

روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
تستيقظين ذات صباح، فتجدين أن العمر قد أضاف عامًا آخر إلى عدّه، وأن أشياءً كثيرة كنتِ تظنينها قريبةً ما تزال بعيدة؛ فتبدئين، من حيث لا تشعرين، بمحاكمة نفسكِ.
تتسلّل المقارنة إلى القلب في هيئةٍ وديعة؛ هذه تزوّجت، وتلك أصبحت أمًّا، وأخرى مضت في حياتها إلى حيث كنتِ تظنين أنكِ ستبلغين قبلها. ثم لا تلبثين أن تعودي إلى نفسكِ وفي داخلكِ سؤالٌ أثقل من أن يُقال عرضًا: متى يحين دوري؟
ولعلّ عصرنا قد أتقن صناعة هذا السؤال؛ فما إن تفتحي نافذةً في هاتفكِ حتى تتوالى عليكِ حياة الآخرين في أبهى صورها: زواجٌ اكتمل، وطفلٌ وُلد، وبيتٌ تبدّل، ونجاحٌ أُعلن، وسفرٌ بدأ. ترين الثمرة ولا ترين مواسمها، وتلتقطين لحظة الوصول من حياةٍ لم تشهدي تعب الطريق إليها؛ ثم تقفين أمام حياتكِ بما فيها من فراغاتٍ لم تُملأ بعد، فتبدين لنفسكِ كأنكِ الوحيدة التي تأخرت.
وهكذا صار العالم يعرض لنا نتائج الناس، ويخفي مواقيتهم؛ حتى غدا توقيت الآخرين مقياسًا خفيًا نحاكم به أعمارنا.
لكن الحياة لم تكن يومًا طريقًا واحدًا، ولا كانت الأقدار تُنسخ على هيئةٍ واحدة.
يكفي أن تُطلّي على سير النساء اللواتي شرّفهن الله، لتري كم تتّسع الحياة حين لا نحصرها في مقاييسها الدارجة.
كانت مريم عليها السلام في قصةٍ لا تشبه مألوف النساء؛ لم يكن لها زوج، وحملت من البلاء ما جعلها تواجه قومها وحدها، ثم بقي اسمها في كتاب الله شاهدًا على الطهر والاصطفاء. لم يكن ما غاب عن حياتها بابًا إلى النقص، لأن الله لا يزن عباده بقائمة ما امتلكوه وما حُرموا منه.
وكانت آسية عليها السلام في بيتٍ لا يشبه قلبها؛ تحت سقف فرعون، حيث الطغيان أقرب ما يكون إلى الجدران، ولم يستطع ذلك البيت أن يستولي على روحها. فاختارت جوار الله، وكأن القصة كلها تقول إن المكان الذي يسكنه الجسد ليس بالضرورة هو المكان الذي يسكنه القلب.
ثم تمضي الأيام بنا إلى عائشة رضي الله عنها؛ امرأةٌ لم تُرزق بالأبناء، لكن غياب الأمومة عن حياتها لم يحجب ما امتلأت به من علمٍ وأثر، حتى بقي صوتها في ذاكرة الأمة قرونًا بعد رحيلها. وفاطمة رضي الله عنها عرفت من شظف العيش وبساطته ما لم يجعل ضيق الدنيا ضيقًا في قدرها؛ إذ ليس بين قلة المتاع وعظمة الإنسان نسبٌ لازم.
وتأتي خديجة رضي الله عنها بحياةٍ سبقتها فيها تجربةٌ ومكانة، ثم جاءها من القدر فصلٌ آخر، فصار اسمها من الأسماء التي لا يحتاج ذكرها إلى كثير تعريف.
تختلف الحكايات، وتتباين الظروف، لكن المعنى الذي يتسلل بينها واحد: ليس كل ما غاب عن حياة المرأة نقصًا فيها، وليس كل ما حضر في حياة غيرها فضلًا عليها.
فمن أين جاءت تلك الساعة الخفية التي نصبناها فوق أعمارنا؟ ومن قال إن للزواج موعدًا واحدًا، وللأمومة عمرًا لا تتجاوزه، وللنجاح سنًا إذا انقضت صار الحلم بعدها ضربًا من العبث؟
العمر يمضي، لكنه لا يحكم.
هو عددٌ تتبدل به الأيام، أما القيمة فليست رقمًا، والاكتمال ليس محطةً يصل إليها الناس في السن نفسها.
ولكل إنسانٍ ميقاته؛ لا يتقدم عنه أحد، ولا يتأخر عنه ما كُتب له. وقد يكون بعض الانتظار أعمق من كونه فراغًا بين أمنيتين؛ ففي المسافات التي لا يحدث فيها شيءٌ ظاهر، تحدث في الإنسان أشياء كثيرة: تتبدل نظرته، وتنضج اختياراته، وتخفّ وطأة ما كان يظنه ضرورة، ويتعلم قلبه حمل ما لم يكن مستعدًا لحمله بالأمس.
وربما لهذا لا تأتي بعض الأشياء حين نريدها، لا لأن القدر أخطأ الموعد، بل لأننا نحن الذين لم نكن نعرف بعد أيّ شيءٍ ننتظر.
فلا تقيسي حياتكِ بامرأةٍ ظهرت لكِ في شاشة، ولا بسنةٍ بلغتها غيركِ، ولا ببابٍ فُتح لغيركِ بينما ما زال بابكِ صامتًا.
ما يدريكِ أن الصمت الذي يثقل عليكِ اليوم ليس إلا فصلًا لم تُكتب نهايته بعد؟
وما يدريكِ أن ما تسمّينه تأخرًا ليس إلا موعدًا لم يحن؟
قد لا تكون الحكاية أن العمر مضى منكِ، بل أنكِ كنتِ تنظرين إليه بالعين الخطأ.
فماذا لو كان لكل روحٍ ساعةٌ لا يعرفها إلا الله، وكان أجمل ما في بعض الأقدار أنها لا تأتي إلا حين يحين أوانها؟