حين يتعطل التطبيق .. مـن يـدفع الثـمن: نحـو منظومـة متكاملـة للدفـع الإلكتـروني

نعمان يوسف محمد

لم يعد الدفع الإلكتروني في السودان خدمة إضافية يستخدمها المواطن متى شاء، بل أصبح جزءاً من حياته اليومي: أجرة الحافلة، كوب الشاي، القهوة، الخضار، اللبن، المطعم، الكافتريا، وتجارة الجملة والقطاعي؛ كلها معاملات يمكن أن تتم إلكترونياً، وقد لا تتجاوز قيمة بعضها ألفا أو ثلاثة أو خمسة آلاف جنيه. ومع شح النقد، أصبح الهاتف بالنسبة لكثير من الناس أشبه بمحفظة نقود.. لكن ماذا يحدث عندما تتوقف هذه المحفظة عن العمل؟

ساعة ونصف بسبب تطبيق معلق:

قبل أيام، كنت شاهداً على واقعة في إحدى وسائل المواصلات العامة. حاول عدد من الركاب دفع أجرة الرحلة إلكترونياً عبر أحد التطبيقات، لكن التطبيق ظل معلقاً.. محاولة بعد أخرى، وإنتظار بلا نتيجة.

المتحصل يريد تحصيل الأجرة، والراكب يؤكد أن المال موجود في حسابه، لكنه لا يستطيع الوصول إليه في تلك اللحظة. وبدأ التوتر، ثم حدثت مشادات بين بعض الركاب ومساعد السائق، وتوقفت الحافلة لفترات طويلة. تكفل بعض الركاب الذين يملكون نقداً بالدفع عن آخرين حتى تستمر الرحلة، بينما إعتذر آخرون بلباقة وأخذوا رقم حساب المتحصل ووعدوا بتحويل الأجرة لاحقاً عندما يعود التطبيق إلى العمل.

النتيجة كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها مهمة في دلالتها: عشرة ركاب لم يتم تحصيل أجرتهم في حينها، وإمتدت الرحلة بنحو ساعة ونصف.. قد تبدو الحادثة عابرة، لكنها تكشف مشكلة أكبر: لقد نجحنا في نقل المواطن من النقد إلى الدفع الإلكتروني، لكن هل بنينا منظومة تضمن له الدفع عندما تتعطل إحدى حلقاتها؟

المشكلة ليست في التطبيق:

تعطل أي تطبيق أمر وارد، ولا يوجد نظام تقني محصن تماما من الأعطال. لكن المشكلة الحقيقية ليست أن تطبيقا تعطل، وإنما أن تعطل قناة واحدة أدى إلى تعطل المعاملة نفسها. فالتطبيق ليس منظومة الدفع؛ إنه مجرد قناة للوصول إلى المال. أما المنظومة فتشمل المصارف، وشبكات الاتصالات، ومزودي خدمات الدفع، والمحولات، وأنظمة التسوية، وقنوات الدفع البديلة، وإدارة المخاطر وإستمرارية الأعمال.

وهذا الاتجاه بدأ يظهر في التنظيم المصرفي السوداني؛ فقد إتخذ بنك السودان المركزي خطوات لتنظيم الربط بين التطبيقات المصرفية، والتحويلات بينها، وخدمات USSD، بما يعكس أهمية توسيع قنوات الدفع وربطها. لكن المطلوب الآن هو الانتقال من تنظيم القنوات إلى بناء منظومة قادرة على الإستمرار عند تعطل إحدى القنوات.

السودان لا يحتاج إلى تطبيق واحد… بل إلى منظومة واحدة:

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: أي تطبيق أفضل؟. وإنما كيف يستطيع المواطن أن يدفع مهما كانت القناة المتاحة أمامه؟

هذه نقلة مهمة في التفكير:

فإذا تعطل التطبيق، ينبغي أن تكون هناك قناة أخرى؛ وإذا إنقطع الإنترنت، ينبغي ألا تتوقف المعاملة بالضرورة؛ وإذا كان المواطن لا يملك هاتفا ذكيا، ينبغي أن تتوفر له وسيلة دفع مناسبة؛ وإذا فشلت العملية، ينبغي أن توجد آلية واضحة لتأكيدها ومطابقتها وتسويتها.. بمعنى آخر: قنوات متعددة أمام المواطن، ومنظومة واحدة خلفها.

كيف يمكن أن تعمل المنظومة؟

يمكن بناء نموذج عملي بسيط للمدفوعات اليومية الصغيرة يقوم على تكامل أربع قنوات رئيسية:

التطبيقات المصرفية.. والمحافظ الإلكترونية تكون القناة المعتادة للعميل.

يوفر الـ(QR) وسيلة سريع ومنخفضة التكلفة للتجار والمواصلات وأصحاب الأعمال الصغيرة.

يوفر الـ(USSD) قناة مهمة عند غياب الإنترنت أو عدم توفر هاتف ذكي.

يوفر الـ(POS) خيارا عمليا في المواصلات والأسواق والمحال التجارية.

لكن أهمية هذه القنوات لا تكمن في وجودها منفردة، وإنما في أن تكون مرتبطة بمنظومة دفع بيني وتسوية ومطابقة تسمح بإستمرار الخدمة وانتقال المعاملة بين القنوات عند الحاجة:

-فإذا تعطل التطبيق في الحافلة، لا ينبغي أن تتعطل الأجرة معه.

-وإذا انقطع الإنترنت، يمكن استخدام USSD.

-وإذا كان الدفع عبر QR غير متاح، يمكن استخدام POS.

-وإذا كان الدافع والمستفيد لدى مصرفين مختلفين، ينبغي أن تتولى منظومة الدفع البيني عملية التوجيه والتسوية.

ماذا يحدث عندما لا تعمل؟

هنا يجب أن يتغير السؤال من هل النظام يعمل؟ إلى ماذا يحدث عندما لا يعمل؟:

-إذا تعطل التطبيق يكون البديل لإستمرار المدفوعات الصغيرة بإستخدام نظام USSD.

-إذا تعطل التطبيق يكون البديل لإستمرار مدفوعات المواصلات والتجار بإستخدام نظام QR.

-إذا تعطل التطبيق أو QR يكون البديل لإستمرار مدفوعات المواصلات والأسواق بإستخدام نظام POS.

-إذا تعطل الإنترنت يكون البديل لإستمرار الخدمة عند انقطاع البيانات بإستخدام USSD.

-في حالة فشل العملية يستخدم رقم مرجعي ومطابقة للحد من النزاعات.

-في التعطل المؤقت تتم تسوية ومطابقة لاحقة لحماية حقوق الأطراف.

هذه البدائل ليست ترفاً تقنياً. ففي الاقتصاد الذي يعتمد بصورة متزايدة على الدفع الإلكتروني، تصبح إستمرارية الخدمة جزءاً من البنية الأساسية للنظام المالي.

الـ(USSD) أكثر من مجرد بديل:

تكتسب خدمة USSD أهمية خاصة في السودان لأنها لا تعتمد على الإنترنت ولا تتطلب هاتفا ذكياً. ولهذا ينبغي ألا ينظر إليها باعتبارها حلا مؤقتاً عند تعطل التطبيقات، بل باعتبارها قناة أساسية للوصول المالي والإستمرارية. فالراكب الذي يقف في حافلة والتطبيق لا يعمل لا يحتاج إلى الإنتظار نصف ساعة. وإذا كانت المنظومة مترابطة، يمكنه الانتقال إلى قناة أخرى وإتمام معاملته خلال وقت قصير. وهنا تصبح التكنولوجيا في خدمة المواطن، بدلا من أن يصبح المواطن أسيراً للتكنولوجيا.

QR و POS ووسائل الدفع اللاتلامسية: أدوات بسيطة لاقتصاد كبير

هناك قاعدة واسعة من المعاملات اليومية الصغيرة في الأسواق والمواصلات والمطاعم وأماكن البيع المختلفة. ويمكن وضع رمز QR واضح في الحافلات، وعند بائعي الشاي والقهوة والخضار واللبن، وفي المطاعم والكافتريات، بما يتيح للعميل الدفع مباشرة من هاتفه.

كما يمكن التوسع في استخدام أجهزة POS ووسائل الدفع اللاتلامسية، بما فيها الحلول التي تعتمد تقنية NFC، في المواقع التي تحتاج إلى وسيلة دفع ميدانية وسريعة. والمطلوب هنا ليس بالضرورة أجهزة معقدة أو مرتفعة التكلفة، وإنما حلول تتناسب مع طبيعة المعاملة وقيمتها وحاجة التاجر أو المتحصل.

فإذا كانت المعاملة ألفا أو ثلاثة آلاف جنيه، ينبغي أن تكون تكلفة تنفيذها وتأكيدها ومطابقتها متناسبة مع قيمتها. فنجاح المدفوعات الرقمية لا يقاس فقط بعدد الأجهزة والتطبيقات، وإنما بقدرتها على جعل المعاملة الصغيرة أسرع وأسهل وأقل تكلفة وأكثر قابلية للتتبع.

التشغيل البيني: انتهى زمن (أرسل لي في تطبيقي)

من أكثر الأمور التي تعطل انتشار الدفع الإلكتروني أن يصبح على المواطن أن يسأل: هل لديك التطبيق الفلاني؟. فالتشغيل البيني يجب أن ينقلنا إلى وضع مختلف: أنا أدفع من حسابي، وأنت تستقبل في حسابك، والمنظومة تتولى الباقي. ولا ينبغي للتاجر أن يحمل عدة أجهزة لأنه يتعامل مع أكثر من مصرف، ولا ينبغي للراكب أن يبحث عن التطبيق الذي يقبله المتحصل.

لأن نجاح التشغيل البيني لا يقاس بعدد الاتفاقيات التقنية بين المؤسسات، وإنما بما يشعر به المواطن في الشارع: هل يستطيع الدفع بسهولة إلى أي مستفيد، مهما اختلفت المؤسسة التي يتعامل معها؟

التسوية… الجزء الذي لا يراه المواطن:

عندما تظهر على شاشة الهاتف عبارة (تم الدفع)، تبدأ في الخلفية عمليات مهمة بين المصرف الدافع، والمصرف المستفيد، ومزود الخدمة، والمحول، وشبكة الاتصالات ونظام التسوية. ولهذا فإن استقرار الدفع الإلكتروني لا يعتمد فقط على واجهة التطبيق. فهناك حاجة إلى إدارة جيدة للسيولة، والتسوية، والمطابقة، ومعالجة العمليات المعلقة أو الفاشلة، حتى لا تتحول مشكلة تقنية إلى نزاع مالي بين المواطن والتاجر أو بين المصرفين.

ومن المهم أن تتغير طريقة قياس نجاح الدفع الإلكتروني. فليس كافيا أن نقول إن لدينا عددا كبيرا من المستخدمين أو المعاملات.. الأهم هو أن نعرف:

كم نسبة العمليات التي تنجح من المحاولة الأولى؟

كم تستغرق المعاملة؟

كم عملية تفشل؟

ما أسباب الفشل؟

كم مرة يضطر العميل إلى إعادة المحاولة؟

كم عملية تنتقل بنجاح إلى قناة بديلة؟

كم تستغرق عملية التسوية والمطابقة؟

هذه المؤشرات يمكن أن تشكل أساسا لمؤشر وطني لجودة الدفع الإلكتروني. فالمواطن لا يهمه عدد الخوادم أو تعقيد البنية التقنية. وإنما يهمه أن يدفع عندما يريد الدفع.

الـ(NIPS) فرصة لبناء البنية الوطنية:

أعلن بنك السودان المركزي في أغسطس 2026 عن طرح مشروع نظام المدفوعات الفورية القومي NIPS، في خطوة تعكس الاتجاه نحو تطوير بنية وطنية للمدفوعات الفورية. وهنا ينبغي ألا ينظر إلى المشروع باعتباره مجرد مشروع تقني جديد. والأهم أن يكون جزءا من بنية وطنية تحقق التشغيل البيني، وتدعم المدفوعات الفورية، وتوفر أساسا لإستمرارية الخدمة وتوسيع استخدام الدفع الإلكتروني.

والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا التطور بسيطة:

-القنوات متعددة… والمنظومة واحدة.

-من الدفع الإلكتروني إلى الدفع الموثوق

-السودان لا يحتاج فقط إلى مزيد من تطبيقات الدفع.

-يحتاج إلى منظومة تجعل الدفع أكثر موثوقية وإستمرارية.

فالتحول الحقيقي لا يقاس فقط بعدد التطبيقات التي تم إطلاقها، وإنما بقدرة المواطن على استخدام أمواله في الوقت الذي يحتاج إليها، حتى إذا تعطلت إحدى القنوات. خاصة وأن تجربة الحافلة أثبتت عمليا أن عطل التطبيق يمكن أن يتحول في دقائق إلى تأخير، ونزاع، وفقدان وقت، ومشكلة في تحصيل الإيرادات. وفي اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على المدفوعات الإلكترونية، فإن هذه المسألة تتجاوز التطبيق نفسه. لأن المال الموجود في الحساب لا يؤدي وظيفته الاقتصادية إلا عندما تستطيع المنظومة نقله بأمان وسرعة وفي الوقت المناسب. لذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تنقلنا من مجرد الدفع الإلكتروني إلى الدفع الموثوق. فالمواطن لا يريد أن يعرف اسم المحول، ولا نوع النظام، ولا أين توجد قاعدة البيانات. بل يريد شيئا بسيطا: أن يدفع وتستمر الحياة.

↑
Exit mobile version