موسم العودة إلى الوطن… ضرورةٌ تفرضها المرحلة ومعايير تضبطها الدولة
Mazin
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
إن محطات التحوّل الكبرى في تاريخ الدول، ليست مجرد تبدّل مواقع، بل هي اختبارات دقيقة لصلابة المفاهيم التي تقوم عليها الدولة نفسها. ومع ما يُتداول من أنباء عن انشقاقات داخل مليشيا الدعم السريع، وانضمام بعض قادتها أو عناصرها إلى صفوف الجيش، بالتوازي مع تحركات سياسية لعودة شخصيات من خارج الإطار الوطني إلى داخله، يتبدّى سؤالٌ مركزي: كيف تُدار لحظة العودة؟ وأين تقف حدود السياسة، وأين تبدأ ضرورات الدولة؟
السياسة—بطبيعتها—مساحة مرنة، تتسع للمراجعة، وتحتمل التحوّل، بل تقوم في أحد وجوهها على إعادة التموضع وفق تغير المعطيات. فالسياسي قد يخطئ التقدير، أو ينحاز إلى موقف ثم يراجعه، أو يخرج من دائرة ويعود إليها، وهذا—في حد ذاته—ليس خللًا، بل قد يكون مدخلًا لتصحيح المسار، إذا ما تم في إطار وطني واضح، وبشروط تعيد تعريف الالتزام لا مجرد تغيير الموقع.
غير أن هذا الاتساع الذي تحتمله السياسة، لا يمكن أن يُسحب بذات المنطق على المؤسسة العسكرية. فالجيش ليس كيانًا سياسيًا، بل بنية انضباطية صلبة، تقوم على العقيدة، والتماسك، والتسلسل القيادي، والولاء المؤسسي الذي لا يحتمل الازدواج أو الغموض. ومن هنا، فإن التعامل مع أي انضمام قادم من بيئة مليشياوية يجب أن يُخضع لمعايير دقيقة، وإجراءات تحقق صارمة، وترتيبات احترازية تضمن ألا يتحول الاستيعاب إلى اختراق، ولا الدمج إلى إضعاف.
إن الحديث عن انشقاق بعض القادة الميدانيين من المليشيا، أو تفكك بنيتها، قد يحمل في ظاهره مؤشرات إيجابية على تراجع مشروعها، لكنه في باطنه يفرض تحديًا أكثر تعقيدًا؛ جوهره: كيف تستفيد الدولة من هذه التحولات دون أن تدفع ثمنها من تماسك مؤسساتها؟ فليس كل من خرج من صفٍّ معادٍ قد أصبح بالضرورة إضافةً آمنة، وليس كل انتقالٍ في الموقف يُنتج ولاءً مستقرًا.
ومن هنا، فإن أي مقاربة رشيدة يجب أن تميز بوضوح بين “الاستفادة التكتيكية” و“الإدماج الاستراتيجي”. فالأولى قد تُدار في إطار محدود، وتحت رقابة صارمة، بينما الثانية تتطلب زمنًا، واختبارًا، وإعادة تأهيل، وتدرجًا محسوبًا في القبول، لا اندفاعًا عاطفيًا ولا احتفاءً إعلاميًا منفلتًا.
والدولة تقاس بقدرتها على ضبط شروط العودة، لا بمجرد فتح أبوابها. وحين تغيب هذه الشروط، تتحول العودة من عنصر تعزيزٍ للقوة إلى إعادة توزيعٍ لمخاطر الصراع داخلها.
وفي هذا السياق، تبدو بعض المظاهر—إن صحت—مقلقة ومرفوضة، مثل ما يُتداول عن ظهور عناصر مليشياوية في شوارع الخرطوم أو أم درمان. فمثل هذه المشاهد، حتى وإن كانت فردية أو غير منظمة، تحمل أثرًا نفسيًا بالغًا على مجتمع لا تزال جراحه مفتوحة، وعلى ضحايا لم تُرد إليهم حقوقهم، وعلى ذاكرة عامة لم تتجاوز بعد صدمة الانتهاكات. الدولة هنا ليست مطالبة فقط بإدارة الواقع، بل بإدارة الشعور العام، وصيانة الإحساس بالعدالة، ومنع أي مظهر قد يُفسر على أنه عودة غير منضبطة أو تساهل غير مبرر.
كما أن الاحتفاء المبالغ فيه بالعائدين—سياسيين كانوا أو عسكريين—ينطوي على خطأ مزدوج؛ فهو من جهة يربك ميزان العدالة، ومن جهة أخرى يستفز قطاعات واسعة من الشعب، ممن يرون في هذا الاحتفاء تجاهلًا لمعاناتهم، أو قفزًا فوق استحقاقات المساءلة. فالعودة إلى الوطن ليست مناسبة للاحتفال، بل التزامًا يُقابل بشروط، ومسارًا يُقاس بمدى الإسهام في إصلاح ما أُفسد، لا بمجرد إعلان الانفصال عن الماضي. فالترحيب الذي يخدم الهدف العسكري شيء، والاحتفاء الذي يربك ميزان العدالة شيء آخر.
إن الدولة—في لحظات ما بعد الصراع—تُبنى على معادلة دقيقة؛ لا إغلاق كامل لباب العودة، ولا فتح مطلق له دون ضوابط. فالإقصاء الشامل قد يدفع نحو إعادة إنتاج التمرد، بينما الإدماج غير المنضبط قد يُعيد إنتاج الخلل داخل مؤسسات الدولة نفسها. وبين هذين الحدّين، يتشكل ما يمكن تسميته بـ“المنهج العادل في الاستيعاب”، الذي يقوم على التحقق، والمساءلة، والتدرج، وربط الحقوق بالواجبات.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التأكيد على جملة من المبادئ، ولكن ليس بوصفها شعارات تُرفع، بل كمعايير عملية تُطبّق. فالإغراق باستقبال قادة المليشيا وتفريغهم داخل المؤسسة العسكرية دون ضوابط صارمة لا يمكن أن يُقرأ كنجاح، بل كخطر قد يفسد القوام المتجانس والمتماسك للقوات النظامية، ويُدخل إليها عناصر لم تُختبر بعد في ولائها أو انضباطها.
كما أن ما يُسمى بالهبوط الناعم، إذا جاء على حساب العدالة وتجاوز حقوق الضحايا، لا يحقق استقرارًا، بل يؤسس لظلمٍ مؤجل. المطلوب ليس إسقاط الاستيعاب، بل ضبطه بمعيار العدل، بحيث يُعاد التوازن بين فتح باب العودة وبين حفظ الحقوق وعدم التفريط فيها.
وفي ذات السياق، فإن أي وجود مليشياوي غير منضبط في الفضاء العام—إن صح—يمثل مصدر قلق مشروع، لما يحمله من تهديد مباشر للسلم المجتمعي، ولما يثيره من مشاعر الغضب لدى ضحايا الانتهاكات. فالدولة التي تسعى لاستعادة هيبتها لا يمكن أن تسمح بمشاهد تُفهم على أنها تساهل مع من حمل السلاح خارج إطارها.
ولذلك، فإن الطريق الأكثر أمانًا يكمن في تبني إجراءات مهنية صارمة، تقوم على الفحص الدقيق، والتأهيل المنهجي، وإعادة الدمج وفق معايير عسكرية خالصة، لا تخضع لضغط سياسي أو إعلامي، بل تستند إلى مصلحة المؤسسة واستقرار الدولة على المدى البعيد.
كما أن من المهم التفريق بين من تلطخت أيديهم بالانتهاكات، وبين من كانوا جزءًا من بنية مفروضة أو سياق قهري. فالدولة العادلة لا تعمم الأحكام، لكنها أيضًا لا تُسقط المسؤولية. والعدالة هنا ليست فقط مطلبًا أخلاقيًا، بل شرطًا للاستقرار، وضمانة لعدم تكرار التجربة.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل القرارات العاطفية، ولا الاستجابات الانفعالية، بل تحتاج إلى عقل دولة يُدير التعقيد، ويوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات السياسة، دون أن يفرّط في أي منهما. فالقضية ليست في عودة هذا أو ذاك، بل في كيفية تحويل هذه العودة إلى قيمة مضافة، لا عبئًا جديدًا.
إن اتساع السياسة يجب أن يظل محكومًا بحدود الدولة، وأن تبقى المؤسسة العسكرية بمنأى عن أي ارتباك قد يمس عقيدتها أو تماسكها. فالجيش ليس ساحة لتصفية التحولات، بل ركيزة للاستقرار، وأي خلل في بنيته لا يُقاس بأثره اللحظي، بل بتداعياته بعيدة المدى.
هذه الأحداث لا تُقرأ بالنوايا، بل بنتائجها؛ فإما أن تقود الانشقاقات إلى إضعاف المشروع المعادي، أو تنتهي—إذا أُديرت بارتباك—إلى إعادة إدخاله في قلب الدولة. والفارق بين المسارين تصنعه المعايير، لا ردود الأفعال.
وبين من يعود، ومن ينتظر، ومن يراقب—تبقى الدولة وحدها هي المعيار؛ إن أحسنت إدارة هذا المشهد، تحوّلت الانشقاقات إلى بداية تفكك المشروع المعادي، وإن أخطأت، تحوّلت إلى بوابة لاختراقها من الداخل.