لماذا تُوصَف أفريقيا دائماً بأنها «نامية»… لكنها لا تبلغ وجهتها أبداً
Mazin
بقلم: تيتيولوبي أجيبوريوغبون التنمية، اللامساواة، والفقر ثمّة قسوة كامنة في المفردات التي نستخدمها لوصف أفريقيا. فعلى مدى عقود طويلة، لم تفارق القارة صفة «النامية». يظهر هذا الوصف بلا كلل في تقارير الاستثمار، وملخصات التنمية، وإحاطات البنك الدولي، وافتتاحيات تحليلات مراكز الأبحاث. ومع ذلك، ونحن في عام 2026، ما تزال أفريقيا «في طور النشأة». ويكاد السؤال يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى ستبقي افريقيا نامية؟ ومتى ينتهي هذا الطور ليصبح وصولاً فعلياً؟ تبدو الأرقام، للوهلة الأولى، وكأنها تحمل بشائر طال انتظارها. إذ يتوقع بنك التنمية الأفريقي نمواً بنسبة 3.9% في عام 2025، ترتفع إلى 4% في عام 2026، فيما يُرجَّح أن تحقق 21 دولة أفريقية نمواً يتجاوز 5% خلال العام الجاري. ووفق هذه المؤشرات، قد يخيَّل للقارئ أن القارة باتت أخيراً على أعتاب التحول المنشود. لكن هذه الصورة سرعان ما تتشقق عند التمحيص. فالدخل الحقيقي للفرد في عام 2025 سيظل، بحسب التقديرات، أقل بنحو 2% من مستواه في عام 2015. أي أن عقداً كاملاً من «النهضة الموعودة» انتهى ليجد المواطن الأفريقي نفسه أفقر مما كان عليه قبل عشر سنوات. ويعيش قرابة 464 مليون إنسان في القارة تحت خط الفقر المدقع. أما البنك الدولي، فيلخص الأمر بعبارة بيروقراطية مقتضبة مفادها أن النمو «غير كافٍ بعد لتقليص الفقر بشكل ملموس أو تلبية تطلعات الناس». وما تعنيه هذه العبارة عملياً هو أن سردية «الانبثاق» تحولت إلى دورة مغلقة، تنتج المؤتمرات والتقارير والقروض، دون أن تُحدث التحول البنيوي الذي طالما وُعد به.
حين يكون الماضي مفتاح الحاضر لفهم هذا الإحساس الدائم بأن أفريقيا عالقة في لحظة انتقال لا تنتهي، لا بد من العودة إلى الخلف قبل محاولة استشراف المستقبل. فقد رأى الفيلسوف الألماني هيغل أن التاريخ مسار تتحقق فيه الحرية والوعي الذاتي عبر الزمن، غير أنه استثنى أفريقيا من هذا المسار، معتبراً أنها بلا تاريخ ذي شأن. والمفارقة أن الفكر الذي أسّس المفهوم الغربي الحديث للتقدم، بدأ بإنكار وجود أفريقيا داخل هذا المفهوم. ولم يكن هذا الإقصاء نظرياً فحسب، بل تجسّد في بنى اقتصادية وسياسية ملموسة. فعندما تأسست مؤسسات بريتون وودز عام 1944، كانت بريطانيا وفرنسا تهيمنان على أكثر من 60 مستعمرة، وقد شكّلت عائدات هذا الإرث الاستعماري جزءاً مهماً من حصصهما في صندوق النقد الدولي. وكما وثقت مجلة فورين بوليسي، لم تضم الدول المؤسسة سوى أربع دول أفريقية، اثنتان فقط منهما كانتا مستقلتين فعلياً. هكذا تشكّلت قواعد النظام المالي العالمي في غياب الصوت الأفريقي، بينما طُلب من أفريقيا لاحقاً الالتزام الصارم بهذه القواعد. بلغ هذا الاختلال ذروته مع برامج التكيف الهيكلي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فقد اشترطت المؤسسات الدولية، مقابل القروض، خصخصة القطاع العام، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وفتح الأسواق أمام رأس المال الأجنبي. ورغم تحسن بعض المؤشرات الكلية، إلا أن الواقع الاجتماعي شهد تدهوراً حاداً في خدمات الصحة والتعليم، واتساعاً للفجوة الطبقية. لذلك لم يكن من قبيل المبالغة أن يصف منتقدو تلك السياسات بأنها استعمار جديد بأدوات مالية. كان توماس سانكارا، رئيس بوركينا فاسو الراحل، من أكثر من أدركوا هذه المعادلة قسوة. حين قال إن الإمبريالية «قد تأتي في صورة قرض أو معونة أو ابتزاز»، كان يختصر تجربة قارة بأكملها. رفض سانكارا التعامل مع صندوق النقد الدولي دفاعاً عن السيادة الوطنية، وهو موقف أسهم في عزله وربما مهّد لاغتياله عام 1987. وما زالت كلماته تحتفظ براهنيتها حتى اليوم.
الديون… الحلقة التي لا تنكسر تكشف أزمة الديون الحالية أن قواعد اللعبة لم تتغير كثيراً. ففي عام 2024، استهلكت فوائد الديون نحو 27% من الإيرادات الحكومية الأفريقية، مقارنة بـ19% فقط في عام 2019. وتضاعفت خدمة الدين الخارجي خلال عقد واحد، فيما باتت قرابة نصف دول أفريقيا جنوب الصحراء إما غارقة في ضائقة ديون أو مهددة بها. وهي أموال كان يمكن أن توجَّه إلى المدارس والمستشفيات، لكنها تُستنزف في خدمة التزامات غالباً ما صُممت بشروط غير متكافئة. لم يغيّر صعود الصين كمقرض رئيسي جوهر هذه المعادلة، رغم اختلاف الفاعلين. فمنذ عام 2000، ضخت بكين أكثر من 170 مليار دولار في مشاريع أفريقية، كثير منها في البنية التحتية. بعض هذه المشاريع كان مفيداً، فيما تحوّل بعضها الآخر—كسكة الحديد القياسية في كينيا—إلى عبء مالي ثقيل. وتشير تقديرات معهد لوي إلى أن الدول النامية ستسدد للصين نحو 35 مليار دولار في عام 2025 وحده. تبدلت الأسماء، لكن العلاقة بقيت مألوفة.
نزيف العقول واضطراب السياسة بالتوازي مع ذلك، تعاني أفريقيا نزيفاً مستمراً في رأس المال البشري. فحوالي 70 ألف مهني ماهر يغادرون القارة سنوياً. وتعاني أربعون دولة أفريقية نقصاً حاداً في الكوادر الصحية، بينما يغادر مئات الممرضين شهرياً إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي نيجيريا، يقابل طبيب واحد خمسة آلاف مريض. القارة تُدرّب، وغيرُها يحصد. سياسياً، لا يبدو المشهد أكثر استقراراً. فمنذ 2020، شهد الساحل الأفريقي موجة انقلابات عسكرية، فيما بات الإقليم بؤرة للإرهاب العالمي. وتعكس هذه الانقلابات فقدان الثقة في أنظمة ديمقراطية عجزت عن تحسين شروط الحياة. وحين تفشل الديمقراطية في إطعام الناس، يبدأ الناس في البحث عن بدائل، مهما كانت محفوفة بالمخاطر. بين الوعد والواقع وسط هذا السياق القاتم، تبرز منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية كأجرأ محاولة لصياغة مسار مستقل منذ الاستقلال. سوق موحدة تضم 1.4 مليار نسمة، وتَعِد بزيادة التجارة البينية بنسبة 45%. غير أن الفجوة بين الطموح والتنفيذ ما تزال واسعة، والبنية التحتية وقواعد المنشأ غير مكتملة، والحكم النهائي لم يصدر بعد.
هل الوصول ممكن؟ ربما يكون السؤال ذاته مضللاً. فـ«الوصول» يفترض معياراً وضعه آخرون. أما السؤال الأجدر فهو: متى تعرّف أفريقيا التنمية وفق شروطها الخاصة؟ الموارد موجودة، والإمكانات البشرية هائلة، لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية لإعادة تعريف من يملك القرار ومن يجني الثمار. حذّر فرانز فانون من أن نزع الاستعمار عملية طويلة قابلة للانتكاس. وبعد ستة عقود، لا يزال تحذيره يتردد. فحتى تتحرر أفريقيا من قيود التعريف الخارجي للتنمية، ستظل «نامية» إلى أجل غير مسمى. ستتكرر التقارير، وتتجدد الوعود، ويُعاد إنتاج القصة ذاتها. والسؤال الوحيد الباقي: هل سيأتي يوم تُروى فيه قصة مختلفة؟