القاهرة :ماجدة حسن
شهد منتدى د. أبوذر الكودة، أمس، انطلاق أولى لياليه الثقافية، في أمسية احتفائية جمعت بين التكريم والغناء واستعادة محطات بارزة من تاريخ الفن والإعلام السوداني، واحتفى خلالها بالفنان النور الجيلاني والإعلامي والمخرج الراحل بابكر صديق، بحضور عدد من الفنانين والمبدعين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وافتُتحت الأمسية بأغنيتين للفنان النور الجيلاني، قدمهما كورال مؤسسة أبوذر الكودة، في أداء لفت الأنظار وكشف عن مستوى فني متقدم للكورال، قبل أن تتوالى فقرات الاحتفال التي استحضرت مسيرة المحتفى بهما وإسهاماتهما في تشكيل المشهد الفني السوداني.
وقال المخرج شكرالله خلف الله إن اختيار الأعمال الغنائية التي افتُتحت بها الأمسية جاء بعناية، مشيراً إلى أن أغنية «الذكرى المنسية» اختيرت لارتباطها بمدني، مسقط رأس كاتبها جمال عبدالرحيم، فيما وقع الاختيار على «خواطر فيل» للشاعر عاشق مصر حسن، لما تحمله من خصوصية في تجربة النور الجيلاني. وأضاف أن الأمسية قامت على المحبة والوفاء، مؤكداً أن حضور النور الجيلاني، رغم ظروفه الصحية، يمثل قيمة كبيرة في ليلة خصصت للاحتفاء بتجربته.
وشهدت الأمسية كذلك الإعلان عن مشروع كتابين يوثقان لمسيرة الفنان النور الجيلاني والإعلامي بابكر صديق، في خطوة تسعى إلى حفظ تجربتهما وإتاحتها للأجيال الجديدة، إلى جانب عرض تقرير مصور تناول جوانب من تجربة النور الجيلاني، بوصفه واحداً من الفنانين الذين امتلكوا نهجاً غنائياً متفرداً، جمع بين الأغنية الشعبية وإيقاعات الجاز، وقدم أعمالاً تناولت الإنسان والطبيعة والحب والوطن والحرية.
واستعاد التقرير محطات مهمة من بدايات النور الجيلاني في سبعينيات القرن الماضي، وفي مقدمتها مشاركته في مهرجان الثقافة الأول، الذي شكّل محطة مهمة في مسيرته بعد فوزه بالجائزة الأولى، قبل أن يلتقي الموسيقار إسماعيل عبدالمعين، ويقدم معه تجربة غنائية مميزة، كما اتجه إلى الغناء من رصيد الحقيبة، ومن بينها أعمال للشاعر عبيد عبدالرحمن.
وقدم النور الجيلاني خلال مسيرته تجربة مختلفة في تناول موضوعات الطبيعة والحياة والحب والوطن والوحدة، وارتبط اسمه بأعمال تركت بصمتها في الذاكرة الغنائية السودانية، فيما أشار شكرالله خلف الله إلى أنه كان من أوائل الفنانين الذين اتجهوا إلى الاستوائية، في تجربة أسهمت في توسيع فضاء الأغنية السودانية وإدخال تفاصيل الريف والبيئة إلى العاصمة.
وفي محور الاحتفاء ببابكر صديق، تناولت الأمسية تجربته الإعلامية ودوره في اكتشاف المواهب وصناعة النجوم، خاصة من خلال برامجه التلفزيونية. واستعاد الموسيقار والإعلامي طارق جويلي تجربته معه في برنامج «أصوات ونأمل»، متوقفاً عند برنامج «محراب الآداب والفنون» الذي وصفه بأنه كان مساحة مهمة للفنون والمواهب.
وأشار جويلي إلى أن تلفزيون الجزيرة، رغم نشأته في الأساس لخدمة مشروع الجزيرة والتخطيط الزراعي، استطاع بابكر صديق ومعه عدد من أبناء مدني أن يمنحوه مساحة للفن والمواهب. كما استعاد تجربة عمله بعد سنوات في تلفزيون السودان ضمن لجنة إجازة الأصوات والمواهب، إلى جانب الراحل مهدي محمد سعيد وإبراهيم حماد، مؤكداً أن بابكر كان يتعامل مع المواهب بلطف شديد، ويعمل على إزالة رهبة التلفزيون والأضواء عنهم.
وتوقف جويلي عند تسمية برنامج «نجوم الغد»، موضحاً أن الفكرة كانت حاضرة في ذهنهم بوصفها «نجوم بكره»، قبل أن يعتمد الاسم الذي اقترحه الأستاذ أنس العاقب: «نجوم الغد»، وهو البرنامج الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز منصات اكتشاف الأصوات السودانية، ورسّخ صورة بابكر صديق باعتباره «صانع النجوم».
وشهدت الأمسية حضور الفنانين جلال الصحافة، وبلال موسى، وفضل أيوب، وعبادي، إلى جانب د. شمس الدين يونس، وعدد كبير من أهل الثقافة والإعلام والإبداع.
وفي لفتة داعمة للمبادرة، أعلن الأستاذ عماد السنوسي، رئيس رابطة الصحافة الإلكترونية، تبرعه بمليون جنيه سوداني لكورال أبوذر الكودة، إلى جانب نصف مليار جنيه سوداني يخصص مناصفة للمحتفى بهما.
وتواصلت الفقرات الغنائية بمشاركة عدد من الفنانين الذين ارتبطت تجاربهم ببرنامج «نجوم الغد». وقدم الفنان ياسر، أحد الأصوات التي اكتشفها بابكر صديق، أغنية «المالك شعوري»، فيما شارك الفنان رامي كمال بتحية خاصة لتجربة «طرزان الأغنية السودانية». كما أطربت الفنانة نجود عجب الحضور، مستعيدة أغنيتها التي قدمتها خلال مشاركتها في «نجوم الغد»، «الحنين البي ليه ماقدرو»، مؤكدة اعتزازها بانتمائها إلى تجربة بابكر صديق.
وقدم الفنان علي مصطفى، من أبناء كلية الموسيقى والدراما و«نجوم الغد»، رائعة محمد وردي «يا نور العين»، مؤكداً أن الغناء في حضرة الكبار يضع الفنان أمام تحدٍ كبير. كما شارك الفنانان بلال موسى وفضل أيوب، قبل أن تختتم الفنانة آلاء الباشا، إحدى بنات «نجوم الغد» ومؤسسة الكودة، فقرات الأمسية.
وخرجت ليلة منتدى أبوذر الكودة بصورة تجاوزت حدود التكريم التقليدي، لتقدم احتفاءً بتجربتين أسهمتا في صناعة ملامح من الذاكرة الفنية السودانية؛ تجربة فنان امتلك مشروعه الغنائي الخاص، وتجربة إعلامي جعل من الشاشة منصة لاكتشاف الأصوات وصناعة النجوم. كما كشفت الأمسية عن الحضور اللافت والقدرات الفنية لكورال مؤسسة أبوذر الكودة، الذي أثبت احترافيته وموهبته ونال إعجاب الفنانين والحضور، في بداية تبدو واعدة لمشروع المنتدى الثقافي.