رأي

هدنة التسعين يوماً… بين المقترح الأميركي ومخاطر النموذج الليبي

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

قد تصمت البنادق، وتبقى الحرب مرسومةً على الأرض. وخطوط التماس التي تصنعها المعارك قد لا تختفي بالضرورة مع وقف إطلاق النار؛ وقد تتحول، إذا طال بها الزمن، من مواقع عسكرية مؤقتة إلى وقائع سياسية يصعب تجاوزها.

وهذه هي الزاوية التي ينبغي أن يُقرأ منها الإصرار الأميركي المتزايد على هدنة لمدة تسعين يوماً في السودان، تدفع بها واشنطن عبر تحركات يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ضمن تحرك أميركي أوسع بشأن مسار الحرب والتسوية. وقد رحبت الإمارات، من جانبها، بالجهود الأميركية ودعت رسمياً إلى هدنة إنسانية فورية من دون شروط مسبقة وإلى حوار سياسي شامل يفضي إلى انتقال مدني. أما المقترح الأميركي المتداول، وفق ما نقلته رويترز، فيقوم على وقف لإطلاق النار لمدة تسعين يوماً تعقبه مفاوضات سياسية.

في ظاهر الأمر، تبدو الفكرة معقولة، بل ومغرية في بلد أنهكته الحرب، واتسعت فيه الكارثة الإنسانية، ودفع المدنيون الثمن الأكبر. وليس من الحكمة أن يعارض أحد وقف نزيف السودانيين من حيث المبدأ. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: ماذا سيحدث للسودان في اليوم الأول من الهدنة، وأين سيكون في اليوم التسعين منها؟ وهنا تبدأ المشكلة.

فالهدنة ليست زمناً محايداً معلقاً بين الحرب والسلام. عندما تدخل أطراف مسلحة في هدنة طويلة وهي تحتفظ بالأرض التي تسيطر عليها، وبسلاحها وقياداتها وخطوط إمدادها وهياكلها السياسية والإدارية، فإن وقف إطلاق النار قد يتحول عملياً إلى تجميد لخريطة الحرب بدلاً من تفكيك أسبابها.

وفي الحالة السودانية يصبح الأمر أكثر حساسية، لأن البلاد لا تواجه قوتين متقابلتين على حدود دولتين، وإنما تواجه حرباً داخل دولة واحدة، في وقت بدأت فيه مليشيا الدعم السريع إنشاء سلطة موازية في مناطق سيطرتها بدارفور، مع تعيين مسؤولين ووجود هياكل شرطية، وإن ظلت مؤسسات الخدمات العامة هناك محدودة. ومن هنا يصبح السؤال عن شروط الهدنة أهم من السؤال عن مدتها.

هل تسبقها ترتيبات واضحة بشأن المدن والمنشآت المدنية؟ هل تتضمن انسحاب القوات من الأعيان المدنية؟ من يراقب خطوط التماس؟ ما مصير السلاح الثقيل والطائرات المسيّرة وخطوط الإمداد؟ هل تسمح الهدنة بإعادة الانتشار والتجنيد واستجلاب العتاد؟ وما الوضع القانوني والإداري للمناطق الواقعة تحت سيطرة كل طرف خلال التسعين يوماً؟ فهذه ليست تفاصيل فنية، وإنما جوهر القضية.

الحكومة السودانية، وفق ما نقلته رويترز، قدمت تعديلات على المقترح، في مقدمتها انسحاب مليشيا الدعم السريع من المناطق الحضرية تحت إشراف دولي، بينما عبّر مستشار بمجلس السيادة عن مخاوف من أن يقود المقترح بصورته الحالية إلى نموذج شبيه بليبيا.

وللسودان نفسه ذاكرة قريبة مع الهدن. ففي مايو 2023م وُقعت في جدة هدنة قصيرة لمدة سبعة أيام برعاية سعودية أميركية، تضمنت تسهيل المساعدات الإنسانية، واستعادة الخدمات، والانسحاب من المستشفيات والمرافق العامة، مع آلية للمتابعة والمراقبة. ومع ذلك لم تتحول سلسلة الهدن التي أعقبت اندلاع الحرب إلى وقف دائم للنار، وأقرت الوساطة لاحقاً بصعوبة التوصل إلى ترتيبات تنفيذ مستقرة. إذن، فالمشكلة ليست في كلمة «هدنة»، وإنما فيما تفعله الهدنة بميزان القوة وببنية الدولة.

وهنا تحضر ليبيا بوصفها تجربة ينبغي قراءتها بعناية، دون افتراض تطابق الحالتين. فقد توصل الليبيون في أكتوبر 2020م إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار نص على عودة القوات من خطوط المواجهة وخروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب، ثم أُنشئت سلطة تنفيذية انتقالية موحدة كان يفترض أن تقود البلاد إلى الانتخابات.

لكن تعثر استكمال العملية السياسية والأمنية أبقى مراكز القوة والمؤسسات المتنافسة، واستمر الانقسام بين سلطات وهياكل متوازية. والمشكلة في مثل هذه الحالات أن خط التماس الذي يبدأ باعتباره ترتيباً عسكرياً مؤقتاً قد يكتسب، مع الزمن، معنى سياسياً مختلفاً. تتحول مناطق السيطرة إلى مناطق نفوذ، ومناطق النفوذ تحتاج إلى إدارات وموارد وأجهزة أمن، ثم تخلق هذه الإدارات مصالح وشبكات اقتصادية وعلاقات خارجية يصعب تفكيكها بالسرعة التي نشأت بها.

ويجد الوسطاء أنفسهم لاحقاً أمام سلطات قائمة بالفعل، فيتعاملون معها باعتبارها أطرافاً ينبغي التوفيق بينها، بينما تتراجع تدريجياً فكرة إعادة بناء مركز واحد للدولة. لم تُقسم ليبيا رسمياً إلى دولتين، لكنها عاشت لسنوات واقعاً سياسياً وأمنياً انقسمت فيه المؤسسات ومراكز القوة والشرعية بين شرق وغرب، وبقي توحيد الدولة أصعب بكثير من مجرد إسكات البنادق. وهذا تحديداً هو الدرس الذي ينبغي ألا يغيب عن السودان.

فإذا توقفت الحرب عند خطوط السيطرة الراهنة، وبقي لكل طرف جيشه وسلاحه ومناطقه ومؤسساته وحلفاؤه ومصادر تمويله، فإن التسعين يوماً قد تنشئ واقعاً أشد صعوبة من واقع الحرب نفسه: دولة واحدة في الخرائط، وسلطتان على الأرض.

فالزمن هنا ليس مجرد مدة للهدوء؛ إنه يمنح الأمر الواقع فرصةً ليتجذر. تنشأ إدارة هنا وأخرى هناك، شرطة هنا وسلطة أمنية هناك، اقتصادان، معبران، علاقات خارجية، مؤسسات مدنية متوازية، ثم يأتي التفاوض السياسي لاحقاً ليتعامل مع هذه الوقائع باعتبارها حقائق قائمة ينبغي «التوفيق» بينها.

وعندها قد تنتقل المفاوضات تدريجياً من البحث في كيفية استعادة الدولة الواحدة إلى البحث في كيفية التوفيق بين أمرين واقعين نشآ داخلها. وهذه هي النقطة التي يصبح عندها خط التماس أخطر من مجرد موقع عسكري؛ لأنه يبدأ في التحول إلى فاصل سياسي، ثم إلى حدود وظيفية غير معلنة، حتى وإن ظلت الخريطة الرسمية للبلاد كما هي.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر في الخطاب الدولي. فواشنطن والإمارات وأطراف دولية أخرى تؤكد وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وهي مبادئ معلنة ينبغي التمسك بها. لكن وحدة الدول لا تحفظها البيانات وحدها؛ تحفظها أيضاً هندسة الحلول التي تمنع نشوء سيادتين داخل الإقليم نفسه.

لهذا ينبغي ألا يكون الخلاف السوداني مع الهدنة حول وقف الحرب، وإنما حول شكل السلام الذي ستنتجه.

يمكن لهدنة مصممة جيداً، مرتبطة بحماية المدنيين، وإخلاء المنشآت المدنية، وآليات مراقبة صارمة، ووقف الإمداد العسكري الخارجي، ومسار واضح لاستعادة احتكار الدولة للسلاح، أن تصبح جسراً نحو السلام. أما هدنة طويلة تجمّد خطوط السيطرة، وتترك السلاح والهياكل الموازية على حالها، ثم تنقل الجميع مباشرة إلى طاولة سياسية، فقد تبدأ طريقاً إلى السلام وتنتهي بتثبيت الانقسام.

السودان لا يحتاج تسعين يوماً يستريح فيها المتحاربون استعداداً لجولة أخرى، ولا تسعين يوماً تتحول خلالها خرائط السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية صامتة. يحتاج إلى مسار يوقف الحرب ويعيد بناء الدولة في الوقت نفسه.

فالحدود بين الحرب والسلام قد تُرسم بالحبر على طاولة تفاوض، لكن الحدود بين الدول كثيراً ما تبدأ بخط تماس قيل في البداية إنه مؤقت. ولهذا ينبغي أن تتوقف الحرب، من دون أن تتحول خطوط التماس التي توقفت عندها إلى حدود جديدة داخل السودان.

الخميس، 1 اكتوبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى