رأي

من إسطنبول إلى الرياض: كيف يعيد العالم ترتيب أولوياته المائية ؟

د. عمار أبكر عبد الله

في لحظة دولية فارقة، انطلق في تركيا “منتدى إسطنبول الدولي الخامس للمياه” أمس (الثلاثاء) الخامس من مايو الجاري، والذي سيختتم اليوم الأربعاء، حاملاً رسالة واضحة لا تحتمل التأجيل مفادها أن “الأمن المائي لم يعد ملفاً فنياً يُدار داخل أروقة الخبراء، بل أصبح أولوية سياسية عالمية ترتبط مباشرة بالاستقرار والتنمية والسلام”. و يجيء هذا المنتدى كمحطة تمهيدية مهمة على طريق المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه المزمع عقده في الرياض عام 2027 …. حيث تتجه الأنظار إلى مرحلة جديدة ستُعاد فيها صياغة أولويات إدارة الموارد المائية على المستوى العالمي.

وفي كلمته خلال المنتدى، قدّم السيد رئيس المجلس العالمي للمياه Loïc Fauchon رؤية مكثفة تعكس جوهر التحول الجاري، إذ أكد أن الأمن المائي بكل أبعاده يمثل أولوية أساسية للعالم، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن التحدي الحقيقي لم يعد في نقص الحلول التقنية، بل في “ضعف الالتزام السياسي وغياب التنسيق الفعّال بين الحكومات والمؤسسات”.

عبارته اللافتة “Taps before guns” لم تكن مجرد توصيف، بل دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات العالمية، بحيث يُنظر إلى الاستثمار في المياه باعتباره استثماراً في السلام والاستقرار قبل أي اعتبار آخر.

هذا الطرح يضع الدول، وخاصة تلك التي تواجه ضغوطاً مائية متزايدة، أمام مسؤولية مباشرة للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء سياسات استباقية قائمة على التعاون والإرادة السياسية

في السياق ذاته، جاءت مشاركة السيد وزير الموارد المائية والري المصري د. هاني سويلم، لتترجم هذه الرؤية إلى مواقف عملية تعكس تطوراً ملحوظاً في الخطاب الإقليمي. فقد ركزت الرسالة المصرية على أن “تحقيق الأمن المائي لا يمكن أن يتم بمعزل عن التعاون العابر للحدود، وأن هذا التعاون يجب أن يستند إلى مبادئ القانون الدولي والثقافة المتبادلة وتحقيق المنفعة المشتركة دون الإضرار بأي طرف”. كما أكدت على أهمية دمج قضايا الموارد المائية ضمن أجندة العمل المناخي وتعزيز العمل متعدد الأطراف، في إشارة واضحة إلى أن إدارة الموارد المائية لم تعد شأناً وطنياً صرفاً، بل أصبحت جزءاً من منظومة عالمية متشابكة تتطلب تنسيقاً سياسياً ومؤسسياً عالياً.

وفي سياق موازٍ لا يقل أهمية، برزت السنغال كفاعل محوري في الدبلوماسية المائية الإفريقية، من خلال دورها المتقدم في قيادة التعاون القاري. فقد أكدت اللقاءات بين السيد وزير الموارد المائية والري المصري ونظيره السنغالي على هامش منتدى إسطنبول أهمية تعزيز التعاون بين البلدين بصفتها شراكة استراتيجية ضمن مسار المياه الإفريقي. وتبرز أهمية السنغال في كونها الدولة الشريكة في استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 …. وهو ما يمنحها دوراً مركزياً في صياغة أجندة المياه العالمية القادمة.

كما تم التأكيد على ضرورة مواصلة التنسيق بين مصر والسنغال في مختلف الفعاليات الدولية المعنية بالمياه والمناخ، بما يسهم في تحقيق نتائج عملية قابلة للتطبيق خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026. ويكتسب هذا التعاون بعداً إضافياً من خلال الدور القيادي للسنغال في مجلس وزراء المياه الأفارقة (AMCOW)، حيث تمثل محوراً رئيسياً في دفع أجندة المياه الإفريقية، إلى جانب العمل المشترك مع مصر والدول الأعضاء من أجل تنفيذ رؤية إفريقيا للمياه 2063.

هذه الديناميكية تجعل من السنغال منصة دبلوماسية محورية تربط بين إفريقيا والعالم في ملف المياه، وتفتح المجال أمام تنسيق أوسع في قضايا الأمن المائي، والتكيف المناخي، وإدارة الأحواض المشتركة.

نحو الرياض 2027: إعادة تشكيل النظام المائي العالمي:

ومع اقتراب موعد المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه، المقرر أن تستضيفه العاصمة السعودية الرياض، تزداد أهمية هذه التحولات، إذ من المتوقع أن يشكل المنتدى منصة عالمية لإعادة صياغة قواعد التعاون المائي وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغير المناخي والنمو السكاني وتزايد الطلب على الموارد. هذا السياق الدولي يفتح أمام الدول فرصاً حقيقية لإعادة التموضع، ليس فقط من خلال عرض تجاربها، بل عبر المساهمة في صياغة الأجندة العالمية ذاتها.

السودان: فرصة لإعادة التموضع لا ينبغي تفويتها:

بالنسبة للسودان، فإن هذه اللحظة تحمل دلالات استراتيجية عميقة. فالسودان، بما يمتلكه من موقع محوري في حوض النيل وموارد مائية وزراعية معتبرة، ليس مجرد طرف متأثر بالمعادلات الإقليمية، بل يمتلك مقومات تؤهله ليكون فاعلاً رئيسياً في تشكيلها. غير أن التحدي الأساسي لا يكمن في وفرة الموارد بقدر ما يتمثل في كيفية إدارتها ضمن رؤية وطنية متكاملة ترتقي بملف المياه إلى مستوى القرار السيادي.

إن الرسائل التي يحملها منتدى إسطنبول، سواء في الطرح العالمي أو في المقاربة الإقليمية، تشير بوضوح إلى أن المرحلة القادمة ستُبنى على أساس الإرادة السياسية والتعاون المؤسسي والدبلوماسية المائية الفاعلة.

كما يبرز هنا دور المؤسسات السودانية المعنية بملف المياه، وفي مقدمتها وزارة الخارجية والتعاون الدولي عبر إدارة ملف المياه والموارد الطبيعية، باعتبارها الجهة المحورية في قيادة الدبلوماسية المائية، وتعزيز حضور السودان في المنصات الإقليمية والدولية. كما تضطلع سفارة السودان في أنقرة والقنصلية العامة في إسطنبول بدور مهم في متابعة مخرجات المنتديات الدولية وتحليلها ورفعها لصانع القرار، إلى جانب بناء جسور تواصل مع الفاعلين في حوكمة المياه العالمية. وفي السياق ذاته، تكتسب سفارة السودان في الرياض أهمية متزايدة مع اقتراب المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه، وكذلك سفارة السودان في داكار باعتبارها بوابة استراتيجية للتفاعل مع الفضاء الإفريقي، خاصة في ظل الدور المتنامي للسنغال في قيادة أجندة المياه الإفريقية.

خاتمة: القرار المائي قرار سياسي بامتياز:

في المحصلة …. فإن ما بين إسطنبول والرياض يتشكل مسار عالمي جديد عنوانه أن المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل أصبحت ركيزة للاستقرار وأداة للتعاون أو التنافس بحسب كيفية إدارتها. والسودان، وهو يقف على أعتاب هذه التحولات، يملك فرصة حقيقية ليكون جزءاً من صياغة هذا المسار، شريطة أن يُحسن قراءة الرسائل الدولية ويترجمها إلى سياسات وطنية فاعلة. القرار في جوهره لم يعد تقنياً بحتاً، بل أصبح قراراً سياسياً استراتيجياً يحدد موقع الدول في خريطة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى