رأي

هل يحتاج السودان إلى غسيل؟ (1) (من مراجعة الذاكرة والوعي إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان)

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

قد تبدو كلمة «الغسيل» غريبة حين تُستخدم في الحديث عن وطن، لكنها ربما تكون من أكثر الكلمات قدرة على وصف ما يحتاجه السودان بعد عقود تراكمت فيها الأزمات فوق الأزمات، حتى أصبح من الصعب أحياناً معرفة أين ينتهي أثر الماضي وأين تبدأ أزمة الحاضر، وأين تقع مسؤولية الدولة وأين تبدأ مسؤولية المجتمع والمواطن.

والغسيل المقصود هنا ليس محواً للتاريخ، ولا تنصلاً من المسؤولية، ولا محاولة لطلاء الواقع بألوان جديدة تخفي ما تحته. إنه غسيل بمعنى التنقية والمراجعة وإزالة ما تراكم على جسد الدولة ووعي المجتمع من أخطاء وممارسات ومفاهيم شوّهت السياسة، وأضعفت المؤسسات، وأرهقت الاقتصاد، وأثرت في منظومة القيم والسلوك، وبددت جانباً كبيراً من قدرات بلد كان يمكن أن يكون في مكان مختلف تماماً عما هو عليه اليوم.

فالسودان، إذا قُرئ من خلال الجغرافيا وحدها، يبدو بلداً استثنائياً؛ مساحة واسعة، وموقع يربط البحر الأحمر بعمق أفريقيا، ويجاور فضاءات عربية وأفريقية شديدة الأهمية، ونيل يشق أرضه، وساحل طويل، وأراضٍ زراعية شاسعة، وثروة حيوانية ومعدنية، وذهب ومعادن ومياه وموانئ وفرص هائلة للطاقة والصناعة والنقل والتجارة.

وإذا أضيف إلى ذلك تاريخه، وتنوعه الثقافي والاجتماعي، وتعدد مكوناته، وما راكمته مجتمعاته من أعراف في التكافل والتعايش والإدارة الأهلية، وما عُرف به السودانيون من قيم الكرم والنجدة والتسامح والتكافل واحترام الكبير وإغاثة المحتاج، برزت واحدة من أكثر مفارقات التجربة السودانية إيلاماً؛ بلد يمتلك كل هذه المقومات انتهى به الحال إلى هذا القدر من الحروب والفقر والنزوح والانقسام وضعف المؤسسات وتراجع الخدمات واضطراب منظومة القيم. ومن هذه المفارقة تحديداً تبدأ الحاجة إلى الغسيل.

يحتاج السودان أولاً إلى غسيل ذاكرته السياسية من الانتقائية التي ظلت تحكم قراءتنا للتاريخ. فقد اعتدنا أن يكتب كل عهد تاريخ السودان ابتداءً من نفسه، وأن تحمل كل مرحلة سابقتها مسؤولية الخراب، ثم تمارس بعض الأخطاء ذاتها بأسماء وشعارات مختلفة.

منذ الاستقلال تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، والثورات والانقلابات، والمشروعات الأيديولوجية والتجارب الانتقالية، وظلت الدولة تنتقل من أزمة إلى أخرى. وكل مرحلة تركت شيئاً يحتاج اليوم إلى مراجعة؛ منها المركزية المفرطة، واختلالات في التنمية، وتسييس للمؤسسات، وضعف في الإدارة، وصراعات حول السلطة، وحروب في الأطراف، واقتصاد ريعي، وفساد ومحسوبية، واستسهال لاستخدام الشارع أو السلاح أو المؤسسة العسكرية لحسم الخلاف السياسي.

ولهذا ينبغي أن يمتد الغسيل عبر كل فترات ما بعد الاستقلال، من دون انتقام من مرحلة أو تقديس لأخرى. نأخذ من كل تجربة ما أنجزته، ونعترف بما أخفقت فيه، ونضع الجميع أمام ميزان واحد يقيس مقدار ما أضافته كل مرحلة إلى بناء الدولة، ومقدار ما أخذته منها.

وتأتي بعد الذاكرة اللغة السياسية التي صنعت بدورها جانباً من أزمتنا. فقد أصبحت مفردات التخوين والإقصاء والعمالة والتمكين والاجتثاث جزءاً من قاموس الصراع العام، حتى صار الاختلاف السياسي في أحيان كثيرة خصومة وجودية. ومن هذه اللغة وُلدت بيئة أصبح فيها إلغاء الآخر أسهل من الحوار معه، والانتصار عليه أهم من الوصول معه إلى صيغة تحفظ الوطن.

لكن الأزمة السودانية أوسع من السياسة، ولذلك لا بد أن يصل الغسيل إلى منظومة الأخلاق والقيم والسلوك العام.

فالمجتمع الذي عُرف تاريخياً بالتكافل والمروءة والنجدة والأمانة واحترام الجار والضيف والكبير، شهد خلال العقود الماضية تحولات قاسية تحت ضغط الفقر والحروب والنزوح واضطراب الاقتصاد وتراجع التعليم وضعف مؤسسات التنشئة. ظهرت أنماط من السلوك لم تكن مقبولة اجتماعياً، واتسعت مساحة التسامح مع الفساد والواسطة والمحسوبية، وأصبح الثراء السريع في بعض البيئات أكثر جاذبية من العمل والإنتاج، وتراجعت قيمة الكفاءة أمام العلاقات، وأصاب المجال العام شيء من الخشونة والعنف اللفظي والاجتماعي.

وهنا لا نتحدث عن مثالية أخلاقية ولا عن مجتمع كان خالياً من العيوب، وإنما عن ضرورة استعادة منظومة قيم تجعل الأمانة والكفاءة والعمل والإتقان واحترام القانون والمال العام والمسؤولية تجاه الآخرين شروطاً لازمة لبناء الدولة.

ثم يأتي الوعي العام، وربما كان من أصعب المجالات التي تحتاج إلى التنقية والمراجعة. فالوعي هو الذي يحدد كيف يرى المواطن وطنه، وكيف يفهم حقوقه وواجباته، وكيف ينظر إلى القبيلة والجهة والحزب والدولة والجيش والقانون والمال العام. وحين يختل الوعي يمكن للمواطن أن يطالب بدولة القانون ثم يبحث عن واسطة لتجاوز القانون، وأن يهاجم الفساد ثم يقبله إذا جاء لمصلحته، وأن يدعو إلى دولة المؤسسات ثم يتمسك بأهله أو حزبه أو جماعته حين تتعارض المؤسسة مع مصالحهم.

إعادة بناء السودان تبدأ، في جانب مهم منها، بإعادة بناء هذا الوعي؛ بحيث يصبح الوطن أكبر من الحزب، والدولة أكبر من الحكومة، والقانون أعلى من الأشخاص، والمصلحة العامة مقدمة على المصالح الضيقة.

ولعل الاقتصاد واحد من أكثر المجالات التي تكشف حجم ما تراكم في التجربة السودانية ويستحق الغسيل. فاقتصاد بلد غني بالموارد لا ينبغي أن يبقى رهينة للذهب الخام والاقتصاد الموازي والتهريب والمضاربات والاستيراد والاستهلاك. المطلوب تغيير فلسفته من اقتصاد يبحث عن الريع إلى اقتصاد يصنع القيمة، ومن تصدير المواد الخام إلى التصنيع، ومن التعامل مع الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين باعتبارها موارد منفصلة إلى بناء سلاسل إنتاج متكاملة توفر الوظائف وتزيد الصادرات وتحسن حياة المواطن.

والغسيل الاقتصادي يعني أيضاً محاربة الفساد، وإصلاح النظام المصرفي والمالي، وضبط المال العام، وإعادة الاعتبار للعمل والإنتاج، وإخراج النشاط الاقتصادي من شبكات النفوذ والامتيازات إلى فضاء المنافسة والكفاءة والشفافية.

غير أن الغسيل الذي يحتاجه السودان لا ينتهي عند ذاكرته السياسية أو قيم مجتمعه ووعيه واقتصاده. فهناك طبقة أخرى من الأزمة تتصل بعلاقة السودان بالعالم، وباستقلال إرادته الوطنية، وبالطريقة التي أُديرت بها مؤسسات الدولة، وبالإعلام والتعليم والسياسة والمجتمع المدني، ثم بما خلفته الحرب من جروح في النفوس والعلاقات بين السودانيين. وهذه القضايا تقود إلى الجزء الأصعب من السؤال: ماذا نفعل بعد الغسيل، وكيف ننتقل من مراجعة ما تراكم إلى بناء الدولة والمجتمع والإنسان؟

في الجزء الثاني نحاول ان ننتقل من غسيل العلاقة بالخارج والمؤسسات وآثار الحرب إلى مشروع بناء السودان.

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى