الخدمة المدنية في السودان: من الريادة إلى التدهور

أمية يوسف حسن أبوفداية

– باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي
القاهرة، 18 سبتمبر 2025

مقدمة

كانت الخدمة المدنية السودانية، حتى ستينيات القرن الماضي، نموذجًا يُحتذى به في أفريقيا والعالم العربي، لما تمتعت به من كفاءة مهنية، ونظام صارم، وشفافية عالية، ومخرجات ملموسة في بناء مؤسسات الدولة الحديثة. وقد أسهمت في إنتاج نُخَبٍ إدارية كانت تُطلب للعمل في الخارج، خصوصًا في دول الخليج، نظرًا لتأهيلها العالي ومهاراتها التنظيمية.
إلا أن هذه المنظومة المتميزة بدأت تفقد بريقها تدريجيًا، بفعل سلسلة من الانقلابات السياسية والتدخلات الأيديولوجية في العمل الإداري، حتى وصلت إلى ما يمكن وصفه اليوم بأنها أكبر مؤسسة مترهلة في الدولة، تعاني من فائض بشري هائل، وتدهور في الأداء، وضعف في الإنتاجية، وغياب شبه كامل للحوكمة الرشيدة.
أول منعرج: انقلاب مايو 1969 وشعار “التطهير”
شكل انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري لحظة فاصلة في تاريخ السودان السياسي والإداري. فباسم “الثورة” وشعار “التطهير”، بدأت عمليات إقصاء واسعة في صفوف العاملين بالخدمة المدنية، شملت الكوادر ذات الخبرة والكفاءة، التي لم تكن تنتمي إلى النظام الجديد أيديولوجيًا أو سياسيًا.
ورغم أن “التطهير” رُوِّج له حينها كوسيلة لمحاربة الفساد، إلا أنه في الواقع كان مدخلاً لتمكين عناصر جديدة موالية للنظام، بغض النظر عن مؤهلاتها أو خبراتها. هذا التحول أدى إلى زعزعة معايير الكفاءة والاستحقاق التي كانت تُميز الخدمة المدنية السودانية، وأرسى مبدأ الولاء السياسي فوق الجدارة المهنية.
المنعرج الثاني: انقلاب 1989 وشعار “التمكين”
لم يكن انقلاب يونيو 1989 بقيادة الجبهة الإسلامية القومية (لاحقًا حزب المؤتمر الوطني) مجرد إعادة إنتاج لتجربة “التطهير”، بل كان تأسيسًا لمرحلة أكثر عمقًا في سياسة التمكين، التي طالت كل مفاصل الدولة ومؤسساتها، وعلى رأسها الخدمة المدنية.
تم سن قوانين وتشريعات، أبرزها قانون الخدمة العامة لسنة 1995، التي مكنت الحزب الحاكم من إحلال شامل للكوادر الموالية له، تحت ستار “إعادة هيكلة الدولة الإسلامية”. وقد مُنح الولاء السياسي دورًا محوريًا في التعيينات والترقيات، بينما حُوربت الكفاءات التي لم تنخرط في المشروع السياسي للنظام، أو لم تتماهَ مع رؤيته الأيديولوجية.

وقد أدى ذلك إلى:
تآكل المهنية والحيادية في الجهاز الإداري.
خلق بيروقراطية مُسيّسة، خاضعة للحزب الحاكم.
تدهور الإنتاجية وتفشي المحسوبية.
إحباط العناصر الوطنية غير المنتمية سياسيًا.
المنعرج الثالث: ثورة ديسمبر 2019 وقانون إزالة التمكين
جاءت ثورة ديسمبر 2018 – 2019 كثورة شبابية وشعبية تطالب بإسقاط نظام الثلاثين عامًا، ومحاكمة رموزه، واستعادة الدولة من قبضة الحزب الواحد. وبعد سقوط النظام في أبريل 2019، شُكِّلت حكومة مدنية مؤقتة سعت إلى تفكيك بنية التمكين، وذلك عبر لجنة سياسية سُميت “لجنة إزالة التمكين”، التي سعت إلى:
فصل آلاف الموظفين الذين تم تعيينهم عبر الولاءات السياسية.
استعادة أموال وممتلكات يعتقد أنها نُهبت من مؤسسات الدولة.
إعادة هيكلة الخدمة المدنية على أسس مهنية.
لكن، وعلى الرغم من حسن النوايا، فإن تنفيذ هذه السياسات اتسم بالعشوائية والارتجال، حيث تم فصل موظفين دون تحقيقات قانونية واضحة، أو دون مراجعة دقيقة لمؤهلاتهم وخلفياتهم. وقد استغلت أطراف عديدة هذه الإجراءات لتصفية حسابات سياسية أو مناطقية، ما أضعف ثقة الرأي العام في اللجنة ومخرجاتها.
الارتباك بعد الثورة: ثلاث موجات من العائدين
بدأت موجة رجوع المفصولين، عبر ثلاث قنوات رئيسية:
1. عودة من ثبت أن فصلهم تم بدوافع سياسية او لم تثبت، وهؤلاء تم استيعابهم مجددًا دون تقييم مهني..او حوجة المؤسسات .
2. عودة عبر القضاء، حيث لجأ العديد من المفصولين إلى المحاكم، التي حكمت لصالحهم بقرارات نهائية.
3. عودة عبر المحاصصات، خاصة مع توقيع اتفاقات السلام المختلفه، مثل اتفاق جوبا 2020، والذي نص على استيعاب كوادر الحركات المسلحة في أجهزة الدولة.
في ذات الوقت، استمرت عملية التعيين السياسي في مؤسسات الدولة، خصوصًا في وزارات ومفوضيات مُحدثة، أو تلك التي تم إنشاؤها لإرضاء بعض مكونات العملية السياسية أو المجتمعية، مثل بعض الإدارات الأهلية.
وهكذا أصبحت الخدمة المدنية السودانية تحتوي على:
موظفين لم يتم فصلهم.
موظفين مفصولين سابقًا فى فترة النظام السابق ثم أعيدوا بعد الثورة..سواءا فصلهم سياسي أو حسب القانون .
موظفين مفصولين من قبل إزالة التمكين ثم أعيدوا عبر القضاء.
موظفين جُدد تم تعيينهم عبر المحاصصة أو الولاءات السياسية فى فترة الإنقاذ وفى فترة الثورة .

النتائج الكارثية: جهاز مترهل بنسبة تفوق 400%
وفق تقديرات شبه رسمية، فإن عدد العاملين في الخدمة المدنية الحالية يفوق الحاجة الفعلية بأربعة أضعاف، حيث يمكن للمؤسسات أن تعمل بكفاءة بـ 25% فقط من قواها البشرية الحالية، وفي بعض المؤسسات تصل هذه النسبة إلى 10%.
هذا الترهل أدى إلى:
تسيب إداري واضح، حيث لم يعد الالتزام بالدوام والمهام إلزاميًا أو مراقبًا بشكل فعال.
ضعف الإنتاجية، بسبب تضخم الجهاز الإداري وتكرار الوظائف وتنازع الصلاحيات.
ضعف المرتبات، نتيجة العجز في الميزانية مقابل كتلة الأجور الهائلة.
العمل المزدوج، حيث يشغل بعض الموظفين وظائف في القطاع الخاص أو في الخارج، بينما يحتفظون بوظائفهم الرسمية داخل السودان.
ضعف الرقابة والتقييم، في غياب نظام حديث لتقييم الأداء وربطه بالعلاوات والترقيات.
وقد زادت جائحة كورونا الطين بلة، حيث تم اعتماد “العمل عن بعد” كخيار مؤقت، لكنه تحول إلى نمط دائم في بعض القطاعات، مما أدى إلى تدهور الانضباط الإداري.
الطريق إلى الإصلاح: حلول عاجلة واستراتيجية
إذا أراد السودان النهوض من كبوته، وبناء جهاز دولة عصري، فلابد من إصلاح الخدمة المدنية بشكل جذري وليس ترقيعي. وفيما يلي حزمة من المقترحات العملية:
1. تطبيق سن المعاش الإجباري فورًا
يجب تنفيذ قرار المعاش لكل من تجاوز 60 عامًا، باستثناء أساتذة الجامعات الذين يمكن رفع سن التقاعد لهم إلى 70 عامًا، نظرًا لطبيعة عملهم الأكاديمية.
2. مراجعة ملفات المنتدبين للخارج
يجب إعادة تقييم أوضاع المنتدبين للعمل في الخارج، خصوصًا في دول الخليج، والذين تجاوزوا سنوات الإعارة القانونية دون مبرر، أحيانًا بالتواطؤ مع مؤسساتهم أو لحاجة داخلية غير موجودة.
3. فتح باب المعاش المبكر
السماح للموظفين بالتقاعد المبكر طواعية، مع حوافز مشجعة، من أجل تقليل الترهل وتحقيق تجديد في الدماء الإدارية.
4. وقف العمل عن بعد
استعادة الالتزام بالحضور الفعلي في المؤسسات، لأن “العمل عن بعد” في السياق السوداني أصبح ذريعة للغياب والتسيب، وليس أداة إنتاجية.
5. إقالة مزدوجي الوظائف
يجب اتخاذ قرار حاسم بفصل كل موظف حصل على وظيفة دائمة خارج السودان أو داخله، مع استثناء المحاضرين الجامعيين نظراً لطبيعة ندرة تخصصاتهم.
6. تعديل هيكل الأجور
إعادة هيكلة الرواتب بما يتناسب مع تكلفة المعيشة، مع زيادة 100% في الأجور للدرجات العليا، و500% لعمال الصيانة والمعلمين، وهم الفئة الأكثر تهميشًا.
7. إنشاء مفوضية مستقلة للخدمة المدنية
تكون مهمتها وضع السياسات العامة للتوظيف، تقييم الأداء،

Exit mobile version