رأي

من تقاطع القرارات إلى تكامل السياسات: كيف نعزز التنسيق بين مؤسسات الدولة؟

نعمان يوسف محمد **

التحديات الاقتصادية التي يواجهها السودان، لا تكمن في شح الموارد وتراجع الإنتاج واختلال سعر الصرف فحسب، بل تمتد إلى كيفية إدارة هذه الموارد، ومدى الاتساق بين القرارات الحكومية الرامية إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية. فنجاح السياسة الاقتصادية لا يتوقف على سلامة القرار منفردا، وإنما على مدى تكامله مع السياسات الأخرى وقدرة المؤسسات على تنفيذه بصورة منسقة.

وقد أعادت القرارات المتعلقة بحظر استيراد عدد من السلع، ورفع الدولار الجمركي، ثم التوجيهات بإلغاء قيود الاستيراد وإعفاء بعض السلع الغذائية من الرسوم الجمركية، طرح سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق أهداف ترشيد النقد الأجنبي، وتعزيز الإيرادات العامة، وحماية الإنتاج المحلي، وتخفيف الأعباء المعيشية في آن واحد، دون أن تتعارض أو تتقاطع أدوات السياسة الاقتصادية أو تتسبب في نتائج عكسية؟

إن هذه القضية تستدعي الانتقال من معالجة الاختلالات بقرارات متفرقة إلى إدارة الاقتصاد من خلال إطار مؤسسي موحد، يضمن التنسيق بين الجهات الحكومية، ويوضح المسؤوليات، ويخضع النتائج للقياس والمساءلة.

أولا: جوهر المشكلة.. غياب التكامل بين أدوات السياسة الاقتصادية

تتداخل السياسة المالية، والسياسة النقدية، والسياسة التجارية، وسياسات الإنتاج في تأثيراتها على الاقتصاد. فتقييد الاستيراد قد يخفف الطلب على النقد الأجنبي، لكنه قد يؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار إذا شمل سلعا أساسية أو مدخلات إنتاج لا تتوافر لها بدائل محلية كافية.

وبالمثل، فإن رفع الدولار الجمركي قد يعزز الحصيلة الجمركية بالجنيه على الواردات الخاضعة للرسوم، لكنه قد يرفع تكاليف الاستيراد والإنتاج، وينعكس على أسعار السلع النهائية. وفي المقابل، فإن إعفاء السلع الغذائية من الرسوم قد يخفف تكلفتها، لكنه لا يضمن انخفاض أسعارها ما لم تتوافر المنافسة والرقابة الفاعلة، وتنتقل الوفورات الجمركية إلى المستهلك.

وتكشف هذه الأمثلة أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في أهداف القرارات ذاتها، بل في احتمال تعارض أدوات تنفيذها، أو غياب التقدير المسبق لآثارها المتبادلة.

ومن ثم، فإن المطلوب ليس توحيد جهات اتخاذ القرار أو إلغاء اختصاصاتها، وإنما توحيد الرؤية الاقتصادية التي تستند إليها قراراتها، وضمان اتساقها مع الأولويات الوطنية.

ثانيا: تفعيل التنسيق المؤسسي وتحديد المسؤوليات

تبدأ المعالجة بتفعيل اللجنة القومية لإدارة الاقتصاد، التي أعلن عن إطلاقها في أغسطس 2026، لتكون إطارا عمليا لتنسيق السياسات المالية والنقدية والتجارية والإنتاجية، بدلا من إنشاء هياكل جديدة قد تتداخل اختصاصاتها مع المؤسسات القائمة.

ويقتضي ذلك تحديد صلاحيات اللجنة وعلاقتها بمجلس الوزراء والوزارات وبنك السودان المركزي والجهات الرقابية، ووضع آلية عمل ملزمة تتضمن اجتماعات دورية، وجدولا واضحا للأولويات، ومحاضر تنفيذية تحدد الجهة المسؤولة عن كل إجراء، والموارد المطلوبة، والجدول الزمني للتنفيذ.

كما ينبغي اعتماد بروتوكول للتشاور المسبق، يقضي بألا يرفع أي مقترح جوهري يتعلق بالاستيراد أو الرسوم الجمركية أو الضرائب أو النقد الأجنبي أو دعم الإنتاج للاعتماد النهائي قبل تقييم آثاره الاقتصادية والاجتماعية، والتحقق من اتساقه مع السياسات والقرارات النافذة.

وفي الحالات الطارئة، يمكن اعتماد إجراءات استثنائية سريعة، شريطة تحديد نطاقها ومدتها، وإخضاعها لمراجعة لاحقة تقيّم نتائجها وتحدد الحاجة إلى استمرارها أو تعديلها.

ويظل وضوح المسؤوليات شرطا أساسيا لنجاح هذه المنظومة؛ إذ يجب تحديد الجهة التي تقترح السياسة، والجهة المخولة باعتمادها، والجهات المنفذة لها، والآلية التي تحسم الخلافات عند تعارض الاختصاصات أو الإجراءات.

ثالثا: بناء قاعدة معلومات اقتصادية مشتركة

لا يمكن تحقيق التنسيق الفعال في ظل تباين البيانات والتقديرات بين المؤسسات الحكومية. لذلك، تبرز الحاجة إلى قاعدة بيانات اقتصادية مشتركة تستند إلى مصادر رسمية موثوقة، وتوفر معلومات محدثة عن الإيرادات العامة والإنفاق، وحركة الصادرات والواردات، وأسعار السلع الأساسية، واحتياجات القطاعات الإنتاجية من النقد الأجنبي، وحجم الإنتاج المحلي وتكلفته.

ويجب أن تتولى كل جهة مسؤولية تحديث البيانات الواقعة ضمن اختصاصها، مع تحديد دورية التحديث، وتوحيد التعريفات والمؤشرات المستخدمة في التحليل.

كما ينبغي إنشاء وحدة فنية مشتركة لدعم اللجنة القومية، تتولى تحليل المقترحات الاقتصادية قبل اعتمادها، وتقدير أثرها المتوقع في التضخم والأسعار والإيرادات والنقد الأجنبي والإنتاج، ثم مقارنة النتائج الفعلية بالتوقعات بعد التنفيذ.

ويمكن الاستفادة في ذلك من الخبرات الوطنية في الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الخاص، بما يعزز جودة التحليل ويحد من اتخاذ القرارات بناء على تقديرات جزئية أو غير مكتملة.

رابعا: توحيد الأولويات بين الحكومة الاتحادية والولايات

يمثل تعدد الرسوم والجبايات والإجراءات بين المستويات الحكومية تحديا إضافيا أمام حركة السلع وتكاليف الإنتاج والتجارة. ولذلك، فإن تعزيز التنسيق يتطلب إعداد سجل موحد بالرسوم والجبايات المعتمدة قانونا، وتطوير آليات إلكترونية للتحصيل، ومعالجة الرسوم غير القانونية أو المتكررة التي تزيد تكلفة السلع دون أن تقابلها قيمة اقتصادية مضافة.

كما ينبغي تفعيل الاجتماعات التنسيقية بين الجهات الاقتصادية الاتحادية والولايات، خصوصا في ما يتعلق بانسياب السلع الأساسية، وتكاليف النقل، وتسويق المنتجات الزراعية، وحركة التجارة بين الولايات.

ولا يقل عن ذلك أهمية اعتماد تصنيف وطني للواردات يميز بين السلع الأساسية، ومدخلات الإنتاج، والسلع التي يمكن ترشيد استيرادها أو تتوافر لها بدائل محلية كافية. ويجب أن يستند هذا التصنيف إلى بيانات العرض والطلب، والقدرة الإنتاجية المحلية، والأثر في النقد الأجنبي والأسعار وفرص العمل، مع مراجعته دوريا وفق المتغيرات الاقتصادية.

إن حماية الإنتاج المحلي لا تتحقق بمجرد فرض القيود على الواردات، وإنما بخفض تكلفة الإنتاج، وتيسير التمويل، وتوفير الطاقة والنقل والتخزين، وتحسين البنية التحتية، وتطوير القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية.

خامسا: من متابعة القرارات إلى قياس النتائج

لا يكتمل التنسيق المؤسسي بمجرد صدور القرارات أو توزيع المسؤوليات، بل يتطلب نظاما واضحا لقياس الأداء ومساءلة الجهات المنفذة.

ويقتضي ذلك إعداد مصفوفة تنفيذ لكل قرار اقتصادي تتضمن الهدف، والجهة المسؤولة، والجهات المساندة، والموارد المطلوبة، والموعد النهائي، ومؤشرات قياس النتائج.

وتشمل مؤشرات المتابعة تطور أسعار السلع الغذائية، ومدى توافرها في الأسواق، وحجم الصادرات والواردات، وحصيلة الإيرادات الجمركية الفعلية، وتكلفة مدخلات الإنتاج، ومستوى الإنتاج المحلي، وزمن إنجاز الإجراءات الجمركية. كما ينبغي نشر تقارير دورية توضح مدى تحقق الأهداف، وأسباب التعثر، والإجراءات التصحيحية المتخذة، مع الحفاظ على سرية البيانات التي يحميها القانون.

ويمكن تنفيذ هذه المنظومة تدريجيا خلال تسعين يوما: تبدأ بحصر القرارات النافذة وتحديد التعارضات، ثم توحيد الإجراءات والمسؤوليات، يلي ذلك تشغيل آلية المتابعة وقياس الأثر، وصولا إلى تقييم شامل يحدد ما يحتاج إلى تعديل أو استمرار.

إن ربط القرارات بمؤشرات أداء معلنة يحول دون استمرار السياسات لمجرد أنها اعتمدت سابقا، ويجعل مراجعتها استجابة للنتائج الاقتصادية الفعلية، لا لمجرد تغير التقديرات أو الضغوط الآنية.

الخلاصة: التنسيق شرط لفاعلية السياسة الاقتصادية

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من القرارات المتفرقة بقدر حاجته إلى منظومة اقتصادية متكاملة تجعل السياسة المالية والتجارية والنقدية والإنتاجية تعمل وفق أهداف مشتركة، وتضمن وضوح الاختصاصات وتكامل التنفيذ.

وتتمثل الأولويات العملية في تفعيل اللجنة القومية لإدارة الاقتصاد، وإقرار التشاور المسبق بشأن القرارات الجوهرية، وتوحيد البيانات والمؤشرات، وضبط العلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات، وربط التنفيذ بالمساءلة وقياس النتائج.

فترشيد النقد الأجنبي، وزيادة الإيرادات العامة، وحماية المنتج المحلي، وتخفيف الأعباء المعيشية ليست أهدافا متناقضة بالضرورة، وإنما تتطلب سياسات متوازنة تراعي الآثار المتبادلة بين أدواتها، وتحدد الأولويات وفق الموارد والاحتياجات الفعلية للاقتصاد.

إن السياسة الاقتصادية الموحدة لا تعني أن تنفرد جهة واحدة باتخاذ القرارات، بل أن تعمل المؤسسات المختلفة، كل في حدود اختصاصها، وفق رؤية مشتركة وبيانات موثوقة ومسؤوليات واضحة. فالاقتصاد لا يدار باتساق النوايا، وإنما باتساق السياسات، ولا تقاس فاعلية القرارات بما تعلنه من أهداف، بل بما تحققه من نتائج ملموسة في الإنتاج والأسعار ومعاش المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى