روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
ليس للإنسان في أول أمره من الاختيار إلا قليل؛ يُلقى به في بيتٍ لم يختر جدرانه، وبين أهلٍ لم تنتقِهم يداه، فيجد أبًا وأمًّا وإخوةً سبقوا إرادته إلى حياته، فينشأ بهم، ويألفهم، ويحمل من ملامحهم شيئًا لا يد له في اختياره. ثم إذا اشتد عوده، واستبان له من نفسه ما لم يكن يستبينه من قبل، فُتحت له أبواب أخرى من الاختيار؛ أبوابٌ لا يدخلها الإنسان مكرهًا، وإنما يختار عندها من يؤنس وحدته، ومن يأمنه على ضعفه، ومن يشاركه سرّه وطريقه، ومن يسمح له أن يترك أثره في أيامه.
وهنا يبدأ السؤال الذي يبدو في ظاهره سؤال محبة، وهو في حقيقته سؤال مصير: من نختار أن يكون قريبًا من أرواحنا؟
فليس كل قريبٍ عابرًا في حياتنا؛ بعضهم يمضي كما جاء، وبعضهم يستوطن فينا حتى لا تعود الحدود بيننا وبينه واضحة. نأخذ من لغته دون قصد، ومن عاداته دون شعور، ومن نظرته إلى الناس والأشياء دون أن نعلن أننا أخذنا شيئًا. ومع طول الصحبة، قد تتحول طباع الغير إلى طباعٍ لنا، وموازينهم إلى موازين، وما كنا نستثقله بالأمس إلى أمرٍ لا نرى فيه بأسًا اليوم.
فالإنسان لا يختار من يصاحبه فحسب؛ بل يختار، من حيث لا يشعر، شيئًا مما سيصير إليه.
ولذلك لم تكن الصحبة في الهدي النبوي أمرًا هامشيًا يُترك لمحض الألفة، بل كانت شأنًا يمسّ الدين والخلق والمصير. قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وكأن في الحديث تنبيهًا إلى أن القلب ليس حصنًا مغلقًا كما نظن؛ إنه يتأثر بمن يجاوره، ويستعير من أهله نبرتهم، ثم لا يلبث أن يستعير ميزانهم.
ومن هنا نفهم لماذا كان اختيار الزوج والخليل من أخصّ الاختيارات أثرًا في حياة الإنسان؛ فالزوج ليس شخصًا يشاركك سقفًا فحسب، والخليل ليس رفيق مجلسٍ يبدد ساعات الفراغ؛ كلاهما يدخل إلى مواضع في النفس لا يبلغها كثير من الناس، ومن بلغ تلك المواضع كان له من القدرة على البناء والهدم ما لا ينبغي أن يُستهان به.
ولعل في حياة رسول الله ﷺ من الدلالة ما يغني عن كثير من القول.
فحين نذكر خديجة رضي الله عنها، لا ينبغي أن يمرّ اسمها في سيرته بوصفها زوجةً للنبي ﷺ وحسب؛ فقد كانت في حياته معنى من معاني السكن الذي يردّ عن الروح وحشتها، ويمنحها في ساعة الاضطراب موضعًا تستريح إليه. يوم جاءها ﷺ من غار حراء يرجف فؤاده مما رأى، لم تزد خوفه خوفًا، ولم تستقبل اضطرابه باضطراب؛ بل قابلته بيقين امرأةٍ عرفت معدن من أمامها، فقالت: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا»، ثم عدّدت من خصاله ما يليق بمن كان الله قد أعدّه لأمر عظيم.
ما أرفع أن يكون إلى جوارك إنسانٌ لا يراك بعين اللحظة التي تمر بك، بل بعين ما يعرفه من جوهرك.
قد تضيق بصاحبك نفسه في ساعة، فيكون من حوله ممن يزيدون اضطرابه اضطرابًا، وقد تضيق الدنيا كلها، فيكفي أن يجد قلبًا يقول له: أنا أعرف من أنت، فلا تجعل عارضًا من الخوف يحجب عنك حقيقتك.
وهذا بعض ما كانت عليه خديجة رضي الله عنها؛ سكنًا لا يطفئ عزيمته، وإنما يعيد إليها اتزانها.
ثم يأتي أبو بكر رضي الله عنه، في صورة أخرى من صور الوفاء؛ صورة الخليل الذي لم تكن صحبته للنبي ﷺ زينةً في أيام الرخاء، وإنما كانت عهدًا يظهر جوهره حين يشتد الطريق. صدّقه، وصاحبه، ونصره، وخرج معه في الهجرة، حتى صار اسمه مقترنًا بصحبةٍ خلدها القرآن في قوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾.
وهنا يلتقي المعنيان: زوجٌ يكون سكنًا، وخليلٌ يكون عضدًا.
وليس المقصود أن الإنسان لا يستقيم إلا بهذين، فالله سبحانه وتعالى هو السند الأول والأعظم، وإليه تُردّ الطمأنينة حين تنقطع الأسباب؛ وإنما الحديث عن أولئك الذين يختارهم الإنسان بإرادته، ثم يمنحهم من القرب ما يجعلهم قادرين على أن يؤثروا في قلبه ومساره.
فما أعظم أن تختار امرأةً لا تستنزف روحك باسم الحب، وإنما تصونها؛ وأن تختار رجلًا لا يطلب منك أن تنطفئ كي يطمئن، بل يرى في قوتك ما يسرّه. وما أعظم أن تختار خليلًا إذا رآك مقبلًا على ما يضرك لم يصفق لك إرضاءً، بل أمسك بيدك؛ لأن الصديق الذي يجاملك في كل شيء قد يكون أقرب إلى شاهدٍ على سقوطك من أن يكون صاحبًا لك.
فالوفاء ليس أن تؤيد من تحب في كل ما يفعل؛ الوفاء أن تحبه بالقدر الذي يجعلك حريصًا على ألا يضيّع نفسه.
وهنا تتبدّى خطورة الصحبة الأخرى؛ تلك التي لا تهدم الإنسان بضربة واحدة، وإنما تستنزف حدوده شيئًا فشيئًا. تبدأ بكلمةٍ تستخف بما كنت تعظّمه، ثم عادةٍ كنت تنكرها، ثم موقفٍ كنت تستنكره، حتى يألف القلب ما كان ينفر منه، ويصبح التنازل الصغير بابًا إلى تنازلات أكبر. وقد لا ينتبه الإنسان إلى أنه تغيّر؛ لأنه لم يسقط مرةً واحدة، وإنما انحدر إليه خطوةً بعد خطوة، حتى صار المكان الذي يخشاه بالأمس مكانًا يقف فيه اليوم مطمئنًا.
ولذلك جاء التشبيه النبوي بليغًا حين شبّه الجليس الصالح بحامل المسك، وجليس السوء بنافخ الكير؛ فحتى إن لم تقصد الأخذ، لا بد أن يعلق بك شيء من أثر من تجالس.
إننا نُشبه من نحبهم، لا لأننا نقرر ذلك، بل لأن الأرواح إذا طال بينها التماس أخذ بعضها من بعض. نُشبههم في ما نستهين به، وفي ما نطلبه، وفي الطريقة التي نحكم بها على الناس، وفي الأشياء التي نعدّها نجاحًا أو خسارة. ولهذا فإن السؤال الأصدق قبل أن تمنح أحدًا مكانًا دائمًا في حياتك ليس: هل أحبّه؟ بل: ماذا سيصنع بي هذا القرب؟
فقد يحب الإنسان من لا يصلح له، ويأنس بمن لا يليق أن يُؤتمن على قلبه، ويضحك مع من يسرق من روحه شيئًا كل يوم. وليس كل من أحببناه أهلًا لأن نترك لهم مفاتيحنا.
أما الذين يستحقون القرب، فهم أولئك الذين إذا دخلوا حياتنا لم يجعلونا غرباء عن أنفسنا؛ بل أعادونا إليها. الذين يرفعون سقفنا حين نرضى بالقليل، ويذكروننا بالله حين تغلبنا الدنيا، ويحتفون بنجاحنا دون أن يحسدونا، وينصحوننا دون أن يستعلوا علينا، ويحفظون غيبتنا كما يحفظون حضورنا.
وهنا، ربما، يكمن معنى الروح المتجددة؛ فالمرء لا يجدّد روحه دائمًا بكثرة ما يضيف إليها، وإنما أحيانًا بما يملك شجاعة أن يُبعده عنها. قد يكون التجدد أن تعيد النظر فيمن جعلتهم قريبين، وأن تدرك أن بعض الأبواب التي فتحتها بحسن نية لا ينبغي أن تبقى مفتوحة إلى الأبد.
فاختر من إذا جاورك ارتفع بك، ومن إذا أحبك صانك، ومن إذا رأى فيك عيبًا ستره عن الناس وأصلحه معك، ومن إذا ضعفت لم يستثمر ضعفك، وإذا قويْت لم يحاول كسر قوتك. اختر من يجعل قربه منك عونًا على الخير، لا إذنًا بالانحراف؛ ومن تكون معه أكثر صدقًا مع نفسك، وأقرب إلى ربك، وأوفى لما تريد أن تكونه.
فالعمر، مهما طال، أقصر من أن يُهدر في صحبةٍ تُطفئنا، وأثمن من أن نترك أرواحنا نهبًا لكل عابر.
نحن لا نختار من يمشي معنا الطريق فقط؛ نحن نختار، دون أن نشعر، شيئًا من الوجهة التي سنبلغها.
ولذلك، حين تختار زوجًا، لا تسأل فقط: هل يحبني؟ واسأل: أيُّ إنسان سأكون إلى جواره؟ وحين تختار خليلًا، لا تسأل فقط: هل أستمتع بصحبته؟ واسأل: أيُّ شيء في روحي سينمو لأنني صاحبته؟
فالأهل هبةٌ لا نختارها، أما الزوج والخليل فاختياران قد يتركان في العمر ما لا تتركه أعوامٌ كاملة من القرارات.
فحين تنظر اليوم إلى أقرب الناس إليك… هل ترى فيهم من يعين روحك على التجدد، أم ترى في نفسك شيئًا من الأرواح التي اخترت أن تسكن حولك؟