لماذا يخطئ عمر الدقير في تشخيص أزمة السودان (2-2) .. لمـاذا لا يبـدأ الإصـلاح مـن المخرجـات؟
Mazin
د. إسماعيل ساتي
يتميز الفكر المنظومي بقاعدة منهجية أساسية، وهي أن المنظومات لا تتغير من خلال معالجة نتائجها، وإنما من خلال التأثير في البنية التي تولد تلك النتائج. ولهذا السبب، فإن الدول التي نجحت في الخروج من الحروب لم تحقق ذلك لأنها أوقفت القتال أولاً، وإنما لأنها أعادت تشكيل البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية التي جعلت استمرار الحرب غير ممكن أو غير ذي جدوى. ومن هنا، فإن الخطأ لا يكمن في الدعوة إلى الحل السياسي، وإنما في ترتيب الأولويات.
فإذا كانت الدولة تواجه تهديداً يمس وجودها أو وحدة مؤسساتها، فإن السؤال الأول لا يكون: كيف نوزع السلطة؟ بل: كيف نحافظ على وجود الدولة نفسها بوصفها الإطار الذي تُمارس داخله السياسة؟
فالسياسة لا تُمارس في الفراغ، وإنما داخل دولة قادرة على فرض الحد الأدنى من النظام العام وحماية المؤسسات وإنفاذ القانون. وإذا فقدت الدولة هذه القدرة، فإن أي ترتيبات سياسية تصبح معرضة للانهيار، لأنها تقوم فوق أرض غير مستقرة.
وهنا يبرز اختلاف جوهري بين التفكير الخطي والتفكير المنظومي. فالتفكير الخطي ينظر إلى الحرب والسياسة باعتبارهما خيارين متناقضين؛ فإذا حضرت إحداهما غابت الأخرى. أما التفكير المنظومي فينظر إليهما باعتبارهما مسارين قد يتداخلان في بعض المراحل وفقاً لطبيعة الأزمة وأهدافها.
وليس هذا استثناءً سودانياً، بل هو ما عرفته دول كثيرة واجهت تمردات أو حروباً داخلية. ففي كثير من الحالات، استمرت العمليات العسكرية بالتوازي مع مفاوضات سياسية، لأن الغرض لم يكن إطالة أمد الحرب، وإنما منع اختلال ميزان القوى بصورة تجعل التسوية نفسها مستحيلة أو غير مستقرة.
إن القضية ليست في وجود العمليات العسكرية أو غيابها، وإنما في الدور الذي تؤديه داخل الاستراتيجية الكلية للدولة. فإذا أصبحت الحرب غاية في ذاتها، تحولت إلى استنزاف مفتوح. أما إذا كانت جزءاً من استراتيجية أشمل هدفها تهيئة الظروف لتسوية مستدامة، فإن تقييمها يختلف جذرياً. ومن ثم، فإن تصوير العلاقة بين العمل العسكري والحل السياسي بوصفها علاقة تناقض مطلق لا يعكس دائماً طبيعة إدارة الصراعات المعقدة.
تجاهل البيئة الإقليمية والدولية
ومن أوجه القصور المنهجي أيضاً أن الطرح الذي يختزل الأزمة في العلاقة بين الجيش والقوى السياسية يتجاهل البعد الخارجي الذي أصبح أحد أهم مكونات النظام المنتج للحرب. فالحرب السودانية لم تعد نزاعاً داخلياً صرفاً، بل أصبحت تتداخل فيها مصالح إقليمية وشبكات تمويل عابرة للحدود واقتصاد حرب قائم على الموارد الطبيعية وحسابات جيوسياسية تتجاوز السودان نفسه. وهذا يعني أن الحرب لم تعد تُدار فقط من داخل السودان، بل أصبحت تتغذى أيضاً من خارج حدوده.
والتفكير المنظومي يعلمنا أن المنظومة لا تُفهم من خلال عناصرها الداخلية وحدها، وإنما من خلال البيئة التي تتفاعل معها. ولهذا فإن أي مشروع للسلام لا يضع في اعتباره هذه العوامل الخارجية سيظل قاصراً عن تفسير استمرار الحرب، كما سيظل محدود القدرة على تقديم حلول قابلة للاستمرار.
بين الحوار وإعادة إنتاج الأزمة
ليس كل حوار ينتج سلاماً. فهذه حقيقة تؤكدها تجارب السودان قبل غيره. لقد شهدت البلاد عشرات المؤتمرات والمبادرات والاتفاقيات ولجان الوساطة والموائد المستديرة، لكن كثيراً منها انتهى إلى إعادة توزيع السلطة بين النخب دون أن يقترب من إصلاح البنية التي كانت تنتج الأزمة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نجلس إلى طاولة الحوار؟ بل: ماذا سنغير بعد أن نجلس؟
إذا كان الحوار سينتهي إلى إعادة إنتاج المؤسسات نفسها والثقافة السياسية نفسها وآليات تقاسم السلطة نفسها، فإن النتيجة المنطقية ستكون إعادة إنتاج الأزمة نفسها. فالنظام الذي ينتج الحرب لا يمكن أن ينتج السلام بالأدوات ذاتها. وهذه ليست قضية سودانية فحسب، بل إحدى أهم النتائج التي توصلت إليها دراسات المنظومات المعقدة والإدارة الاستراتيجية؛ إذ لا يمكن توقع نتائج مختلفة مع الإبقاء على البنية نفسها التي أنتجت النتائج السابقة.
أين ينبغي أن يبدأ الإصلاح؟
من منظور الفكر المنظومي، لا يبدأ الإصلاح بإعلان سياسي ولا بتوقيع اتفاق ولا حتى بتشكيل حكومة انتقالية. بل يبدأ بإعادة تصميم المنظومة التي تنتج الأزمات نفسها. وهذا يعني العمل بالتوازي على عدة مسارات مترابطة، من أهمها:
• استعادة احتكار الدولة المشروع لاستخدام القوة بحيث لا يبقى السلاح أداة تنافس سياسي.
• إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق رؤية وطنية موحدة.
• تفكيك اقتصاد التمرد وتجفيف مصادر تمويله.
• بناء مؤسسات عدلية مستقلة تعيد الثقة في حكم القانون.
• إطلاق عملية سياسية شاملة لا تقوم على المحاصصة، وإنما على إعادة بناء العقد الاجتماعي.
• إعادة هيكلة الاقتصاد بما يعالج جذور التهميش ويحد من الصراعات على الموارد.
• تحصين القرار الوطني من التدخلات الخارجية التي أصبحت جزءاً من ديناميات الصراع.
هذه ليست خطوات متتابعة بالضرورة، وإنما مكونات متكاملة لمنظومة إصلاح واحدة. ففي المناظيم المعقدة لا توجد حلول سحرية ولا نقطة بداية واحدة تصلح لكل الأزمات.
إن الاختلاف مع الأستاذ عمر الدقير لا يتعلق بقيمة السلام ولا بأهمية الحوار ولا حتى بضرورة الوصول إلى تسوية سياسية تنهي معاناة السودانيين. فالسلام سيظل الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها كل الجهود الوطنية. لكن الطريق إلى هذه الغاية يبدأ أولاً من التشخيص الصحيح.
وأحسب أن الخلل الأساسي في المقال الذي كتبه الدقير لا يكمن في النتائج التي يدعو إليها، وإنما في الافتراض الذي انطلق منه؛ إذ تعامل مع الحرب باعتبارها أصل الأزمة، بينما هي في حقيقة الأمر أحد مخرجات منظومة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية تراكمت اختلالاتها عبر عقود.
إن إيقاف الحرب ضرورة إنسانية وسياسية لا خلاف حولها، لكنه ليس كافياً لبناء السلام. فالسلام ليس هدنة مؤقتة ولا توقيعاً على اتفاق ولا توزيعاً جديداً للمناصب، وإنما هو خاصية لنظام سياسي يمتلك القدرة على إدارة التنوع واحتواء النزاعات وفرض سيادة القانون ومنع إعادة إنتاج العنف.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس فقط: كيف نوقف هذه الحرب؟ وإنما أيضاً: كيف نبني دولة لا تنتج حرباً جديدة؟
ذلك هو السؤال الذي يطرحه التفكير المنظومي، وهو السؤال الذي سيظل أكثر أهمية من أي إجابة مؤقتة تفرضها ظروف اللحظة السياسية.