تقارير

هل الجامعات السودانية جاهزة للعودة إلى مقارها؟

سؤال اليوم |

القاهرة – سماح طه
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي غيّرت ملامح التعليم العالي في السودان، بدأت الحكومة تنفيذ خطة لإعادة الجامعات إلى مقارها واستئناف الدراسة من الداخل، بالتزامن مع تفويج أساتذة الجامعات السودانية من القاهرة وعدد من الدول، في خطوة تقول إنها تمهد لإعادة بناء مؤسسات التعليم العالي والمساهمة في إعادة إعمار البلاد.
وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات اضطرت خلالها الجامعات إلى نقل أنشطتها إلى ولايات آمنة أو إلى خارج السودان، حفاظاً على استمرار الدراسة وعدم ضياع مستقبل آلاف الطلاب. لكن قرار العودة فتح في المقابل باباً واسعاً للنقاش حول مدى جاهزية الجامعات، وأوضاع أعضاء هيئة التدريس، والتمويل، والبنية التحتية، والبيئة الأكاديمية التي سيعودون إليها.
وبين الترحيب الرسمي، والمخاوف التي يطرحها الأكاديميون، يبرز سؤال اليوم:
هل أصبحت الجامعات السودانية جاهزة للعودة، أم أن نجاح القرار يحتاج إلى معالجة أوضاع الأساتذة، وتأهيل المؤسسات، وتوفير التمويل اللازم قبل الانتقال الكامل؟.

وزارة التعليم العالي: عودة الكفاءات ركيزة لإعادة الإعمار
وأكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن عودة الأساتذة تمثل إحدى ركائز استعادة مؤسسات التعليم العالي. وقال الوزير البروفيسور أحمد مضوي موسى إن برنامج تفويج الأساتذة وأسرهم من الخارج سيستمر بالتنسيق مع لجنة الأمل للعودة الطوعية والاتحاد المهني لأساتذة الجامعات، مؤكداً أن الكفاءات الوطنية تمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل السودان، وأن عودتها ستسهم في استقرار الجامعات واستئناف الدراسة ودعم جهود إعادة الإعمار.

ومن القاهرة، أوضح البروفيسور أسامة محمد سعيد، رئيس لجنة الاتحاد المهني لأساتذة الجامعات، أن البرنامج يستهدف إعادة نحو ألف أستاذ جامعي من المقيمين في مصر، بالتنسيق بين وزارة التعليم العالي والمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية ولجنة الاتحاد المهني، مشيراً إلى أن الرحلات ستتواصل خلال الفترة المقبلة.

كما أكدت البروفيسور ريم محمد موسى، مدير مركز دراسات السلام بجامعة بحري، أن عودة الأساتذة تمثل خطوة مهمة في مرحلة إعادة البناء، مشيرة إلى أن الجامعة قطعت شوطاً في استئناف الدراسة الحضورية، وأن المركز يستعد لتنفيذ برامج لدعم السلام وإعادة الدمج وتمكين الشباب والمرأة خلال مرحلة ما بعد الحرب.

الدكتور عبد الملك النعيم: القرار صحيح… لكنه يحتاج إلى مرونة
ويرى الأستاذ الجامعي الدكتور عبد الملك النعيم أن قرار إعادة الجامعات قرار صحيح فرضته المرحلة الحالية، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والمرونة في التطبيق.
وقال لـ”الأحداث” إن القرار لم يبدأ مع توجيهات وزير التعليم العالي، بل إن عدداً من الجامعات سبق أن اتخذت خطوات للعودة، وكانت جامعة الخرطوم من أوائل الجامعات التي استأنفت نشاطها داخل مقارها منذ العام الماضي.
وأضاف أن وجود الجامعات خارج السودان لم يكن خياراً، وإنما ضرورة فرضتها الحرب حتى لا تتوقف الدراسة، ولذلك فإن المرحلة الحالية يجب أن تقوم على إعادة بناء المؤسسات لا مجرد نقلها إلى الداخل.
وأكد أن الحكومة مطالبة بتخصيص ميزانيات لإعادة تأهيل الجامعات وصيانة المباني والمعامل والقاعات الدراسية، حتى تصبح قادرة على استقبال الطلاب والأساتذة بصورة طبيعية.
وأشار إلى أن نسبة الطلاب الموجودين خارج السودان لا تتجاوز نحو 10%، بينما لا يزال العدد الأكبر من أعضاء هيئة التدريس خارج البلاد، وهو ما يتطلب تبني سياسات أكثر مرونة للاستفادة من خبراتهم.
واقترح النعيم تطبيق سياسة التعليم الهجين خلال المرحلة الانتقالية، بحيث يجمع النظام بين الدراسة الحضورية والتعليم الإلكتروني، بما يسمح للأساتذة الموجودين بالخارج بالمشاركة في التدريس والإشراف الأكاديمي إلى حين اكتمال عودتهم واستقرار أوضاعهم.
وقال إن التعليم الهجين يمكن أن يكون حلاً عملياً يحافظ على استمرارية الدراسة ويمنح الحكومة الوقت اللازم لإعادة تأهيل الجامعات، مؤكداً أن نجاح العودة يقاس بجودة التعليم وليس بمجرد فتح أبواب الجامعات.

الدكتورة جميلة إبراهيم: الجامعات الخاصة دفعت ثمناً أكبر
وتطرح الدكتورة جميلة إبراهيم، الأستاذة بإحدى الجامعات الخاصة، زاوية أخرى للنقاش، معتبرة أن قرار العودة ينبغي أن يستصحب أصحاب المصلحة الحقيقيين، وفي مقدمتهم أعضاء هيئة التدريس والطلاب والعاملون.
وقالت لـ”الأحداث” إن الحرب غيّرت حياة العاملين في قطاع التعليم العالي، ولكل أستاذ أو موظف ظروفه الخاصة التي دفعته إلى مغادرة السودان أو البحث عن مصدر رزق آخر، مشيرة إلى أن كثيراً من الأكاديميين اضطروا للعمل في مهن لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم حتى يتمكنوا من إعالة أسرهم.
وأضافت أن وزارة التعليم العالي لم تجرِ، قبل إصدار قرارات العودة، تقييماً شاملاً لأوضاع الأساتذة والعاملين أو تستطلع ظروفهم الحالية، وهو ما يجعل إشراكهم في صناعة القرار أمراً ضرورياً.
وأكدت أن أوضاع أساتذة الجامعات الخاصة أكثر تعقيداً، لأن معظم هذه المؤسسات توقفت عن دفع الرواتب منذ الأشهر الأولى للحرب، بعد توقف الدراسة وتراجع مواردها المالية.
وقالت إن بعض الأساتذة أوقفت خدماتهم، بينما منح آخرون إجازات مفتوحة من دون راتب، واضطرت بعض الجامعات إلى تشغيل عدد محدود من أعضاء هيئة التدريس بنظام الساعات عند استئناف الدراسة جزئياً، وهو ما أفقد كثيرين الاستقرار الوظيفي والدخل المنتظم.
وأضافت أن الجامعات الخاصة نفسها تعرضت لخسائر كبيرة، باعتبارها مؤسسات تعتمد على إمكاناتها الذاتية، الأمر الذي جعل قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين محدودة للغاية.
وشددت على أن نجاح العودة لا يبدأ بفتح أبواب الجامعات، وإنما بالاستماع إلى الأساتذة والعاملين، ووضع معالجات حقيقية لأوضاعهم، لأن استقرار المؤسسة يبدأ باستقرار من يعملون فيها.

أستاذ جامعي: ماذا أعددتم للأستاذ بعد العودة؟
وفي المقابل، قال أستاذ جامعي فضل حجب اسمه إن الاحتفاء بعودة الأساتذة خطوة إيجابية، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا أعدت الدولة لهم بعد العودة؟
وأضاف أن أساتذة الجامعات كانوا من أكثر الشرائح تضرراً من الحرب، إذ فقد كثير منهم منازلهم وممتلكاتهم، بينما لم تعد الرواتب الحالية تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن تكاليف إعادة الاستقرار.
وأشار إلى أن كثيراً من الجامعات ما زالت تحتاج إلى إعادة تأهيل، وأن عدداً من الأساتذة لا يملكون مساكن صالحة للإقامة، مؤكداً أن نجاح خطة استئناف الدراسة يتطلب تحسين الأجور، وتوفير السكن، وتأهيل الجامعات، حتى يتمكن الأستاذ الجامعي من أداء رسالته.
ويبقى السؤال…
تكاد تتفق جميع الآراء على أهمية عودة الجامعات إلى الداخل، لكنها تختلف حول الكيفية والتوقيت ومتطلبات النجاح. فبينما ترى الحكومة أن عودة الكفاءات تمثل بداية لاستعادة مؤسسات التعليم العالي، يطالب الأكاديميون بأن تسبقها أو ترافقها معالجات حقيقية للأوضاع المعيشية، وتأهيل البنية التحتية، وتوفير التمويل، والاستفادة من الكفاءات الموجودة خارج السودان عبر حلول مرنة مثل التعليم الهجين.
فهل تنجح الحكومة في تحويل قرار العودة إلى مشروع متكامل يعيد للجامعات السودانية دورها التاريخي، أم أن الطريق ما زال يحتاج إلى خطوات أكثر عمقاً من مجرد العودة إلى المباني؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى