حول رؤية محافظ بنك السودان بشأن الشمول المالي: بناء الاستقرار، وإتاحة الفرص، وتعزيز الصمود في السودان

د.مروة فؤاد قباني

يمر السودان بمرحلة هي الأكثر تعقيدًا في تاريخه الاقتصادي الحديث، حيث تسببت الحرب في أضرار واسعة طالت البنية التحتية، وعطلت مؤسسات الدولة، وأضعفت القطاع الخاص، وأثرت بصورة مباشرة على الجهاز المصرفي. وفي خضم هذه التحديات، يبرز دور بنك السودان المركزي باعتباره أحد أهم المؤسسات القادرة على قيادة مسار التعافي الاقتصادي واستعادة الثقة في النظام المالي.

وفي هذا السياق، تكتسب الرؤية التي طرحتها محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني ونُشرت باللغة الإنجليزية في موقع (afi-global) بشأن الشمول المالي، والتحول الرقمي، ودعم الفئات المستبعدة، أهمية كبيرة، لأنها تنطلق من فهم عميق بأن إعادة بناء الاقتصاد لا تبدأ فقط من المشاريع الكبرى، بل من تمكين المواطن العادي، وصاحب المشروع الصغير، والمزارع، والمرأة، والشباب، من الوصول إلى خدمات مالية آمنة وميسرة.

الحرب كشفت هشاشة النظام المالي:

لقد أظهرت الحرب بوضوح حجم التحديات التي تواجه القطاع المصرفي في السودان. فقد خرجت بعض الفروع عن الخدمة، وتعطلت خدمات مصرفية في مناطق عديدة، كما واجه المواطنون صعوبات في الوصول إلى مدخراتهم، الأمر الذي أدى إلى تراجع الثقة في البنوك وزيادة الاعتماد على النقد والتعاملات غير الرسمية.

كما تعرض القطاع الخاص لضربات موجعة، حيث تضررت آلاف المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوقفت أعمال كثيرة بسبب نقص التمويل وصعوبة الحركة والتوزيع وغياب الخدمات الأساسية.

هذه التطورات أكدت أن الإصلاح المصرفي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية عاجلة.

الشمول المالي ليس رفاهية:

في الظروف الطبيعية، يُنظر إلى الشمول المالي باعتباره أداة لتحسين الخدمات المصرفية وتوسيع قاعدة العملاء. أما في السودان اليوم، فهو يمثل أداة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ووسيلة لإعادة تنظيم الاقتصاد الوطني.

فعندما يمتلك المواطن حسابًا مصرفيًا أو محفظة رقمية، يصبح قادرًا على استلام راتبه أو الدعم الحكومي أو المساعدات الإنسانية بسهولة وأمان. وعندما تتمكن المشروعات الصغيرة من الوصول إلى التمويل، فإنها تعود للإنتاج وتوفر فرص العمل. وعندما تدخل التعاملات المالية إلى القنوات الرسمية، يصبح من الأسهل ضبط السيولة ومحاربة السوق الموازي وتحسين إدارة الاقتصاد الكلي.

التحول الرقمي هو الحل الأسرع:

في ظل تعطل كثير من فروع المصارف التقليدية، يصبح الهاتف المحمول هو الوسيلة الأسرع والأكثر واقعية لنشر الخدمات المالية. ولذلك فإن التوسع في المحافظ الإلكترونية، والخدمات المصرفية عبر الهاتف، والوكلاء المصرفيين، وأنظمة الدفع الإلكتروني، يمثل الطريق الأقصر لاستعادة النشاط الاقتصادي.

كما أن رقمنة المدفوعات الحكومية، سواء للرواتب أو الدعم أو الرسوم، ستساهم في تقليل الاعتماد على النقد، وزيادة الشفافية، وتوسيع قاعدة المتعاملين مع النظام المالي الرسمي.

ماذا يحتاج بنك السودان المركزي الآن؟

المرحلة الحالية تتطلب خطة واضحة ذات أولويات عاجلة ومتوسطة المدى.

فعلى المدى القصير، هناك حاجة إلى استعادة الخدمات المصرفية الأساسية، وضمان السيولة، وحماية صغار المودعين، وتسهيل فتح الحسابات، وإعادة تشغيل أنظمة المدفوعات.

أما على المدى المتوسط، فيجب العمل على تقييم أوضاع المصارف، وإعادة هيكلة المتعثر منها، وزيادة رؤوس الأموال، وتحديث الأنظمة التقنية، وتعزيز الأمن السيبراني، وإنشاء بنية تحتية مالية حديثة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي إطلاق برامج تمويل لإعادة إعمار القطاع الخاص، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والقطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والنقل والخدمات بسقوفات تمويلية تتماشي مع تكلفة التشغيل.

المرأة والشباب في قلب التعافي:

لا يمكن بناء اقتصاد جديد دون تمكين النساء والشباب. فهذه الفئات تملك القدرة الأكبر على خلق الأعمال الجديدة وتوسيع النشاط الاقتصادي، لكنها غالبًا الأكثر تهميشًا من حيث التمويل والخدمات.

ومن هنا، فإن توفير حسابات منخفضة التكلفة، وبرامج تمويل صغيرة، وتدريب مالي ورقمي، يمكن أن يحول هذه الفئات إلى قوة اقتصادية حقيقية في مرحلة ما بعد الحرب.

فرصة تاريخية للإصلاح:

رغم صعوبة المشهد، فإن الأزمات الكبرى تخلق فرصًا استثنائية للإصلاح. والسودان اليوم يمتلك فرصة لإعادة بناء نظام مالي أكثر كفاءة وعدالة وحداثة مما كان عليه قبل الحرب.

فبدلًا من العودة إلى النموذج التقليدي القائم على الفروع الورقية والإجراءات المعقدة والاقتصاد النقدي، يمكن القفز مباشرة نحو نموذج رقمي حديث، أكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين في المدن والأرياف، وأكثر كفاءة في دعم التنمية.

كلمة أخيرة:

إن إعادة إعمار السودان لن تتم بالإسمنت وحده، ولا بالطرق والجسور فقط، بل تحتاج كذلك إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات المالية، وتوفير التمويل للإنتاج، وفتح أبواب الفرص أمام المواطنين.

وهنا يأتي الدور التاريخي لبنك السودان المركزي، ليس فقط كجهة رقابية، بل كمحرك رئيسي للتعافي الاقتصادي الوطني.

فإذا نجحت معركة استعادة الثقة، سيفتح الباب واسعًا أمام استعادة الاستقرار، وعودة الاستثمار، وبناء سودان جديد أكثر شمولًا وقوة وقدرة على الصمود.

Exit mobile version