الأحداث – تقرير
بعد عامين من تسللي مذعورًا من الخرطوم، عاصمة السودان، التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، عدتُ إلى المدينة في أغسطس 2026. كانت الخرطوم التي شممتها، وتفحصتها، وسمعتها، ورأيتها هذا الأسبوع مدينةً مختلفة. لكن الشعور الأكثر ارتياحًا، والسمة البارزة التي لم تغب عن بالي أبدًا، هي أنها أصبحت الآن مكانًا أكثر أمانًا وأكثر استقرارًا. صحيح أن الخرطوم تكافح للنهوض من جديد، ولكن بكرامة؛ دخلتُ الخرطوم متوجساً لكني سرعان ما لاحظت و تيقنت أن هذه المدينة لم تعد الآن مرعبة و لا مرعوبة.
عندما هربتُ من الخرطوم عام 2024، كان الخوف هو كل شيء: رجال مسلحون يظهرون فجأة، ويسلبون هاتفك وممتلكاتك، ويعتدون عليك جسديًا ومعنويًا. بلطجية ينقضون عليك فجأةً لمضايقتك وسلب أي شيء يرونه مناسبًا. قد تصيبك رصاصة في أي لحظة، دون أن يتمكن أحد من مساعدتك أو الاحتجاج أو الشكوى: كان الهروب هو القاعدة، والابتعاد عن الأنظار هو النصيحة التي تسمعها أينما اجتمع اثنان.
كانت المدينة تمور رعباً وتتلفت خوفاً، فقد كان الناس يخشون بعضهم بعضًا، ولا يثقون ببعضهم، فإذا كنت تحمل نقودًا وتريد شراء شيء ما، فأنت هدف سهل، هدف محتمل لإطلاق النار. عليك أن تكون حذرًا، وأن تُظهر حرصاً شديداً، لأن البائع نفسه قد يكون واشياً، وقد يُبلغ عنك إلى قوات الدعم السريع ليأتوا لأخذ ما تملك من نقود تعب أقاربك المغتربون في إرسالها للأسرة ويُقذف بك حارج بيتك في شوارع المدينة، أو يرسلوك إلى أحد السجون المؤقتة في وسط المدينة، محرومًا من كل شيء.
كان الناس يخشون كل شيء، وخاصة الميليشيات المنتشرة في أرجاء المدينة. كان الجو خانقًا، ليس فقط بسبب رائحة المتفجرات والذخيرة، بل أيضًا بسبب روائح الجثث، وأكوام القمامة التي ملأت الأرصفة، ورائحة الديدان التي ملأت الجو، والذباب البالغ الذي كان يهاجم بلا رحمة. في معظم الأحياء، كان من الصعب إيجاد مكان للعبور من جانب الشارع إلى الآخر بسبب أكوام القمامة و جبال الأوساخ و الآن عندما اختفى ذلك لاتجد من يشكر لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة صنيعه.
كانت الخرطوم مكبلة و موبوءة و مرعبة حيثما وُجدت الميليشيات، كان هناك تهديد وخطر من الموت رميًا بالرصاص، أو فقدان الحرية، أو حتى الاستقرار. كان الجلوس والانتظار إلى أجل غير مسمى هو الوضع الطبيعي.
الآن لم تعد الخرطوم مرعبة، ولم تعد مرعوبة. في السوق، وحتى في الشوارع، كان الناس يسيرون في خوف، يتحركون بعد التلفت يمينًا ويسارًا في أزقة الأحياء، على أطراف أصابعهم، ولكن الأهم من ذلك، لم يكن أحد يعلم هل سيخرج من تحت الأنقاض. أو سيصل إلى مقصده سالماً.
كان الطعام شحيحًا، والماء معدومًا، والخدمات الصحية حلمًا بعيد المنال. لكن العنصر الأهم الغائب كان انعدام الأمن وانعدام الثقة. كنتُ أسيرُ في أرجاء المكان، وقلبي ينبضُ خوفًا من هجومٍ مُحتمل، سواءً كان مُباشرًا أو مُستهدفًا لأي شيءٍ في محيطِ منزلي. لقد مات آلافٌ من الناس بالطريقة نفسها في الخرطوم. ولمدة عامٍ ونصف، لم أُخرج هاتفي من جيبي قطّ ولم أتحدث في أي مكانٍ عام بالهاتف النقال .
كان السوق العربي في وسط المدينة مُهجورًا. لا شيء يتحرك خوفًا من إطلاق النار. تحوّل السوق إلى كومةٍ من ألواح الزنك والخرسانة المُدمّرة. كانت الأرصفة مُغطاةً بأغلفة و ظروف الذخيرة والرصاص والقذائف.
دُمّرت غابات الخرطوم الشهيرة التي كانت تأوي ما لا يقل عن 36 نوعًا من الطيور، المحلية والمهاجرة؛ أُزيلت مئات الأفدنة من الغابات وأُحرقت. توقفت الحياة تمامًا: لا ماء، لا كهرباء، لا أنشطة اقتصادية، ولا تواصل بشري. لا مواصلات، لا ركاب، لا عربات لا ريكشات.
كان هذا قبل عامين فقط.
اليوم، تنتشر الحافلات وشاحنات النقل العام وعربات الريكشة في كل مكان، وأصبح الماء الجاري متوفراً بشكل طبيعي، ووصلت الكهرباء إلى أكثر من نصف الأحياء، وتنبض الأسواق بالحيوية، وكذلك المدارس والمستشفيات، والأهم من ذلك، عودة العائلات. صحيح أن عدد العائلات كان قليلاً في بعض الأحياء، لكن كان من الواضح أن العائلات أرسلت “طلائع” من الرجال، ومعظمهم من الشباب، لزيارة المنازل والتأكد من ملاءمة الوضع لعودة العائلات.
مع غياب الوجود العسكري الثقيل المدجج بالسلاح في الشوارع، باستثناء التقاطعات المؤدية إلى مركز المدينة حيث توجد نقاط تفتيش، تستعد الولاية الآن بجدية لاستقبال الوافدين.
هناك أمر واضح للغاية تشعر به وتراه في الخرطوم اليوم: لم تعد هذه الولاية و لا المدينة تشكل تهديداً للحياة كما كانت عليه قبل ثلاث سنوات، وهي لا تخشى أن تعلن استعدادها لدفع ثمن التجديد والتأهيل.
صحيح قد تشن الطائرات المسيرة والانتحارية هجمات على مناطق أخرى، واحتمالية استهداف الخرطوم واردة، ولو بنسبة واحد بالمئة، هذا وارد. لكن الأمر المؤكد هو أن الملايين الذين فروا من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة والقوات المسلحة السودانية يشعرون بالأمان، وكرامتهم مصونة،