من الأمن المستورد إلى الأمن الإقليمي: البحر الأحمر حين يستعيده أهله
Mazin
د. أمجد فريد الطيب
في الثلاثين من يوليو/تموز 2026، شهدت الرياض توقيع إعلان تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات. وشملت الدول الموقّعة السعودية والسودان ومصر وتركيا وباكستان والأردن وقطر والكويت والبحرين واليمن وبنغلاديش ونيجيريا وجيبوتي والصومال، في اجتماع حضره ممثلون عن ثلاث وأربعين دولة من أصل واحد وخمسين جهة وُجِّهت إليها الدعوة. واتفقت الدول المؤسِّسة على إيكال مهام القيادة إلى المملكة العربية السعودية، الدولة المؤسِّسة، وأن تستضيف المقر الدائم، والقيادة المشتركة، ومركز القيادة والسيطرة، ومركز العمليات البحرية المشتركة، والأمانة العامة. وما يميّز هذا الإعلان أنه — لأول مرة في تاريخ التعامل الإقليمي مع قضية البحر الأحمر — يحدّد سلفاً قائمة العناصر المؤسسية المطلوب بناؤها، وهو ما لم تنجح فيه المحاولات السابقة.
قد يُقرأ هذا الإعلان في صفحات الأخبار بوصفه ترتيباً عسكرياً بين دول متجاورة. غير أن مضمونه وتوقيته يتجاوزان ذلك بكثير. فهو يمثل محاولة متأخرة ــ لكنها جادّة ــ للإجابة عن سؤال ظل معلقاً في هذا الإقليم لأكثر من نصف قرن: من يملك القرار بخصوص ممر بحري يحتضن نحو عُشر التجارة البحرية العالمية، وتعبره عشرات الآلاف من السفن كل عام؟
لم يكن مضمون الجواب موضع خلاف في كتاب القانون قط، ولكن الأزمة كانت في الإرادة السياسية وفي القدرة على إنفاذه. ففكرة الأمن الجماعي في البحر الأحمر ليست ابنة هذه اللحظة، بل هي من أقدم الأفكار في التخطيط الاستراتيجي الإقليمي، ومن أكثرها إخفاقاً في بلوغ صيغة تنفيذية مناسبة تترجمها على أرض الواقع.
في سبعينيات القرن الماضي ساد الخطاب عن ضرورة أن يبقى البحر الأحمر ممراً تجارياً واقتصادياً خارج تنافس الأساطيل الكبرى، وتحرّكت الدول المشاطئة — والسودان في صدارتها — نحو تفاهمات في هذا الاتجاه. ولكن فشلت هذه التفاهمات في التطور إلى صيغة عملية بعد أن اصطدمت بصخرة استقطابات الحرب الباردة، وحروب القرن الأفريقي، وانهيار الصومال على الضفة الجنوبية الغربية للممر.
وفي عام 2009 تم توقيع (مدونة جيبوتي لقواعد السلوك)، ثم جرى تطويرها بتعديل جدة عام 2017 لتشمل الجريمة البحرية العابرة للحدود لا القرصنة وحدها، وهو ما صنع إطاراً قانونياً محترماً، وآليات لتبادل المعلومات، وبرامج تدريب. ولكنها فشلت في إنتاج قدرة حقيقية على صناعة الفعل والتأثير.
ثم احتضنت الرياض في السادس من يناير 2020 توقيع ميثاق تأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بعضوية ثماني دول شملت السعودية والسودان ومصر واليمن وإريتريا والصومال وجيبوتي والأردن، وأجاز مجلس وزرائه الميثاق في يوليو 2021. كانت تلك خطوة في الاتجاه الصحيح، غير أنها ظلّت كياناً تنسيقياً معلقاً في الوثائق بلا ذراع تنفيذية، وبلا ترتيبات قيادة وسيطرة، وبلا مركز عمليات.
وبموازاة ذلك، تراكمت الأطر المصمَّمة من خارج الإقليم: (أتلانتا) الأوروبية منذ 2008، و(فرقة العمل المشتركة 153) منذ 2022، ثم (حارس الازدهار) الأمريكية في ديسمبر 2023، ومؤخراً بعثة (أسبيدس) الأوروبية التي انطلقت في فبراير 2024.
تأرجح البحر الأحمر عقوداً بين نموذجين، كلاهما منقوص بحكم تكوينه: نموذج إقليمي يكتفي بتوقيع الاتفاقيات والإعلانات بدون مؤسسات حية وقادرة على الفعل، ونموذج خارجي أنتج مؤسسات بلا ملكية إقليمية.
وحصيلة كل هذا ليست مسألة رأي، بل تعكسها الأرقام. فما بين نوفمبر 2023 وسبتمبر 2025 تعرّضت نحو مئة سفينة للهجوم أو الاختطاف. وانخفضت معدلات العبور في قناة السويس من 26,434 سفينة في عام 2023 إلى 13,213 سفينة في عام 2024، أي بنسبة تقارب النصف. وتراجعت إيرادات القناة من 10.3 مليار دولار إلى نحو أربعة مليارات فقط. وهبطت حصة الممر من الحركة البحرية العالمية من نحو 12% إلى ما دون 9%.
وفيما يخصّ النفط كانت الصورة أقسى. إذ بلغ معدل تدفّق النفط عبر باب المندب في عام 2023 نحو 9.3 مليون برميل يومياً، تشمل الخام والسوائل البترولية، ولكن انخفض هذا المعدل إلى 4.1 مليون برميل يومياً في 2024. وقد دفعت التجارة العالمية فاتورة ما يحدث في البحر الأحمر مرتين: مرةً في الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، بزيادة تقارب 3,500 ميل بحري، وهي ما يعادل عشرة أيام إلى أربعة عشر يوماً في طول الرحلة ونحو مليون دولار قيمة الوقود الإضافي، ومرةً أخرى في أسعار الشحن التي تضاعفت سبع مرات على خط شنغهاي–روتردام بين نوفمبر 2023 ويوليو 2024، وظلّت أعلى بنحو 80% في 2025 مقارنةً بمستويات 2023.
ومجتمع الأعمال العالمي يخاف بسرعة، ولكن لا تعود له الثقة بالسرعة نفسها. فبالرغم من توقّف الهجمات ومرور مئة يوم كاملة من دون حادثة واحدة في مطلع 2026، فقد ظلّ عبور قناة السويس أدنى بنحو 60% من مستويات ما قبل الأزمة، وظلّت الحمولة الفصلية العابرة أقل بما بين 51% و64% منذ يناير 2024. وحتى حين تراجع قسط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى نحو 0.2% من قيمة السفينة في ديسمبر 2025 — وهو أدنى مستوى له منذ اندلاع الأزمة في البحر الأحمر — لم تتعافَ خطوط النقل عبر البحر الأحمر ولم تعد إلى حالتها الطبيعية بعد.
وهنا يكمن الدرس الذي ينبغي ألّا يمرّ عابراً: الأساطيل الأجنبية ربما تكون قد أسقطت الصواريخ التي هاجمتها، ولكنها أفزعت السفن ولم تنجح في إعادتها. ما انهار لم يكن الدفاع الجوي. ما انهار كان الثقة. والثقة في الممرات البحرية لا تُبنى بالوجود العسكري، بل باليقين أنّ من يقطن على السواحل يتحكم في أمرها، وأنّ أمن الممر المائي ليس رهيناً بحسابات قوة بعيدة تُغيّر أولوياتها مع كل موسم انتخابي. فالحماية المستوردة من الخارج مؤقتة بطبعها.
ولكن، لماذا يختلف هذا التحالف الآن؟ الفارق يكمن في البنية لا في الخطاب السياسي وحده. فالإعلان الصادر لا يقتصر على إطار للتعاون، وإنما يضع أسس بنية تنظيمية متكاملة تتضمن ميثاقاً مرجعياً، وهيكلاً إدارياً، وترتيبات للقيادة والسيطرة، وآليات تنفيذية، إضافة إلى مقر دائم، وأمانة عامة، ومركز عمليات بحرية مشتركة. هذه العناصر لا تمثل سمات تقليدية لتحالف ظرفي أو بيان سياسي عابر، بل تشكل خصائص مؤسسية جوهرية تحوّل التنسيق بين الدول من تفاهمات مؤقتة إلى إطار دائم يمتلك القدرة على التخطيط، واتخاذ القرار، وتنفيذ الاستجابة المشتركة.
والفارق الثاني يتصل بهوية الدولة القائدة، وهو أعمق من ان يتم تجاهله. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي السعودي 1.275 تريليون دولار في عام 2025 بنموّ حقيقي قدره 4.5%، وهي أكبر اقتصاد عربي، وعضو في مجموعة العشرين، وأكبر مصدّر للنفط في العالم. غير أنّ الرقم الأهم ليس الاقتصاد، بل الجغرافيا: فساحل المملكة على البحر الأحمر لم يعد هامشاً جغرافياً، بل صار قلب مشروعها التنموي في «نيوم» ومشاريع البحر الأحمر ضمن رؤية 2030، التي تخطط لأن يتجاوز الاقتصاد غير النفطي 55% من الناتج الإجمالي للمملكة.
وقيادةُ المملكة لهذا التحالف ضمانةٌ حقيقية لاستدامته. فالرياض لا تنخرط في هذا التأسيس تضامناً، بل تحمي جدوى استثماراتها الكبرى. وهذه المصلحة البنيوية أطول عمراً وأكثر متانة من التحالفات التي تنهض على النوايا الحسنة.
والفارق الثالث يكمن في اتساع عضوية التحالف خارج حوض البحر الأحمر. فحضور تركيا وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا ليس تضامناً رمزياً، بل يعكس أنّ الإطار لا يقوم على الجوار الجغرافي وحده، بل على الدول ذات المصلحة في سلامة الممر: دول مصدِّرة، ودول مستوردة، ودول تملك قدراتٍ بحرية قابلة للإسهام الفعلي.
كل ما سبق يصف الفرصة. ولكن الفرصة وحدها، مهما عظمت، ليست ضماناً. ومن الاستخفاف بالعقل السياسي أن نحتفي بإعلانٍ قبل أن نسأل عن شروط تحوّله إلى واقع. وهناك عدد من التحديات التي قد تعرقل ترجمة هذا التحالف ليصل إلى إمكاناته الكلية.
العقيدة العسكرية أولاً. فالدول المؤسِّسة لا تتحدّث لغةً بحرية واحدة. تركيا تعمل بعقيدة حلف شمال الأطلسي ومعايير التشغيل البيني الخاصة به، وباكستان تنطلق من تقاليد المحيط الهندي وخبرة قيادة فرق عمل دولية، ومصر تدير أكبر أسطول عربي بعقيدة تتمحور حول قناة السويس ومقارباتها، والسعودية تبني قوةً حديثة على منظومات غربية المصدر، فيما تتفاوت البحريات الأخرى بين قدراتٍ ساحلية محدودة وقدراتٍ شبه معدومة. والتشغيل البيني ليس شعاراً، بل هو وصلة البيانات التكتيكية، والإجراءات المشتركة، ولغة الاتصال الموحدة، ومخططات التدريب المستقبلي. وهذا مما قد يستغرق بناؤه سنين طويلة حتى في الأحلاف الناضجة.
ثم يأتي تضارب الأولويات السياسية. فلكل عضو في التحالف تعريفه الخاص للتهديد. فدولة قد ترى الخطر في كل ما يخفّض عبور القناة، وأخرى تراه في أمن السواحل والمشاريع التنموية، أو في الحضور والعمق الاستراتيجي، وثالثة تراه في القرصنة والصيد غير المشروع وضبط السواحل، ورابعة في اختراق سيادتها من الخارج، إلى غير ذلك من المخاطر. وحين تختلف مصفوفة التحليل، سيظهر الاختلاف في تحديد الأولويات التشغيلية، ويتحوّل مركز العمليات المشترك من غرفة قرار إلى غرفة تنسيق للمجاملات.
والتمويل ليس بنداً محاسبياً، بل هو تعريف للملكية. فوجود مقر دائم وقيادة مشتركة ومركز سيطرة وأمانة عامة يعني كلفة تشغيلية مستمرة لا مؤتمراً سنوياً. وهنا يجب أن تُعتمد صيغة تمويل مشترك بحصص محدّدة، بدلاً من أن يتحمّل الطرف القائد العبء المادي الأكبر؛ لأن الخيار الثاني سينتهك عملياً مبدأ الندية المكتوب في الميثاق، وسيصطدم بحقيقة بسيطة: من يدفع يملك القرار النهائي.
ثم تبرز معضلة العلاقة بالمنظومة الأمنية القائمة. فالمنطقة ليست فراغاً مؤسسياً، إذ يتمركز فيها الأسطول الخامس الأمريكي، وتعمل فرقة العمل (CTF-153) ضمن القوات البحرية المشتركة في المسرح العملياتي نفسه، الممتد من البحر الأحمر إلى باب المندب وخليج عدن، وتشارك أصلاً عدة دول مؤسِّسة للتحالف الجديد في هذه المنظومة. وإلى جانب ذلك، تواصل بعثة «أسبيدس» الأوروبية تنفيذ مهام حماية الملاحة بتفويض دفاعي محدود. وعليه، فإن السؤال المحوري لا يتعلق بوجود تحالف جديد، بل بوظيفته الاستراتيجية داخل هذا المشهد الأمني المكتظ: هل يمثل إقراراً ضمنياً بمحدودية الأطر القائمة وعجزها وفشلها؟ أم أنه إطار مكمل يعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين؟ أم هو منظومة موازية تعمل إلى جانبها؟ أم أنه يؤشر إلى وجهة سياسية جديدة تقوم على الانتقال التدريجي نحو بنية أمنية إقليمية تتولى، بمرور الوقت، مسؤوليات ظلت لعقود تضطلع بها القوى البحرية الخارجية؟
ربما يكون الغموض هنا مقصوداً في هذه المرحلة، وهو ذكاءٌ تأسيسي يتيح للدول المنخرطة الانضمام إلى التحالف دون أن تُجبَر على الاختيار. غير أنّ للغموض عمراً افتراضياً، ولا يمكن أن يستمر إلى الأبد ستاراً على هذه الأسئلة وسدّاً أمام إجاباتها.
ويبقى جوهر المسألة معقوداً على أربعة أسئلة عملياتية لا تحتمل التأجيل. أولها: هل يقتصر تفويض التحالف على الدفاع وحماية الملاحة، أم يمتد إلى الاعتراض الاستباقي وعمليات حظر تهريب السلاح، وهو ملف يتصل مباشرة بالأمن القومي السوداني؟ ثانيها: هل يستند إلى قواعد اشتباك مكتوبة وموحدة تحكم استخدام القوة، أم سيظل القرار خاضعاً للتقدير الوطني لكل دولة مشاركة؟ ثالثها: هل ستُخصص له أصول بحرية دائمة ومسمّاة تعمل تحت قيادته، أم سيعتمد على مساهمات وطنية مشروطة تُبقي قرار نشر القوة وسحبها بيد العواصم؟ ورابعها: هل سيكون قوة بحرية دائمة الحضور، أم آلية تُفعّل عند وقوع الأزمات؟
والسؤال الأخير هو الأكثر حسماً، لأنه يحدد ما إذا كان التحالف يمثل قدرةً ردعية حقيقية أم مجرد آلية للاستجابة. فالردع لا ينبع من القدرة على الحشد بعد وقوع التهديد، وإنما من وجود قوة جاهزة ومستمرة تفرض كلفة الاعتداء قبل حدوثه. أما القوة التي لا تتحرك إلا بعد اندلاع الأزمة، فهي تدير تداعياتها أكثر مما تمنع وقوعها.
هذه ليست أسئلة تشكيك، بل هي أسئلة بنية مؤسسية. والفارق بين تحالف راسخ وبيانٍ موسمي هو القدرة على الإجابة عنها خلال الأشهر الثمانية عشر القادمة: هل يُعلَن تشكيل بحري دائم بأصولٍ مسمّاة؟ هل تُعتمد قواعد اشتباك؟ هل تُقرّ صيغة تمويل؟ هل يُرسَّم ترتيب ارتباطٍ واضح مع الأطر القائمة؟ هل تُجرى تمارين مشتركة تختبر التشغيل البيني اختباراً حقيقياً؟ هذه هي المؤشرات. وما عداها انطباعات.
ويظل الملف اليمني هو الاختبار الأكثر حساسية لميلاد هذا التحالف. فقد توقفت الهجمات على الملاحة منذ أواخر عام 2025 وفق تفاهماتٍ مشروطة، بينما كان مصدر التهديد الذي استدعى إنشاء هذا الإطار الأمني متمركزاً على الساحل الغربي لليمن. ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق باليمن في حد ذاته، وإنما بطبيعة العقيدة العملياتية التي سيتبناها التحالف. فهل سيكون منظومة ردع قادرة على التعامل مع مصدر التهديد، بما قد يترتب على ذلك من إعادة إدخال الملف اليمني إلى معادلة الأمن الإقليمي بعد سنوات من السعي السعودي لاحتوائه؟ أم سيقتصر دوره على تأمين خطوط الملاحة واحتواء التداعيات من دون معالجة مصدر الخطر، بما يحقق استقراراً آنياً على حساب قوة الردع على المدى البعيد؟
لا تبدو هناك مساحة واسعة لحل وسط بين هذين المسارين؛ فالخيار بينهما هو ما سيحدد هوية التحالف ووظيفته الاستراتيجية. وهذا خيار لن تحسمه البيانات السياسية، بل سيظهر في تصميمه المؤسسي، وحدود تفويضه، وقواعد اشتباكه، وطبيعة المهام التي سيُكلَّف بتنفيذها.
والبحر الأحمر لن يبقى فراغاً. فأيّ فراغ أمني طويل الأمد في المواقع الجغرافية المهمة يجذب ترتيبات بديلة، سواء كانت إقليمية أو خارجية.
وسيُملأ هذا الفراغ بأحد أمرين لا ثالث لهما: إما ترتيبٌ جماعي تصنعه وتملكه وتديره دول الإقليم، وتتقاسم كلفته ومسؤوليته وقراره على قاعدة الندية والمسؤولية المشتركة، وإما ترتيباتٌ ثنائية متفرقة تُتيح التدخلات الخارجية، وترهن السواحل ومن خلفها القرار الوطني، وتكون كلفتها خصماً على السيادة والمستقبل. ففي عالم اليوم لم يعد السؤال من يحرس البحر الأحمر، بل من يملكه. وإذا نجح هذا التحالف في تحويل أمن البحر الأحمر من وظيفة تؤديها القوى الخارجية إلى مهام تتولاها دوله، فإنه لن يؤسس لتحالف بحري جديد فحسب، بل سيفتتح مرحلة جديدة في تاريخ الإقليم. أما إذا تعثر، فسيفتح الباب لترتيبات يصوغها الآخرون وتُدار وفق أولوياتهم، لا وفق مصالح شعوب البحر الأحمر ودوله.
وما هو مطلوب اليوم محدد وقابل للقياس. على المملكة، بوصفها الدولة القائدة، أن تنقل الميثاق من طور الصياغة إلى طور النفاذ، والمأمول ان يتم الاعلان عن تشكيل بحري دائم بأصول مسمّاة، وأن تطرح صيغة تمويل بحصص محدّدة تحفظ مبدأ الندية قبل أن تفرضه الكلفة. وعلى الدول المؤسِّسة مجتمعة أن تُقرّ قواعد اشتباك موحدة، وأن تُرسّم ترتيبات واضحة تحدد شكل الارتباط مع الأطر القائمة يمنع الازدواج ويحسم التبعية، وأن تدمج مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في هذا البناء بدل تركه هيكلاً موازياً معطلاً. وعلى السودان، صاحب أطول ساحل على الضفة الغربية للممر، أن يتقدم بمطلبين لا يحتملان التأجيل: إدراج حظر تهريب السلاح ضمن التفويض التشغيلي للتحالف، وربط بورتسودان بمنظومة الإنذار والمراقبة المشتركة. ثمانية عشر شهراً هي المهلة. فإما أن تتحول هذه العناصر إلى وقائع، وإما أن يلتحق الإعلان بأرشيف طويل من النوايا الحسنة.