أن الديمقراطية الليبرالية هى أعلى مسارات الحرية التى يكتمل بها النموذج الإنسانى، ورغم إستدراكات وائل حلاق فى الدولة المستحيلة وما صدر مؤخرا عن فوكوياما بشأن مذكراته عن نهاية التاريخ ونشر مقطفات منها تحت عنوان How Realism gets the world profoundly wrong والتى قدم فيها مرافعة دفاعا عن النظرية الواقعية وسياسة امريكا الخارجية فى حجاج فكري مع استاذ العلوم السياسية الشهير بروفيسور ماشماير وفرق فيها بين واقعية الاهداف والوسائل. تفرد الدكتور التيجانى بان المفهوم الأدق هو دولة المسلمين لا الدولة الإسلامية، ودولة المسلمين هى نتاج تفاعلات وتدافعات المجتمع بره وفاجره وليس مجرد إنزال نموذج مقدس على أرض الواقع. أحدث الدكتور نقلة فى مناهج الفكر الإسلامى، و لم تعد دراسات القرآن الكريم قبل التيجانى وبعده واحدة، لم يكن قرآنيا يرفض السنة او سلفيا يري السنة قاضية على القرآن. كان منهجه يقوم على الشمول وجعل من صياغة مفاهيم القرآن ثورة فى الفكر، و قدم لها تأصيلا علميا وغذاها بمناهج ونماذج دراسية وعلمها لطلابه و اصبحت منهجا معتمدا يدرس فى الجامعات على مستوى العالم. هذه المشاهد وان بدت متفرقة لكنها تكشف شيئا من معدنه الإنسانى واصالته واستقامته الفكرية. المشهد الأول: غرفة التحقيق فى دولة عربية إستقدمت الدكتور التيجانى عبد القادر للتدريس فى جامعاتها، قال له المحقق الأمنى، هل ما زلت يا دكتور ناشطا وعضوا مع الإسلامين؟ فأجابه بهدوءه المعهود ورصانته المعروفة، إننى يا سيدى الضابط سلخت ازهى سنوات عمرى ناشطا فى تنظيم الإسلامين لكنى خرجت عن التنظيم والأيدلوجيا قبل سنوات طويلة، لكننى مؤمن بالفكر الإسلامى الذى يسم حياتى كلها ولست معنيا بالتنظيم الإسلامى.وأننى خرجت من ضيق التنظيم إلى سعة الفكر الإسلامى وهو ما يحتاج كل جهدى وجل طاقتى الفكرية.و عندما كثر معه الجدل والإستدعاءات خرج طوعا من تلك الدولة فى الوقت الذى طلبوا منه رسميا البقاء لمزيد من الحوار لفهم الظاهرة الإسلامية. كان يمكن للدكتور التيجانى ان يساوم على وظيفته وان يرتصى بشروط الاقامة لكنه أنتصر لحريته الفكرية وهو لم يكن حينها عضوا نشطا فى أى تنظيم بل كان مفكرا يبحث عن فضاءات رحبة دون تقييد او تكميم للافواه والعقول والأقلام.
المشهد الثانى: محامى الهجرة فى ولاية فيرجينيا يلح عليه للأخذ بالطريق المختصر والآمن و المضمون للحصول علي الإقامة الدائمة والجنسية، وهو التوقيع على طلب صغير معد سلفا للجؤ مع توفر كل الحيثيات والادبيات المحفوظة وهو درب جربه عشرات الآلاف . فرفض العرض وقال له مثلى لا يسلك هذا الطريق، و أكد للمحامى بثقة انه سيناله بالتميز العلمى وليس اللجوء السياسي. و بالفعل وافقت سلطات الهجرة الأمريكية على منحه حق الاقامة الدائمة بسبب التميز العلمي والتخصص النادر الذى تحتاجه المؤسسات الأمريكية فى مجالى الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي و دراسات الشرق الاوسط. فهو اختار الطريق الاصعب لاستقامته مع نفسه وكان يمكن ان يختار الطريق الاقصر. وتكرر مشهد شبيه معه فى صالة المغادرة عبر مطار الخرطوم للحصول على تأشيرة الخروج فسأله موظف الزكاة عن راتبه فوكزه الذى من خلفه مطالبا الا يبوح بالحقيقة لأن هذه جبايات وليست زكاة ولا نعلم كيف تفرق على مصارفها. رغم ذلك اعلن عن كل مداخيله ودفع كل المقرر من زكاة وضرائب ورسوم أخرى وغادر. المشهد الثالث: كان الفتى النحيل وهو فى السنة الثالثة بالجامعة يطرق باب الترابى ليستعلمه على قضية تخص تنظيم الطلاب بجامعة الخرطوم.. فوجد الترابي جالسا على الارض يقرأ فى قاموس الفيروزبادى . و عندما أستفسره عن الأمر الذى جاء من أجله وجهه التراب فورا لشخص آخر بحكم مسئوليته لكن طلب منه التعرف عليه. فقال له التيجانى أننى أنحدر من أم دم حاج أحمد. فقال له الترابى هل فى اسرتك من له زعامة سياسية او إجتماعية. فسكت التيجانى وقد استنكف السؤال.. لا سيما وأن جده رحمة ود منوفل قاد عربان الجوامعة لنصرة المهدى وكان له سهم وافر فى انتصار المهدى فى معركة شيكان.. كان التيجانى يرى ان المهدية اهدتنا نموذجا ساطعا فى ان إرث التصوف يمكن ان يتحول من وجود محايد الي حراك ثورى موجب وان يقود حركة التغيير. ربما كان التيجانى يقول فى قرارة نفسه لو انه اختار التاريخ والزعامة القبلية لأنتهى به المطاف عضوا نشطا فى طائفة الأنصار وهو موئل الإنتماء الأسرى الطبيعى لكنه جاء بدفع فكرى لتوليد الأسئلة عن الإسلام الحركى. وزاده فى ذلك المعرفة و الوعى والعقل الناقد لذا يعتبر احد ابرز مثقفى جيله الذى هدم المقدسات الفكرية، لهذا وقف ناقدا لسيد قطب فى مفهوم الجاهلية و الإسلام ليقول انه فكر يسد مجرى التاريخ ولا يتفاعل معه، وهو فكر خرج من أدب المحنة و السجون ولا يصلح لبناء الحياة.
المشهد الرابع: كان الفتى النحيل فى سجن دبك بعد شعبان 1973 وهناك إلتقى الترابى مجددا حيث كان يزوره فى زنزانته كل مساء. قرأ كتاب تاريخ الفلسفة لبرتراند راسل فى السجن بعد ان استلفه من الترابى، ووقف على تعليقات الترابى فى الكتاب فوجد اسهما صغيرة فى جدل الكليات والجزئيات ، و قد وجد منطق ارسطو فى زعمه بعلم الله بالكليات دون الجزئيات منفذا الى منطق المتكلمين فى صدر الإسلام، مما قاد الغزالى الى تجريد حملة النقد المعروفة فى كتابه تهافت الفلاسفة، ، فكان التيجانى يقرأ فى السجن أفكار راسل وتعليقات الترابى عليها. عندما جاء المرحوم بروف جعفر شيخ إدريس وتحدث فى ندوته الشهيرة عام 1993 مهاجما تجربة الإنقاذ بعنوان الإسلام يعود فى ثياب علمانية، خرج المحبوب مغاضبا و وصفه بأنه مثل طائر البجع ورد عليه جعفر بأنه ببغاء يردد حديثه شيخه، وخرج أمين حسن عمر فى ندوة الرد بخطاب حاد عنوانه خفقت قلوبهم إذ الريح عوت. لكن تولى الدكتور التيجانى الرد الفكرى الذى استوعب فقه الشافعى حول اشراط الزمن وعلل الحكم وموافقات الشاطبى. ودافع التيجانى فى مواقف مشهودة عن إسلام الترابى وقال لجعفر شيخ ادريس أنه شهد معه شهور السجن ولم يجد ما يقدح فى إسلامه بل وجد ما يزكى فيه شخصية المفكر و اجتهاد الفقيه و اخبات العابد. لكنه فى المقابل، كان يرى ان الترابى لم يهتم بالمثقفين رغم حديثه عنهم، وفضل الحركيين و التنفيذيين فى بناء نموجه على اشراك المثقفين، إذ يرى ان مهمة المثقف ليس مجرد الانحياز للحقيقة فحسب لكن إن يظل الذاكرة الحية والبوصلة الهادية لأى مشروع إحيائى نهضوى خوفا من الإنحراف عن مرجعياته الأصلية وان المثقف الحقيقي لا يمكن أن يرتكب أي نوع من الخيانة التاريخية. و استكمالا لهذا المفهوم كان ينظر للتحولات التى طرأت على المسار حيث تحول من مشروع للتغيير الاجتماعى الى مشروع سلطوى تحالفت فيه القبيلة والأمن والسوق. وغلبت فيه القوى الخفية. المشهد الخامس: التيجاني يلتقي علي الحاج فى العام 1993 وهو عائد من اجتماعات متطاولة مع الرئيس موسيفيني الذى كان يجادله عن غربة الإسلام و العروبة فى أفريقيا، وكان يقول له انت اكثر سوادا من جون قرنق لماذا تدافع عن المشروع العروبي الإسلامي؟ فكن افريقانيا ولا تكن عروبيا مسلما.. عاد على الحاج الي الخرطوم بهذه الاسئلة وقال للتيجانى اريد تزويدى بأدبيات سياسية وفلسفية وتاريخية أرد بها على موسفيني. فعكف التيجانى على تحرير كتاب الإسلام والزنوجة، وهو الكتاب الذي يكشف تأثره بنظرية على مزروعى حول التراث الثلاثى لأفريقيا. و يقول التيجانى رحمه الله ضاحكا، لم يقرأ على الحاج الكتاب الذى حررته ليدافع به عن الإسلام امام موسيفيني. فى هذا الكتاب يبدو التيجانى متأثرا بمدرسة ما بعد الكولونيالية، واقرب الي أفكار البروفيسور الراحل على مزروعي عن التراث الثلاثى فى أفريقيا. و اختط منهجا أعده جاء مقدمة لمنهج السفير عبد الهادى الصديق فى كتابه العمدة “السودان والافريقانية” . المشهد السادس: تتصل جامعة شيكاغو وتطلب من الدكتور تيجانى ان يحرر لها مقالا من ١٥٠٠ كلمة للنشر فى موسوعة الجامعة عن الإصلاح في القرآن الكريم. و يدفع التيجانى بالمقال فى وقته. و أسندت الجامعة مهمة التحكيم لبروفيسور يهودى متخصص فى الاديان معروف بتشدده ضد المسلمين. كتب فى تقريره للجامعة. ان هذا المقال نسيج وحده فى الجدة و الأصالة و الرصانة وهو غير مسبوق لا فى الأولين ولا فى الأخرين this is unparallel كانت موسوعة جامعة شيكاغو حفية بمشاركته العلمية القيمة. المشهد السادس يكتب التيجانى مقالا عن التحولات الإجتماعية والثقافية و يتنبأ بحدوث ثورة إجتماعية ليس بسبب التضييق على الحريات والإحتقان السياسى بل لسبب آخر. ثم يسحب المقال لمزيد من التجويد حسب زعمه وقد صدر ضمن ادبيات جماعة الضغط التى أسسها مع المرحوم د. الطيب زين العابدين ود. خالد التيجانى و د. محمد محجوب هارون وآخرين باسم الحركة الوطنية للتغيير، وهى حركة انتبذتها المعارضة حينها لأنها لا تتسق مع شروطها اذ تريدها انشقاقا رسميا عن الجماعة الأم. وبخستها الحكومة بإعتبارها تجمع “منظراتية” مثاليون يريدون الهروب من السفينة الغارقة على تعبير الصحفى المرحوم محمد طه محمد أحمد. تنبأ التيجانى بحدوث ثورة إجتماعية قوامها الجيل الثانى من نازحى المدن تحت ظلال الغبن الإجتماعى المتراكم ، وهو لا يتبنى مصطلح بروف حسن مكى عن الحزام الاسود حول الخرطوم، لكنه يقدم تحليلا عميقا ، عن التحولات الإجتماعية وقد صدقت الايام حدسه وتوقعاته، اذ اشار الي ان حزام النازحين حول المدن، يشكل ظاهرة خطيرة فقد ترك هؤلاء ثقافتهم وعوائدهم وطرق كسب عيشهم وأصبحوا عالة علي مجتمع الحضر الجديد، تغذى هؤلاء بالغبن الاجتماعى لأن تفكك الاقتصاد الريفى القائم علي الكفاية والتضامن الإجتماعى فد انحلت عروة بعد عروة واندثرت معه كل التقاليد والقيم الاجتماعية، و تصالح الجيل الاول من النازحين مع ظروفه الجديدة، لكن الجيل الثانى الذى يحمل سمات الغضب جراء تراكم الغبن الاجتماعى ، وعزلهم التلقائى من الإندماج فى المجتمع الحضرى الجديد و أمتيازاته التاريخية سيعزز من خصومتهم للبنى الإجتماعية السائدة فى الوسط ومؤسساتها السياسية الحاكمة. اضاف الدكتور تيجانى عامل آخر فى اطار حوار بيننا ان ثورة التعليم العالى الذى شارك فى وضع خططها وأهدافها ستؤدى الى انفجار ثورة أخرى هى ثورة البطالة، اذ تضخ الجامعات الجديدة عشرات الآلاف من الخريجين سنويا لسوق العمل ولا توجد فرص كافية لتشغيل هؤلاء الشباب من الخريجين، لتراجع الأداء الإقتصادى وضمور القطاع الخاص وفشل الحكومة فى توسيع فرص التوظيف وأنتهى دورها كأكبر مخدم عن طريق استيعاب الخريجين فى القطاع العام. الثورة الإجتماعية التى تنبأ بها الدكتور التيجانى رحمه الله كانت عبارة عن تحالف عدة عوامل وهى حسب تحليله الجيل الثانى من شباب النازحين حول المدن، و تفشي البطالة بعد ان اصبحت الجامعات الجديدة تضخ عشرات الآلاف من الخريجين سنويا وتعثر برامج الإصلاح السياسي بالداخل.
المشهد السابع: فى احدى زياراته الرسمية الى ماليزيا يحمل الدكتور مصطفى عثمان وزير الخارجية حينها للدكتور التيجانى عرضا من الرئيس البشير وهو تعيينه وزير دولة فى التعليم العالي.. اعتذر التيجانى بلباقة عن العرض شاكرا صديقه ورفيق دراسته فى لندن على رسالته. و على خلفية هذا الرفض فقد ثار خروج الدكتور التيجانى من السودان للإلتحاق بوظيفة محاضر فى الجامعة الاسلامية بماليزيا عاصفة من النقاش و النقد والتساؤلات، وكان التيجانى يجيب على كل سائل ان وظيفته مديرا لإدارة التأصيل بوزارة التعليم العالى لم تكن وظيفة معرفية مجزءة لقلة التمويل والدعم لمشروعاتها وأعمالها. وقد شهدت نقاشا حادا فى منزله بماليزيا فى حضور زوجته الفاضلة الاستاذة نوال مع بعض المغالين الذين وصفوا خروجه بالتولى يوم الزحف. خرج حينها مغاضبا حيث لم يطلب وظيفة او استوزارا بل طلب موارد لمشروعاته و أعماله البحثية لكن وجد ما تجود به الدولة على الناشطين والتنفيذيين والأمنيين اضعاف مع تسقطه على أرباب القلم و الفكر والثقافة. بل أنتهى الأمر بوصفه بكلمة ( مثقفاتى ومفكراتى) أى انها وظيفة هامشية لا تنطوى على تأثير فى مجريات الأوضاع السائدة. وما من صديق زار الدكتور التيجانى حينها فى شقته الجامعية المتواضعة الا خرج باكيا او ساخطا على سلطة استبانت وجهتها تهمل اهل الفكر وتغدق على المستقطبين فى سوح السياسة والأمن . كان يضحك عندما يزعم قائل أن الترابى كان متآمرا على الثقافة اذ لم يعطها الإهتمام اللائق بها، وكان رده يقول إن الترابى اهتم بتأسيس الجماعة السياسية وليس الجماعة الفكرية ومن هنا جاءت نهاية مشروعه، إذ أن التلاميذ الذين ادخرهم لنصرته وقدمهم فى سلم القيادة، هم أول من عارضه عند المفاصلة. المشهد الثامن: الدكتور التيجانى ينهى بحثه لنيل درجة الدكتوراة لكن مشرفه المستشرق فى جامعة لندن يطلب منه اعادة كتابة احد الفصول اذ برز استقلاله الفكرى بعيدا عن مناهج الاستشراق التى حاول مشرفه ان يغذى عقله العلمى بها. درس التيجانى مناهج الاستشراق واصبح ناقدا لها، و عرف فى لندن هامليتون جب، ومونتغنري واط وغيرهما، فقد اشرف مونتغمري واط علي طالب الدكتوراة عبد الرحيم على الذى حرر بحثه عن البنية الجمالية فى الآية القرآنية. لذا قام التيجانى ناقدا لمناهج الإستشراق، وكان معجبا بإداورد سعيد في كتابه العمدة ( اورينتاليزم) ، وتجد فى مؤلفاته محاججات ونقد واضح لمناهج الإستشراق، و لم يفتتن بمناهجهم الشكية كما فعل طه حسين، اذ اغترف من المصدرية الأزلية حيث ركز أبحاثه على دراسات القرآن الكريم، وهنا كان يقول إنك لا تدرك انه قرآن كريم إلا عندما تنكب على درساته او استظهاره، اذ كلما اوغلت واخلصت الدراسة انفتحت لك مغاليقه ، و يعطيك اسراره اكثر مما تخصصه من وقت وجهد.
المشهد التاسع: اصدر ثلاثة من المثقفين الإسلامين كتب عن المفاصلة وهى للاستاذ المحبوب عبد السلام “خيوط الضوء و دائرة الظلام” ، و الدكتور محى الدين عمر “الترابي والانقاذ: صراع الهوى والهوية” ثم التيجانى عبد القادر عن نزاعات الإسلاميين. أحدثت الكتب الثلاثة دويا فى وقتها، بما حملته من رؤى متباينة حول الوقائع والأحداث. لكن بإجماع المثقفين المتهمين جاء كتاب الدكتور التيجانى مختلفا عن مساهمتى المحبوب وعبد الرحيم عمر. ليس لأنه تتبع الوقائع لكنه ركز على الانحرفات التى قادت الى تلك الوقائع ولم هو لم يتمثل قول شوقى: أحب الحسين ولكنما لساني عليه وقلبي معه حبست لساني عن مدحه حذار أمية ان تقطعه اذا الفتنة اضرمت فى البلاد ورمت النجاة فكن أمعة
وحرر د. . التيجانى الكتاب بنزعة اصلاحية وليس لينتصر لأحد المتخاصمين. وقال عن منهجه انه يعمل على فحص الاوتاد و التربة قبل ضرب الخيمة حتى تشد على أسس سليمة للبقاء. ولم يقف كتاب نزاعات الإسلامين لتوضيح مسئولية أطراف الصراع، لكن ما يقترن ذلك بمصير السودان من حيث توفر الأمن والاستقرار. وهو أول من نبه لإنحراف البوصلة وعزا تعثر أكتشاف الانحرافات الإستراتيجية بسبب ضعف او غياب شريحة المثقفين والمفكرين ، ولعبت البطانة المنتفعة من الطرفين أدوارا وسعت الفتق على الرتق. و بين الدكتور التيجانى الأخطاء الاستراتيجية التى إرتكبها الترابى ومنها محاولة سحب الصلاحيات الدستورية من رئيس الجمهورية السابق ، وكذلك الأخطاء الكارثية لنظام الحكم ومنها البطش بالخصوم والتسامح مع استشراء الفساد. وما أسماه التحالف الثلاثى بين السوق والأمن والقبيلة. وحمل اصحاب مذكرة العشرة ايضا مسئوليتهم التاريخية اذ قصدوا التحرر من قبضة الترابى فإذا هم يرضون بمركزية وديكتاتورية اكبر أخرجتهم من مسار الفعل والتاريخ حتى لحظة السقوط. إن ما أثاره الكتاب من ردود فعل يوضح مدى تأثيره على النخبة والمهتمين من القراء، وسيظل هو الكتاب الأكثر عمقا وموثوقية فى تحرير نزاعات الإسلامين ودراسة أسبابها الحقيقة وتوضيح مدى الإنحراف فى الإستراتيجية واضطراب البوصلة وعجز نخبة الإسلاميين عن الإصلاح حيث ابتلع الجناح العسكرى والأمنى الكتلة المدنى بتاريخها ورموزها.
المشهد العاشر انتقل الفتى لدراسة السنة الخامسة لمرتبة الشرف وكتب بحث تخرجه عن ( الزمن فى القرآن المكى) و كان بحثا غير مسبوق فى موضوعه وهو الذى شكل البذرة الأولى لبحثه اللاحق عن أصول الفكر السياسي فى القرآن المكى، دخل التيجانى معركة تجديد الفكر الإسلامى والشيخ حسن الترابى يتصدر الساحة ، وكان عليه إما أن يرتضى بأن يكون ظلا فكريا له او يخترط منهجه الإجتهادى الخاص به. لم يخرج التيجانى من ظلال النظرية التوحيدية للترابى بل ظل يدعمها بالنماذج العلمية ولعل دراسته عن الفقر وأصول الإقتصاد السياسي تعد ابرز نماذجه الأولى التى قدمت سياقا نظريا استفاد من النهج التوحيدى لكنه قدم مقاربة تجديدية فى تعريف الفقر والفقير، وكما كان ماركس يركز علي رأس المال وفائض القيمة يعتبر التيجانى ان اصول الملكية والثروة تعود للأرض و العمل. و اتخذ الدكتور التيجاني عبدالقادر عن وعى نهجا مختلفا في مقاربات التجديد الإسلامي رغم اخذه عن المنهج التوحيدى في إحياء العقل والأخذ بنسبية التراث الديني. وكما أكد فى مقال منشور فإن لفظ (التفسير التوحيدي) هو مقترحه الشخصى الذى تبناه الترابي . و فى هذا السياق طور الدكتور التيجاني عبدالقادر منهجا مغايرا للتجديد ارتكز علي استنباط المفاهيم القرآنية لمخاطبة الظواهر الإجتماعية والسياسية والفكرية وفق منهج علمي محكم. والتيجاني عبدالقادر برع في هذا الحقل من الفن إثر اهتمامه بالدراسات القرآنية منذ عهد الطلب في جامعة الخرطوم كما عكف علي تطوير نموذجه البحثي ليتناول (اصول الفكر السياسي في القرآن المكي) ورغم ان هذا المبحث قد أكتمل عماده في العام 1983 إلا أنه خرج من ظلمات الحفظ الي نور النشر في عام 2005 من معهد إسلامية المعرفة تحت سلسلة دراسات جامعية، ومن ثم أخرج المعهد في الأردن طبعة ثانية منقحة اكد الدكتور طه العلواني في تقديمه للكتاب بأنها أهم مساهمة فكرية في هذا القرن.وتمت ترجمة الكتاب الي اللغة الإنجليزية علي يد البروفيسور ابولؤلؤة من لندن ووجد قبولا واهتماما واسعا في مختلف الكليات والجامعات المختصة في الدراسات الإسلامية. ويعود الإهتمام بالكتاب الي اصالة المنهج البحثي الذي اختطه الكاتب في بلورة منهج علمي استنباطي لإكتشاف أسس المفاهيم القرآنية وربطها بالحقول المعرفية المجاورة وتطويرها الي صياغة انموذج نظري لتفسير الظواهر الإجتماعية واخضاعها للدراسة والتنبوء بمسارها والتحكم في مخرجاتها.وسرعان ما اصبح هذا المنهج انموذجا نظريا تخطفته الجامعات واصبح جزءا من مقرراتها في الدراسات فوق الجامعة في حقل الفكر والدراسات الإسلامية. و يعرف الدكتور التيجانى النموذج الذى يعتبره الادارة المنهجية للباحث بأنه ” عبارة عن تجريد ذهنى متسق تقابله مجموعة من الافكار والمفاهيم والاعتقادات التى توجد كامنة فى عناصر الظاهرة دون ترتيب معين او شكل مخصوص”. وتختلف النماذج حسب التيجانى بإختلاف طبيعة الظاهرة محل الدراسة. الفرق بين منهج أصول الفقه التجديدي للدكتور حسن الترابي والإنموذج النظري للمفاهيم القرآنية للدكتور التيجاني عبدالقادر، أن الأول ينزع الي المنهج الفقهي القانوني لإستنباط الأحكام بينما ينحو الأنموذج النظري للدكتور التيجاني عبدالقادر الي تفسير الظواهر الإجتماعية من خلال استنباط المفاهيم القرآنية وحقولها المعرفية المجاورة. وهو بذلك لا يستنبط المفهوم التجريدي ومن ثم يبحث عن آيات وأحاديث من القرآن والسنة لتؤكد نتائجه المسبقة، بل يعمد الي تطوير وصياغة هذه المفاهيم من خلال المفهوم القرآني عبر نماذج التحليل والدراسة التي طورها تباعا خلال مسيرته البحثية والأكاديمية الممتدة. وبهذا أصبح هذا المنهج النظري أنموذجا متماسكا جري اختباره وتطويره ويمكن لكل باحث جاد ومقتدر أن يطبق هذا النموذج من خلال دراسات القرآن الكريم، وان ينتهي الي نتائج باهرة وتجديدية.أي أن النموذج النظري للدكتور التيجاني عبدالقادر قابل للنقل والتملك والتطوير لأي نخبة علمية جادة تسعي لكسب معرفي جديد في دراسات القرآن الكريم. ويعتبر هذا النموذج النظري أصيل في جوهره الفكري ، متماسك في صياغته الفلسفية والمعرفية،واستطاع التيجاني عبدالقادر بهذا النموذج النظري المتفرد أن ينزع احتكار النشاط التجديدي المبدع من حقل الفقه والأحكام الي حقل المفاهيم القرآنية. إذ لم تعد قضية التجديد ينظر اليها من باب أصول الفقه والأحكام أو موافقات مقاصد التشريع، بل تشكل منظومة المفاهيم القرآنية هي النبع الأصيل لمسار التجديد الديني لأنها تهتم بتفسير الظاهرة الإجتماعية والفكرية والسياسية لا أصول الأحكام الفقهية. وخرج التيجاني عبدالقادر بمنهجه النظري المستحدث من شروط فقه الأحكام والمنطق الصوري في الأصول خاصة القياس والإستحسان الي فضاءات المفهوم القرآني الشامل من خلال تتبع الآيات عبر الحقول المعرفية المختلفة وربط شبكة المفاهيم عبر هذه الحقول المعرفية، ومثال لذلك ورقته الشهيرة عن مفهوم الإصلاح في القرآن الكريم، يشرح الدكتور التيجاني عبدالقادر هذا النموذج ليقول “إن مفهوم الإصلاح لا يستطيع أن يقف وحده منفرداً ليكون أداة تفسيرية, وإنما هنالك مجموعة من المفاهيم المتصلة بمفهوم الإصلاح. إن استطعت أن أستخرج شبكة هذه المفاهيم من القرآن الكريم أستطيع أن أصنع منها إطاراً تصورياً, أو نموذجاً تفسيرياً. وسأستخدم هذا الإطار التصوري من مفاهيم القران كأداة لتحليل الظاهرة الاجتماعية التي نحن بصددها ولتفكيكها، وربما لإعادة تركيب رؤية جديدة”. وارتبطت هذه المقاربة المفهومية للإصلاح من خلال نموذجها النظري بظاهرة التنازع بشقيه اللطيف والعنيف ومن ثم ربطه بمفهوم الإيمان والتآلف القلبي ومن ثم التناصر. وتقود هذه المفاهيم الي الفتح وهو يعني تدفق موارد جديدة في سياق الظاهرة السياسية والإجتماعية، مما يقود الي صراع ومنافسة محتدمة فيتم الإتجاه الي المجموعات ذات المصالح الخاصة. ويقول :”هناك مجموعة أخرى هي مجموعة المقاومة العنيفة, وهي مجموعة ذات نقاء في الرؤية، أو قد تكون منبعثة من مجموعة التآلف القلبي. ويكون عندها حنين أو رغبة جامحة في استعادة النموذج وتحقيق الرؤية – فتحاول – القيام بمحاولة، وتستخدم ما توفر لديها من أدوات”. ويبدو التيجاني عبدالقادر واعيا بنموذجه النظري ودوره كمثقف في معمعان الحراك السياسي والإجتماعي فهو يحض علي تقسيم المثقفين كما أورد ذلك في مقاله الشهير “المثقفون المصلحون”، فهم حسب وصفه ينقسمون الي فئات كثيرة منهم (الخفاف) “الذين تتحول المعرفة عندهم الى صناعة لفظية وشهادات ورقية يتحصلون من خلالها على معاشهم الدنيوي، وينالون بها حظا في البريق الاعلامي. ومنهم المثقفون النافرون المهاجرون، يفر احدهم من المستنقع السياسي بحثا عن الكرامه والحرية والاستقلال المادي – وهو بحث مشروع – ولكنه قد ينتهي في مخيمات النفط حيث تستغل الابدان وتكمم الافواه، فلا وطنا أبقى ولا إستقلالا ماديا أنجز، ومنهم المثقفون (الفنيون) يوظف أحدهم تدريبه العلمي وخبرته الفنية لخدمة السياسي، خدمة ينفصل فيها النشاط الإداري عن غاياته البعيدة وأهدافه القصوى، فالمثقف الفني يتصل بجهاز الدولة إتصالا عضويا لا ينفك عنه بتغيير السياسات الجزئية او الرؤى الكلية. بل إنه يتلون لكل سياسة بما يناسبها ويقدم لها ما تحتاجه من وسائل التنفيذ والتمكين، هؤلاء ليسوا هم المثقفون الحقيقيون الذين نقصدهم ونسألهم صياغة ( الرؤية) الجديدة والتعبير عنها. فهؤلاء قد تراجعوا من أفق الإلتزام الإجتماعي الوطني الى الإطار الذاتي، ومن المسؤولية الأخلاقية العامة الى الخصوصيات المهنية والفئوية، ومن الإستقلال الفكري الى تبعية القوى المتنفذه سياسيا وإقتصاديا، وعندما (يتراجع) المثقفون الى محاضنهم العرقية وخصوصياتهم المهنية تخلو مواقع الإمامة الفكرية والسياسية ويكون ذلك ايذانا بالإنهيار الإجتماعي”(انتهي الاقتباس). والتيجاني بهذا الوصف النظري لحقيقة المثقف يضع الملح علي الجرح فليس كل من نطق بنهج المتعلم او من حاز الشهادات والتأهيل الفني مثقفا ما لم يرتبط ذلك بمشروع تصور فكري متماسك متسق الرؤية مشتغلا بالواقع ينحاز للتغير ويتسم بالاستقلالية لا يوظف لخدمة الطبقات المستفيدة. عاش التيجانى مثقفا أصيلا ومفكرا ألمعيا متفردا، جعل تجديد الفكر الاسلامى و الإصلاح بمعناه الشامل شغله الشاغل وجعل من قضية العدالة الاجتماعية محورا لعمله ونشاطه. وجعل من القرآن ومدارساته رحيق حياته وزاده عند الرحيل. لم ينتصر لنفسه رغم كثرة التناوش خاصة بعد سلسلة مقالاته عن نزاع الاسلاميين، جادل بالحسنى رغم تهاوش البعض ممن رماه بضعف مشاركته وانتمائه او من عيره بفقر القادمين من الارياف البعيدة، او جلاوذة السلطان وحملة المباخر على قول منصور خالد أو بطانة السلطان والشيوخ ممن لا يحتملون نقدا و يدافعون عن كسب الافراد كأنه نص مقدس وليس مجرد اجتهاد بشرى. قال الحقيقة ومضى الى ربه مطمئنا أنه ادى رسالته وترك إرثا من الوعى ومنهجا متجددا وراسخا فى دراسات القرآن الكريم، نرجو ان تكون له صدقة جارية و شفيعا يوم القيامة وهى من باب العلم النافع الي يوم يبعثون. رحم الله بروفيسور التيجانى عبد القادر، و نتضرع الي الله سبحانه وتعالي ان يسكنه فسيح جناته مع الصديقين و الشهداء وحسن اولئك رفيقا. وان يلهم زوجه نوال وأبنائه عمر و أسماء وإيثار واصدقائه و محبيه الصبر وحسن العزاء. وانا لله وانا اليه راجعون