خالد محمد أحمد
في عهودٍ مضت، كانت المفاضلة الفنية فعلًا جماليًا في المقام الأول تحكُمه الذائقة وتضبطه متعة الاستماع. كان لكلِّ امرئٍ فنانٌ يميل إليه، ويتابع أعماله، ويعتزُّ بأغنياته دون أن يحول ذلك بينه وبين متابعة غيره من الفنانين، أو الاستمتاع بإبداعاتهم والاعتراف بمكانتهم.
كان لوردي جمهورُه، ولمحمد الأمين معجبوه، ولعثمان حسين محبّوه، وكانت روابط المعجبين حاضرةً، لكن فضاء الاستماع ظلَّ رحبًا، ولم تكن محبة فنانٍ تستلزم الانتقاص من آخر، أو تحويل اختلاف الأذواق إلى خصومةٍ.
أما اليوم، فيبدو أننا أمام ظاهرةٍ تتجاوز الإعجاب الفني إلى ما يمكن تسميته بـ”الاستقطاب الفني”؛ إذْ لم يعُد بعض المعجبين يكتفون بمحبة فنانهم، بل أصبحوا يتحلَّقون حوله، وينبرون للدفاع عنه ضدَّ أيِّ رأي مخالف، حتى وإن كان نقدًا موضوعيًا، فتحوَّل الفنان عند هؤلاء من مبدعٍ يُحتفَى بتجربته إلى رمزٍ يُستمدُّ منه الانتماء والاعتزاز، ويُحصَّن من النقد.
فهل اتخذ بعض الشباب من الفنان بديلًا عن الزعيم أو الرمز السياسي المثالي الذي لم يجدوه، فأصبحوا يتعاملون معه بعقليَّة المريدين لا بعقليَّة المتذوِّقين، وبمنطق الولاء السياسي، لا بمنطق التذوُّق الفني؟
من المشاهد الراهنة التي تستحقُّ التأمُّل ظاهرة الالتفاف الجماهيري حول الفنان أحمد الصادق، الذي عاد مؤخرًا إلى السودان وسط حشدٍ استجابةً لدعوة أطلقها معجبوه لاستقباله، ووصفوا ذلك الاستقبال بأنه “مليونية”. ولا يخلو اختيار هذا الوصف من دلالةٍ رمزية؛ فقد ارتبطت “المليونيات” في الوجدان الشبابي السوداني بمواكب الثورة وحشودها، وربما أراد المعجبون استدعاء ذلك الزخم الثوري وإعادة توجيه رمزيَّته نحو فنانهم باعتباره أيقونةً جماهيرية تستحقُّ الالتفاف حولها. وهو مشهدٌ يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ بشأن طبيعة العلاقة بين الفنان وجمهوره، والحدِّ الفاصل بين الإعجاب والاصطفاف.
وممَّا يثير الاستغراب استمرارُ هذا الالتفاف رغم أن كثيرين لاحظوا ما اعتبروه تراجعًا في المستوى الصوتي لأحمد الصادق خلال الفترة الأخيرة. وقد يكون في ذلك ضربٌ من الإنكار الجماعي، أو تشبُّثٌ بصورةٍ مثالية لا يريد أصحابها أن تتصدَّع. وربما يعكس إصرارُ بعض جماهيره على دفعه إلى الغناء، رغم ما يواجهه من صعوباتٍ صوتية، خشيتَهم من فقدان رمزهم؛ فالبحث عن أيقونةٍ فنية بديلة ليس أمرًا يسيرًا في زمنٍ تآكلت فيه الرموز وتبدَّدت فيه مصادر الثقة.
ومن الواضح في تقديري أن هذا الاستقطاب يستعير من السياسة آلياتها في صناعة الثنائيات الحادَّة وعقلية “معنا أو ضدَّنا”؛ فإذا أحببتَ فنانًا وجب أن تراه الأفضل، وإذا انتقده أحدهم أصبح خصمًا لك، لأن فنانك “خطٌّ أحمر”. وبذلك، تتوارى الذائقة الفردية، ويحلُّ محلَّها الاصطفاف، ويتحوَّل النقاش الفني إلى معركة ولاءٍ وانتماء.
ويبدو هذا السلوك أكثر وضوحًا وسط قطاعاتٍ من الشباب؛ فهل وراءه أبعادٌ نفسية واجتماعية أعمق تتَّصل بأزمة الانتماء، وغياب الرموز، والحاجة إلى هُويَّةٍ جماعية يجد الفرد نفسه فيها؟
ربما لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزلٍ عن التحوُّلات السياسية والاجتماعية العميقة التي عاشتها الأجيال الشابة في السودان خلال العقود الماضية؛ فقد نشأ جيلٌ كامل في ظلِّ نظام الإنقاذ في مناخٍ مُشبَّع بالاستقطاب الأيديولوجي، وثقافة التصنيف والتعبئة وتوجيه الولاءات. ثم جاءت ثورة ديسمبر، فمنحت الشباب شعورًا استثنائيًا بالنشوة والقدرة على الفعل والتغيير، وبالانتماء إلى مشروعٍ جماعي كبير، قبل أن تتعثَّر المرحلة الانتقالية، وتتبدَّد كثيرٌ من الآمال، وتتراجع الثقة في الرموز السياسية وصولًا إلى الحرب بما خلَّفته من تمزُّقٍ وفقدان ونزوحٍ وانكساراتٍ.
وربما أسهمت هذه التحوُّلات في خلق فراغٍ نفسي ورمزي لدى قطاعاتٍ من الشباب. فراغٌ في الانتماء، وفي الثقة بالقيادات، وفي الشعور بالقدرة على التأثير في واقعهم. وحين لم يجدوا في المجال السياسي رمزًا يُعبِّر عن تطلُّعاتهم أو يستحقُّ ثقتهم، اتَّجهوا إلى المجال الفني بحثًا عن شخصيةٍ ناجحة وقريبة من وجدانهم يستطيعون الالتفاف حولها واستمداد الشعور بالاعتزاز والانتماء من حضورها. وبذلك، يتجاوز الفنان كونه صوتًا يلامس الوجدان ليصبح أيقونةً جماعية وموضعًا لإسقاط تطلُّعاتٍ لم تجد طريقها إلى الواقع.
ولا يقتصر الأمر بالضرورة على البحث عن رمزٍ بديل؛ فقد يجد بعض الشباب في الالتفاف حول الفنان مساحةً لممارسة شعورٍ جماعي بالانتصار والانتماء افتقدوه في واقعهم السياسي والاجتماعي؛ فالفنان يصبح مركزًا لجماعةٍ تمنح أفرادها شعورًا بالقوة والتميُّز والاعتراف، وتوفِّر لهم معركةً رمزيَّة يمكن الانتصار فيها، ولو كانت حول الأفضلية الفنية. وعندئذٍ، يصبح الدفاع عن الفنان دفاعًا عن الجماعة والذات، ويُنظَر إلى نقده على أنه اعتداءٌ على الانتماء المشترك بدلًا من التعامل معه باعتباره رأيًا في تجربةٍ فنية.
ويمكن تفسير بعض جوانب هذه الظاهرة أيضًا بما يُعرَف بسيكولوجيا القطيع؛ إذْ يجد الفرد في الجماعة شعورًا بالقوة والأمان والقبول، ويستمدُّ من توافقها ما يعزِّز يقينه بمواقفه. وقد عمَّقت وسائل التواصل الاجتماعي هذه النزعة عبر تشكيل تجمُّعاتٍ مغلقة يتبادل أفرادها المواقف ذاتها، ويعيدون إنتاج قناعاتهم وتعزيزها حتى يصبح الرأي السائد داخل المجموعة وكأنَّه الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل النقاش. ومع الوقت، يتراجع الحُكم الفردي المستقلُّ، فلا يكون المعجب معنيًّا بتقييم العمل الفني أو أداء الفنان بقدر اهتمامه بموقف جماعته منه؛ فهي التي تُحدِّد مسبقًا من هو الأفضل، ومن يستحقُّ الإعجاب، ومن ينبغي مواجهته.
وليس الفنان الراحل محمود عبد العزيز وجمهوره المعروف بـ”الحوَّاتة” بمنأى عن هذه الظاهرة؛ إذْ تجاوز ارتباط بعض معجبيه به حدود التعلُّق الفني الطبيعي حتى أصبح مجرَّد مقارنته بفنانٍ آخر، أو إبداء ملاحظةٍ نقدية عن تجربته مدخلًا إلى سجالاتٍ حادَّة. وليس في ذلك انتقاصٌ من موهبته الاستثنائية أو مكانته الوجدانية الراسخة، بل هو مثالٌ على الكيفيَّة التي قد ينقلب بها الحبُّ الفني إلى تعصُّبٍ جماعي يُحصِّن الرمزَ من النقد، ولا يتَّسع للاختلاف أو الاعتراف بالآخر.
ما طرحتُه من تفسيراتٍ في هذه القراءة، ومنها فراغ الرموز والقيادات، والحاجة إلى الانتماء، وصناعة الرموز وتقديسها، والاستقطاب الجماعي وسيكولوجيا القطيع، تظلُّ فرضياتٍ استدعتها الملاحظة والتأمُّل، لا أحكامًا نهائية أو تفسيراتٍ علمية مكتملة. فانتقال آليات الاستقطاب السياسي، بما تنطوي عليه من ولاءٍ أعمى وإقصاءٍ للمخالف، إلى فضاء الفن قد يكون أحد التفسيرات الممكنة لهذه الظاهرة، وهي فرضيةٌ تستحقُّ البحث الاجتماعي والنفسي المعمَّق، إلى جانب تفسيراتٍ أخرى قد تكشف عن جذورٍ أكثر تعقيدًا. وربما لم نغادر تمامًا زمن التعصُّب السياسي، بقدر ما نقلنا بعض معاركه ورموزه وآليات اصطفافه من ميدان السياسة إلى فضاء الفن.
4 نوفمبر 2026