الوقود والذهب والدولار : إقتصاد يدار من حافة الفجوة

نعمان يوسف محمد

في لحظة تبدو فيها القرارات الإقتصادية كأنها أدوات إدارة أزمة يومية أكثر من كونها سياسات طويلة المدى، يبرز قرار الدولة بالدخول في إستيراد المشتقات البترولية كتحول عميق لا يمكن قراءته بمعزل عن بنية الإقتصاد النقدي في السودان، ولا عن معركته المفتوحة مع سعر الدولار.

فالمسألة ليست وقوداً فقط، ولا إستيراداً تقنياً فحسب، بل إعادة توزيع للضغط داخل إقتصاد يقوم على معادلة شديدة الحساسية: الذهب يمول، الوقود يستهلك، والسوق الموازي يحدد السعر الحقيقي.

ففي الإقتصادات المستقرة، تتحرك الدورة الإقتصادية عبر قنوات واضحة: إنتاج، تصدير، إستيراد، ثم إعادة إنتاج. لكن في الحالة السودانية، تبدو هذه الدورة مشروطة بثلاثة محاور غير متوازنة:
– الذهب: المصدر الأهم للنقد الأجنبي
– الوقود: أكبر مستهلك مباشر وغير مباشر للدولار
– السوق الموازي: الجهة التي تحدد فعلياً قيمة العملة

وهذه ليست مكونات منفصلة، بل نظام مترابط. وأي خلل في أحد أطرافه ينعكس فوراً على سعر الصرف، لكن الأخطر أن أحد هذه الأطراف – السوق الموازي – لا يعمل ضمن الإطار الرسمي للدولة، بل يتجاوزه أحياناً ليصبح المرجع الفعلي.

ويمثل الذهب في السودان المفارقة الكبرى: وفرة في الأصل، وندرة في الأثر. وعلى الرغم من كونه المصدر الأساسي للعملة الصعبة، إلا أن جزءاً كبيراً من إنتاجه يتحرك خارج القنوات الرسمية، إما عبر التهريب أو البيع في منظومات موازية أكثر سرعة وربحية من النظام المصرفي التقليدي. ومن هنا تبدأ الحلقة الأولى من الإختلال: كلما ضعف عائد الذهب الرسمي، تقل قدرة الدولة على تمويل الإستيراد، ويتسع الفراغ الذي يملؤه السوق الموازي.

وإذا كان الذهب هو مصدر الدولار، فإن الوقود هو أكبر منفذ لإستهلاكه. ومع دخول الدولة كمستورد رئيسي أو منظم مباشر لهذا القطاع، يتحول عبء الإستيراد إلى عبء سيادي، لا إلى نشاط تجاري موزع. لكن المشكلة ليست في الإستيراد ذاته، بل في طبيعته:
– طلب شبه ثابت
– إرتباط مباشر بكل القطاعات الإنتاجية
– صعوبة تقليص الإستهلاك في المدى القصير

بمعنى آخر، الوقود ليس خياراً إقتصادياً، بل ضرورة تشغيلية، ما يجعله بنداً دائم الضغط على النقد الأجنبي.

غير أن الأخطر في المعادلة ليس الذهب ولا الوقود، بل السوق الموازي نفسه. فهو لا يحدد فقط سعر الدولار، بل يعيد تعريف الإقتصاد يومياً عبر ثلاث أدوات:
– التسعير الفعلي للسلع المستوردة
– تسعير الذهب نفسه خارج النظام الرسمي
– توفير السيولة السريعة خارج البنوك.

ومع إتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، يتحول الأخير تدريجياً من “سوق غير رسمي” إلى نظام تسعير بديل. وفي هذه الحالة، لا تعود الدولة هي من يحدد قيمة العملة، بل السوق.

وهكذا فإن أخطر السيناريوهات لا تأتي من عامل واحد، بل من تزامن إختلالين:
– تراجع تدفق الذهب الرسمي أو زيادة تهريبه
– إستمرار أو زيادة الضغط على إستيراد الوقود
وفي هذه الحالة، يحدث ما يشبه “العجز المزدوج”:
– نقص في الدولار الداخل
– زيادة في الدولار الخارج
وهنا تبدأ حركة الدولار في التحول من إرتفاع تدريجي إلى قفزات مفاجئة، تتغذى على المضاربة وفقدان الثقة.

لماذا يفشل الضبط المباشر؟

محاولات السيطرة على السوق الموازي غالباً ما تصطدم بثلاث حقائق:
– الذهب ينتج في إقتصاد موزع وصعب الرقابة
– الفجوة السعرية تولد حوافز أقوى من أي قرار إداري
– السرعة والمرونة في السوق الموازي تفوق النظام الرسمي..

بالمعنى البسيط:
لا يمكن إلغاء السوق الموازي بقرار، طالما أن النظام الرسمي أبطأ وأقل ربحية.

ما الذي يمكن أن يغير المعادلة فعلياً؟
بعيداً عن الحلول النظرية، هناك ثلاث نقاط حاكمة لأي إستقرار محتمل:
– تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بدل مطاردتها
– تحويل تجارة الذهب إلى قناة رسمية أكثر جاذبية من التهريب
– جعل النظام المصرفي أسرع وأكثر قدرة على توفير الدولار

هذه ليست إجراءات تقنية فقط، بل إعادة بناء لمنطق الثقة في الإقتصاد.

خلاصة المشهد:

يمكن تلخيص الإقتصاد السوداني اليوم في معادلة بسيطة لكنها قاسية:
الذهب ينتج الدولار، الوقود يستهلكه، والسوق الموازي يقرر قيمته.

وأي خلل في هذا المثلث لا يؤدي فقط إلى تقلب سعر الصرف، بل إلى إعادة تشكيل الإقتصاد نفسه خارج الأطر الرسمية.

وفي النهاية، ليست المشكلة في “سعر الدولار” وحده، بل في النظام الذي يسمح له بأن يعاد تسعيره خارج إطار الدولة كل يوم.

Exit mobile version