جرد حساب
عادل الباز
1
الذي يهرب الذهب هي الحكومة، قولًا واحدًا. والذي يحمي المهربين الآخرين بطريقة أو بأخرى هي الحكومة أيضًا. كيف ذلك؟
دعني أخبرك أن الحكومة كانت تصدّر الذهب بواسطة شركات تابعة للأمن وأخرى تابعة للاستخبارات العسكرية، أو من خلال شركات حكومية لا علاقة لها بالتجارة أصلًا. هذه النوعية من الشركات لها القدرة على فعل ما تشاء، فبعضها كان يخيف البنك المركزي بنفوذه أو بقربه من أصحاب النفوذ لكي لا يُسأل عن عوائد صادرات الذهب، فتؤخرها أو تستحوذ عليها كما تشاء. هناك شركات وشخصيات تصدر الذهب ولا علاقة لها أصلًا بأي من المعادن النفيسة أو الخبيثة.
2
في أوقات الحرب، كانت الحكومة مضطرة لتهريب الذهب بالطائرات لشراء السلاح دون أن يمر على جمارك أو مواصفات ومقاييس أو بنك مركزي. تم تصدير عشرات الأطنان من الذهب، وهذه الكميات غير مرصودة في أي مستندات. ولذلك، حين تعلن الدولة أن الإنتاج 70 طنًا، فإنها تحصل على عوائد لا تزيد عن 20% من هذا الإنتاج.
والسبب هو التهريب الذي لا تستطيع المؤسسات الرسمية ذات الصلة (بنك السودان، الجمارك، مقاييس) السيطرة عليه. بعض الجهات في الدولة أدمنت هذه الممارسات. صحيح أن وتيرتها انخفضت، لكن بعض الجهات لا تزال مستمرة في تهريب الذهب بالطرق الملتوية.
3
المنفذ الآخر للتهريب هم التجار. وهؤلاء يشترون الذهب من المعدِّنين مباشرة أو من الأسواق المنتشرة بالقرب من مناطق التعدين. كان الذهب يُهرب عبر مطار الخرطوم بالطائرات الخاصة، وخاصة طائرات السيد النائب الجنجويدي التي لم تكن تخضع للتفتيش، وكذلك عبر بوابات العبور عن طريق رشوة بعض ضباط الجمارك.
بعد الحرب، فُتحت الحدود على مصراعيها لتهريب الذهب. فالآن، أغلب التهريب يتم عبر الحدود المصرية، مما جعل مصر من أكبر مصدري الذهب في أفريقيا. صادرات مصر من الذهب بلغت بحسب معلومات البنك المركزي المصري 7.6 مليار دولار العام الماضي، بينما مصر لا تنتج سوى 18 طنًا سنويًا فقط! الباقي كله من السودان. في الوقت الذي لا تتجاوز فيه عوائد السودان من الصادر 1.5 مليار دولار بحسب تقرير وزارة المعادن.
أما حدود السودان الأخرى فكلها مناطق مفتوحة للتهريب الان وسابقا. فمن دارفور يخرج الذهب عبر الحدود التشادية بلا رقيب أو حسيب، ومناجم سنقو الآن تصدر الذهب مباشرة إلى أفريقيا الوسطى ومنها إلى دبي.
4
الآن وقد عرفنا:
1. حجم الإنتاج من المصادر الرسمية، وأغلبه من مناطق التعدين الأهلي.
2. الجهات التي تهرب الذهب (الحكومة والتجار).
3. الفاقد السنوي المترتب على التهريب يبلغ 8.5 مليار دولار… باعتبار أننا ننتج في الحد الأدنى المسجل رسميًا 70 طنًا سنويًا، وبسعر اليوم من المفترض أن تحقق هذه الكمية عوائد مقدارها 10 مليارات دولار سنويًا، وللأسف نحصل منها فقط على 1.5 مليار دولار.
هذه الأرقام الصارخة ليست مجرد تخمينات. كل هذه المعلومات في علم الحكومة وأجهزتها الرسمية، من بنك السودان المركزي إلى وزارة المالية، ووزارة المعادن، والمواصفات والمقاييس، وشرطة الجمارك، والشرطة العامة، والقضاء، والنيابة. كل هذه الجهات تعلم علم اليقين بقصة تهريب الذهب والطرق التي يُهرب بها والجهات التي تقوم بالتهريب . ولكنها لا تفعل شيئًا. عاجزة تمامًا عن إيقاف هذا النزيف الذي يحرم البلاد سنويًا من 8.5 مليار دولار.
ترى لماذا؟ لمَ هذا العجز المطبق في السيطرة على أهم مورد في البلاد على الإطلاق؟
هل يعقل أن تكون كل هذه الأجهزة عاجزة وفاسدة؟ أم أن هناك خللًا في السياسات الخاصة بهذا القطاع مصحوبًا باختلالات إدارية مزمنة في التخطيط والتنفيذ؟ أم أن كل ذلك مجتمعًا؟
يبدو لي أنه خليط من كل ذلك، والله أعلم. ما يحيرني أن الدولة تعرف الحل تمامًا ولكنها لا تفعل شيئًا. نتفرج على أموال البلد تُهرب وتُنهب وهي تعلم.
5
إذًا ما الحل؟
أول الحلول: أن تمتنع الدولة هي نفسها عن تهريب الذهب بواسطة شركاتها أو بواسطة أي جهات أخرى تعمل في استيراد السلاح أو أي سلع أخرى. وأفضل ما قرره بنك السودان قبل فترة هو منع شركات الحكومة من التصدير، بحيث يمكنها فقط بيع مشترياتها من الذهب إلى بنك السودان. حسنًا فعل، إذ أغلق بابًا كبيرًا للفساد والفوضى.
في حالة توقف الدولة عن التهريب، يتولى بنك السودان دفع كل احتياجات البلاد، وخاصة احتياجات الجيش، ويوفر كل ما يلزمه من موارد وعملات صعبة لمعركة الكرامة، ولكن بالطرق الرسمية التي يمكن رصدها وضبط مداخلها ومخارجها.
هذا الحل لا يحتاج لدراسات ولجان تطلع وتنزل، فقط يحتاج لقرار واحد من القيادة يمنع منعًا باتًا أي تصدير أو إخراج للذهب من دولة السودان بواسطة أي جهة كانت دون اتباع القوانين المنظمة لصادر الذهب.
حل سهل؟ مش …لكنه يحتاج إرادة. وهنا يا سيد الرئيس، لا يمكن انتهاج سياسة “الحفر بالإبرة” في الوقت الذي تنهب وتهرب فيه مليارات الدولارات برًا وجوًا..!!
ثانيًا: الدولة تعلم أن أغلب الذهب (70% من الإنتاج) يأتي من مناطق التعدين الأهلي. من هنا يمكن لها أن تبدأ السيطرة على الإنتاج. في كل الدنيا وفي أفريقيا، خاصة كما في تجارب دول مثل تنزانيا وغانا، هذا القطاع موجود، لكنه منظم عبر قوانين وجمعيات وشركات وشراكات، ولا يُترك للفوضى كما هو الحال في السودان الآن.
هل من الصعب أو المستحيل أن يتم حصر المعدِّنين وتنظيمهم في جمعيات أو تأسيس شركات لهم لتوفير الخدمات، ودعمهم بالآليات المناسبة، وبذلك يتم إغراؤهم بالدخول في أشكال مؤسسية يتم عبرها تنظيم هذا القطاع بما يمكّن من السيطرة على الإنتاج؟ ليس بمصادرة ولا بشراء قسري، فقط لمعرفة حجم المنتج وأين يذهب، ثم تتبع الدولة سياسات تسعير جاذبة لمنع التهريب.
الخطوة الأولى هي السيطرة على مناطق الإنتاج والذهب المنتج. أتحدث الآن عن ما يُنتج في شمال السودان ونهر النيل فقط، وهو يساوي أكثر من 60% من جملة الإنتاج في السودان. هناك تجارب موجودة ولا نحتاج لاختراع العجلة. بتنفيذ هذه الفكرة البسيطة يمكن للحكومة السيطرة على الإنتاج بشكل كلي، وهي في الأصل تسيطر على إنتاج الشركات الكبرى المستثمرة في المجال.
هل تغيب هذه الأفكار البسيطة عن الحكومة؟ بالطبع لا… ولكنها للأسف تتفرج على مليارات الدولارات تُهدر ولاتفعل شيئا وهي “معلمه الله”. نواصل