إيداع 200 كيلو ذهب كضمان لاستيراد الوقود.. محاولات للسيطرة على المضاربات

تقرير – رحاب عبدالله

تباينت ردود الافعال حول قرار بنك السودان المركزي الذي اشترط فيه إيداع (200 كيلو) من الذهب عيار 21 لدى مصفاة السودان للذهب، كضمان لإصدار شهادة عدم ممانعة لأي شركة ترغب في استيراد المشتقات البترولية، ففي الوقت الذي فسره البعض بأنه وسيلة ناجعة لتخفيف الضغط على الدولار ، رأه فريق اخر انه قد يزيد من الطلب على الدولار بطريقة غير مباشر، ويجي ذلك القرار بعد أن أعلن مجلس الوزراء دخول الحكومة رسميا في استيراد المواد البترولية .

الحكمة من القرار
الخبير الاقتصادي بروفيسور إبراهيم أونور تساءل عن الحكمة من هذا القرار، وقال “اولا معظم شركات استيراد النفط هي شركات تصدير الذهب وبالتالي ليس لديهم مشكلة ايداع ضمان الذهب، ولذلك يمكن يشتري الدولار من السوق الاسود لرفع سعر الدولار في السوق الموازي علي اساس تسعير النفط بسعر السوق الموازي الجديد ، وفي المرحلة الاخيرة يقوم بشراء الذهب من المعدنين لاستيراد نفط بعد ايداع 200 كيلو ذهب جديدة. هذا اذا سحب وديعة الذهب الأولى من بنك السودان بعد وصول شحنة النفط وهكذا تدور الساقية”.

سؤال منطقي
من جانبه تساءل نائب محافظ بنك السودان السابق
د.بدرالدين قرشي ما العمل إذا عجزت الشركات فى شراء وتوفير 200 كيلو ذهب؟! واردف “اليس الأجدر لبنك السودان اتباع سياسة التخصيص؟”.

مصدري الذهب
غير ان بروف اونور أوضح ان شركات استيراد البترول ليس لديهم مشكلة ذهب لأنهم هم أنفسهم مصدري الذهب، مبينا انه حتى شركة النفط التي لا تصدر الذهب في السابق بعد هذا القرار ستكون مرغمة على تصدير الذهب.
ورأي انه ليس هنالك حل لمشكلة تدهور الجنيه الا ان يكون بنك السودان مشتري رئيس للذهب بالسعر العالمي وبسعر السوق الموازي من المعدنين في اماكن الانتاج، وانتقد اونور الفهم الخاطئ للذين يعتقدون ان شراء بنك السودان للذهب سياسة تضخمية لانها تتطلب ضخ سيولة نقدية في السوق، مشيرا الى ان هنالك آليات معينة ممكن أن تحيد التداعيات التضخمية.

عقبات شراء الذهب
لكن د.بدر الدين قرشي رأى ان دخول بنك السودان المركزي فى شراء الذهب ومن ثم تصديره تعتريه محددات داخلية وخارجية من النواحي الفنية والخبرة والتسويق، وقال إن الحل يكمن في تجنب حصائل الصادرات كافة بنسبة لا تقل عن 50% ليقوم بنك السودان ببيعها عبر المصارف لمستوردي السلع الاستراتيجية من مواد بترولية وقمح وأدوية ومدخلات انتاج زراعي وصناعي، على ان يفعل الدور الرقابي للحد من التلاعب فى حصائل الصادرات وتجارة العملة.

أموال مكتنزة بالخارج
في وقت أوضح خبير مصرفي أنه عمليا هناك أموال خارج البلاد او مكتنزة لمستوردي المواد البترولية يرغب البنك المركزي في ارجاعها للدورة المالية الرسمية، وعدّه توجه جيد، منه ضمانات لجديتهم ومنها الاستفادة كضمانات للحصول على تمويلات سيادية،ةورأى انه اذا كان هؤلاء المستوردين يحققون فوائد ضخمة من الاستيراد فسيرضخون للقرار لاستمرار مكاسبهم من الاستيراد، وتوقع نجاح القرار في تحقيق أهدافه.

مفارقات
ورأى الخبير المصرفي وليد دليل ان خطاب البنك المركزي يحمل أكثر من مفارقة تستدعي التوقف.
فالمنطق الذي يبدو كامناً وراء القرار هو محاولة تحويل عائدات الذهب، أو على الأقل جزء منها، إلى غطاء يدعم الاحتياطي الرسمي ويضبط حركة النقد الأجنبي المرتبطة بقطاع الطاقة ، لكن المشكلة أن هذا المنطق يصطدم مباشرة بطبيعة قطاع الوقود نفسه، وهو قطاع لا يحتمل التأخير أو التعقيد الإجرائي فالسودان يعيش منذ أشهر أزمة وقود حادة تنعكس على الكهرباء والمواصلات والخبز، وأي اشتراط جديد يبطئ سلسلة إصدار الموافقات سيعني عملياً مزيداً من الانتظار قبل وصول الشحنات، في وقت لا يحتمل فيه السوق مزيداً من التأخير.
مضيفا ان المفارقة الأعمق، وهي أن الشركات العاملة في استيراد المشتقات البترولية شركات تجارية ولوجستية بطبيعتها، لا تملك في الغالب مخزوناً من الذهب يمكنها التصرف فيه بسهولة. وهذا يعني أنها ستجد نفسها مضطرة للبحث عن هذه الكمية في سوق الذهب المحلي، وهو سوق متوتر أصلاً ومرتبط بشبكات تهريب واسعة. والنتيجة المرجحة هي أن الطلب الجديد على الذهب، الناتج عن هذا الاشتراط، قد يغذي السوق الموازي بدل أن يضعفه، عكس ما يفترض أن يكون الهدف من القرار. كما أن قدرة تأمين هذه الكمية ستكون أيسر على كبار المستوردين أو من لديهم علاقات قائمة مع شبكات تعدين أو تهريب، وهو ما يفتح الباب أمام تركز السوق في يد عدد محدود من الفاعلين، على حساب الشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تجد نفسها خارج المنافسة تماماً.
واشار وليد دليل إلى أن القرار لم يوضح آلية استرداد هذا “الضمان العيني”، ولا تسعيره، ولا الجدول الزمني للإفراج عنه. ورأى انه في غياب أي حافز سعري أو إعفاء يجعل تقديم هذا الضمان مجدياً اقتصادياً، فإن الشركات ستحاول إيجاد طرق للالتفاف على الشرط، أو ستحمّل تكلفته في النهاية على المستهلك النهائي عبر رفع أسعار الوقود. واعتبر هذا تكرار لنمط مكرر في تعاميم البنك المركزي السابقة بشأن الذهب والصادرات والواردات، حيث تغيب آلية التسعير العادل التي تجعل القرار قابلاً للتطبيق على أرض الواقع، لا مجرد إجراء إداري يضاف إلى طبقات البيروقراطية القائمة.
وحتى على المستوى الإجرائي، فإن الربط الإلكتروني المقترح بين وزارة الطاقة ومصفاة الذهب، والتنسيق اليومي بينهما، يبدو مطلباً معقولاً من حيث المبدأ، لكنه في بيئة تتسم بضعف الاتصالات والكهرباء وتشتت المؤسسات، قد يتحول إلى عنق زجاجة إضافي يطول من زمن إصدار الموافقات بدل أن يسرّعه. وإكد دليل أن القرار يبدو استمراراً لنهج معالجة الأزمات بإجراءات إدارية فوقية، بدل التعامل مع الأسباب البنيوية الحقيقية المتمثلة في تهريب الذهب، وتعدد أسعار الصرف، وضعف القطاع المصرفي، وراى انه ما لم يصحب القرار بآلية تسعير واضحة وجدول زمني محدد للإفراج عن الضمان، فإن أثره الأقرب سيكون مزيداً من التأخير في وصول شحنات الوقود، وضغطاً إضافياً على سوق الذهب الموازي، وتركزاً أكبر للسوق في يد كبار المستوردين.
الى ذلك توقع اونور الغاء القرار واستبداله بقرار اخر في غضون شهر كما هو معتاد في ظل هذه الحكومة واردف”لماذا لا يكون هنالك مستشارين لمحافظي البنك المركزي”.
فيما رأى د.بدرالدين الا يتدخل بنك السودان بالقرارات الإدارية بل برسم وتنفيذ السياسات وأحكام الرقابة على موارد واستخدامات النقد الأجنبي.

Exit mobile version