الأرقام التي أعلنتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذا الأسبوع تستحق قراءة تتجاوز الخبر الإنساني.
أكثر من 400 سوداني يومياً أصبحوا يعبرون إلى شرق تشاد، أي نحو عشرين ضعف المعدلات المسجلة في الأشهر السابقة. ويأتي اللاجئون من دارفور وكردفان والنيل الأزرق هرباً من القتال والقصف الجوي وهجمات المسيّرات، وفق المفوضية.
لكن الأخطر ربما ليس عدد الفارين.
إنه وضع المنظومة التي يفترض أن تستقبلهم.
18% فقط
تقول المفوضية إنها حصلت على 18% فقط من مبلغ 1.6 مليار دولار الذي تحتاج إليه هذا العام للاستجابة للأزمة.
وهذا يعني عملياً نقص الغذاء والخيام والنقل والخدمات الصحية.
وأوضح منسق الأمم المتحدة الإقليمي لأزمة السودان مامادو ديان بالدي أن نقص التمويل يعني غذاء أقل، وقدرة أقل على نقل اللاجئين إلى أماكن آمنة، وملاجئ أقل.
أي أن هناك أزمتين تتقدمان بالتوازي: حرب تدفع الناس إلى الحدود، ونظام إغاثة دولي تتراجع قدرته على استقبالهم.
مليون لاجئ تقريباً
اقترب عدد السودانيين الذين عبروا إلى تشاد منذ اندلاع الحرب من مليون شخص، فيما تجاوز عدد الذين وصلوا إليها خلال 2026 وحده 55 ألفاً، وفق بيانات المفوضية المنشورة في تقرير رويترز.
والحدود التشادية ليست مجرد مخرج للمدنيين.
إنها أيضاً شريان تجاري وإنساني بالغ الأهمية لدارفور.
ولهذا يكتسب فتح معبر تينا أهمية خاصة. فزيادة قدرة المساعدات على العبور في الاتجاه المعاكس ـ من تشاد إلى السودان ـ يمكن أن تخفف جزئياً دوافع النزوح.
دائرة النزوح
المشكلة أن الحرب صنعت دائرة متكررة.
يخرج الناس من القرى إلى المدن، ثم تتعرض المدن للهجمات، فيتحركون نحو الحدود، وبعد عبور الحدود يجدون مخيمات تعاني نقص التمويل.
والنتيجة أن «الوصول إلى تشاد» لم يعد بالضرورة نهاية رحلة النزوح.
وحذرت المفوضية من آثار أبعد، وقالت إن تحليلاتها تشير إلى أن بعض اللاجئين الذين يفشلون مراراً في العثور على الأمان قد يواصلون الرحلة لاحقاً باتجاه أوروبا.
وهنا تصبح أزمة السودان قضية هجرة دولية أيضاً.
لماذا يتراجع التمويل؟
تزامنت الأزمة السودانية مع ضغوط كبيرة على ميزانيات المساعدات الدولية. وأشارت رويترز إلى خفض الولايات المتحدة ودول مانحة أخرى مليارات الدولارات من المساعدات الخارجية خلال العام الماضي.
وهذا يعني أن السودان ينافس أزمات عالمية متعددة على موارد تتناقص.
الخطر القادم
إذا استمر القتال في كردفان ودارفور والنيل الأزرق بالتزامن مع نقص التمويل، فإن معدل 400 لاجئ يومياً قد لا يكون الذروة.
وقد يصبح شرق تشاد نفسه منطقة ضغط إنساني واقتصادي واجتماعي هائل.
وهذا يجعل فتح طرق المساعدات داخل السودان أكثر من قضية إنسانية: إنه وسيلة لمنع موجات نزوح جديدة قبل وصولها إلى الحدود.