رأي

من الجاهز إلى التفصيل: قراءة في تصدير سِلِك وتجنيب حمدوك

خالد محمد أحمد

لن يفوت على المتابع اللصيق أن هناك اتجاهًا واضحًا نحو تصدير خالد عمر يوسف (سِلِك) تدريجيًا إلى الواجهة في المحافل الدولية في ظلِّ أفولٍ ملحوظ للدكتور عبد الله حمدوك.

تتداخل، في تقديري، بعض العوامل لهذا الدفع؛ إذْ يبدو أن المرحلة تقتضي استدعاء بديلٍ أو على الأقلّ رديفٍ لحمدوك يمكنه الاضطلاع بأدوارٍ ذات طبيعةٍ خاصة في الحاضر والمستقبل فيما يُرجَّح أنه إعادة هندسةٍ في بنية التمثيل السياسي.

وتشير الشواهد إلى أن التحضير، الذي يجري على قدمٍ وساق لسِلِك، يندرج ضمن عمليةٍ ممنهجة لإعداد الصورة وإدارتها؛ إذْ تُدرك الجهة الراعية حاجتها إلى شخصيةٍ سبق أن تفاعلت معها الدوائر الدولية، وأصبح حضورها محلَّ متابعةٍ داخلية وإنْ تباينت المواقف تجاهها. كما أنها تعِي أن بناء الصورة السياسية مسارٌ تراكمي لا يُنجَز بين ليلةٍ وضحاها، بل يقوم على تهيئة الشخصية وصناعة هالةٍ حولها لتوظيفها. وليس بالضرورة أن تكون هذه الاستفادة آنيَّةً أو قريبة، بل قد تُدَّخَر للاستخدام في أدوارٍ مختلفة لاحقًا.

ويبدو أن الخارج قد وجد ضالَّته في سِلِك بعد أن قلَّب النظر في المشهد فلم يجِد من هو أصلح منه لأداء هذا الدور، فاستغلَّ معطيات ظرفه وخصائص شخصيته التي بدَت لمخدِّمه مرنةً إلى حدٍّ يسمح بتطويعها لأقصى درجات التوظيف السياسي. وعلى هذا الأساس، جرى استدراجه وإحكام الطوق وتوسيع دائرة التأثير حوله حتى انتهى به الأمر إلى موقعٍ تحكمه خطوطٌ مرسومة لا يملك عنها فكاكًا، ولا يجرؤ على الحياد عنها قيد أنملة، فلم يبقَ له سوى الدوران في هذا الفلك “بعقدٍ غير مكتوب” طويل الأجل يبدو أنه سيحتكِر خدماته ويُعيد توظيفه عند الحاجة، سواء في خانة الحاكم أو المعارض.

يتجلَّى هذا الأمر بوضوحٍ في حماسته الكبيرة واستماتته للترويج لسرديَّةٍ لم تكن حاضرةً في خطابه حتى وقتٍ قريب، لكنها برزت لاحقًا على نحوٍ لافت، وأخذ يرددِّها كالببغاء في كلِّ جهةٍ يُرسَل إليها. هذا التحوُّل المفاجئ، مقرونًا بتكرار الرسائل نفسها بحذافيرها في مختلف المنابر، يجعل أسلوب عرض مواقفه أقرب إلى خطابٍ مُلقَّنٍ يُعاد تسميعه كما لو أنه قصيدة في حِصَّة (محفوظات)، لا إلى طرحٍ نابعٍ من قناعةٍ مستقلَّة أو تحليلٍ سياسيٍ ذاتي.

ومن الواضح أن هذا التحوُّل قد تجاوز المضمون إلى اللغة، إذْ يُلاحظ على سبيل المثال اقتصاد سِلِك في استعمال مصطلح “الكيزان” بما يحمله من حمولةٍ سياقية محلية مقابل الإفراط في اجترار مصطلح “الإخوان المسلمين” الأكثر انسجامًا مع القاموس السياسي الرائج لدى الفاعلين الدوليين. يعكس هذا التحوُّل اللغوي إعادة تموضعٍ واضحة في طبيعة الجمهور المستهدَف، كما يكشف عن حرصٍ على مواءمة الخطاب مع السرديَّات الأكثر قابلية للتداول والتسويق خارجيًا.

الأمثلة على ذلك عديدة، من أبرزها اللقاء القصير ذي الطابع الآلي الذي أجرته معه مؤخَّرًا صحيفةٌ إيطالية، إذْ جاءت الأسئلة بصيغةٍ إيحائية وموجَّهة تُفضي مباشرةً إلى الرواية المُراد تكريسها. ومن الصعب على أيِّ متابعٍ يمتلك الحدَّ الأدنى من الدراية بالعمل الصحفي أن يغفل عن درجة التوجيه العالية في صياغة الحوار، وهو ما يجعل مخرجاته أقرب إلى مادةٍ مُعدَّة سلفًا منها إلى تفاعلٍ مهني تلقائي ونقاشٍ صحفي مفتوح.

وبالعودة إلى العوامل التي تُفسِّر التوجُّه إلى تقديم سِلِك، يبدو المشهد أقرب إلى المفاضلة بين “جاهزٍ” و”تفصيلٍ”؛ إذْ لم يَعُد حمدوك ملائمًا لمقاسات مرحلةٍ تغيَّرت شروطها بعد أن استنفد رصيده السياسي خلال تجربته في رئاسة الوزراء بما صاحبها من إخفاقاتٍ وتنازلات، الأمر الذي جعله مُرتبطًا بكُلفتها السياسية ومُحمَّلًا بأعبائها. ولذلك، فإن إعادة عرضه في الواجهة تبدو أقرب إلى محاولة إحياء صيحةٍ قديمة فقدت زخمها ومسوِّغاتها؛ بينما يجري الدفع بسِلِك كخيارٍ قيْد التفصيل على مقاس اللحظة والتجهيز ليتناسب مع العرض القادم. أمَّا الإبقاء على حمدوك حتى الآن في الصورة، فلا يتجاوز التمسُّك بظلِّ تجربة الحكومة المدنية، وهو حضورٌ مرشحٌ للتواري مع انقضاء هذه المرحلة وانفضاض متعلِّقاتها.

كذلك، لا يمكن إغفال عاملي السنِّ والرمزيَّة؛ إذْ يُلاحَظ أن الوجوه الأكثر حضورًا في المشهد حاليًا تنتمي في غالبيتها إلى فئة الشباب، وهو ما يعزِّز التوجُّه نحو الدفع بقيادةٍ من الجيل نفسه انسجامًا مع طبيعة مرحلةٍ يُتوقَّع أن تتَّسم بقدرٍ عالٍ من الشدَّة والتعقيد، وتتطلَّب طاقةً ذهنية وحركية متواصلة قد لا تتوافر بالقدر الكافي لدى حمدوك بحُكم المرحلة العُمرية واللياقة البدنية؛ بينما يبرز سِلِك ضمن محيط أقرانه من شُلَّة الأنس بحضورٍ لافت، وأسلوبٍ أكثر جرأة واندفاعًا، مع استعدادٍ لخوض المواجهات المباشرة دون تحفُّظٍ، وهي سماتٌ قد يراها بعضهم أقرب إلى إيقاع المرحلة المقبلة.

ولا يمكن إغفال عاملٍ آخر يتعلَّق بطبيعة الصلات المهنية؛ إذْ إن ارتباط حمدوك بمؤسسةٍ في دولةٍ يُنظَر إليها على أنها تُسهِم في تأجيج الحرب في السودان قد يُقلِّص فرص فرْضِه على الشعب ضمن تسويةٍ سياسية، بينما لا يزال سِلِك يحتفظ بهامشٍ للمناورة وإعادة تشكيل صورته، فعلاقاته الخارجية على وضوحها لا ترتبط بوظيفةٍ مُعلنة، وهو ما قد يُتيح له مساحةً أكبر لنفيها أو إعادة تأطيرها مقارنةً بحالة حمدوك.

ويُضاف إلى ذلك عاملٌ لا يقلُّ أهميةً يتمثَّل في تصاعد الحضور الدولي الذي راكمه سِلِك خلال فترة الحرب عبر مشاركاتٍ مكثَّفة في عددٍ من البرلمانات والحكومات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الدولية، مُستفيدًا من شبكات دعمٍ خارجية سهَّلت وصوله إلى هذه المِنصَّات، وهو ما أتاح له بناء رصيدٍ مُعْتبر من العلاقات العابرة للحدود عزَّز من تموضعه داخل الفضاء السياسي الدولي. ولا ينبغي فهم هذا التحليل على أنه ترويجٌ له، بل هو توصيفٌ لواقعٍ قائم.

على العموم، يبدو أن الدفع بسِلِك إلى الواجهة على حساب حمدوك وبقية مجموعته قد يُشكِّل تمهيدًا لدورٍ سياسي أكبر ربما يُراد له أن يتبلور إلى ما قد يجعلنا نسمع في يومٍ من الأيام جوقة المُطبِّلين وهي تردِّد شعار: “شكرًا سِلِك!”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى