لماذا رحّب السودانيون بعودة المستثمرين… وانقسموا حول عودة أسامة داوود؟

سؤال اليوم |

القاهرة – سماح طه

على مدى الأشهر الماضية، لم يكن هناك خلاف يُذكر حول ضرورة عودة رجال الأعمال والمستثمرين السودانيين إلى بلادهم، بل توالت الدعوات الرسمية والشعبية لإعادة رؤوس الأموال الوطنية للمساهمة في إعادة الإعمار، وإعادة تشغيل المصانع، وخلق فرص العمل، وإنعاش الاقتصاد الذي أنهكته الحرب.

وكانت عودة المستثمرين تُقابل بترحيب واسع، باعتبارها خطوة ضرورية لاستعادة الإنتاج وتحريك عجلة الاقتصاد.

لكن هذا الإجماع تبدد بمجرد أن استقبل رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس رجل الأعمال أسامة داوود.

فلم تحظ عودة أسامة داوود بالترحيب ذاته الذي حظيت به الدعوات العامة لعودة المستثمرين، بل أشعلت موجة واسعة من الجدل، وانقسمت الآراء بين من رأى أن السودان يحتاج اليوم إلى كل مستثمر قادر على الإسهام في إعادة البناء، وبين من اعتبر أن عودة الرجل تثير أسئلة تتعلق بتجربته السابقة، ومواقفه خلال الحرب، والعلاقة التي ربطت شركاته بالدولة في مراحل مختلفة.

وبين هذين الاتجاهين، يبرز سؤال اليوم:

لماذا رحب السودانيون بعودة المستثمرين، بينما انقسموا حول عودة أسامة داوود؟ وهل يتعلق الأمر بشخص الرجل، أم بالإرث الاقتصادي والسياسي الذي يحيط بتجربته؟

ورصدت (الأحداث) أبرز الآراء التي تناولت القضية.

ترتيب الأولويات:

يرى الصحفي عبد الماجد عبد الحميد أن القضية لا تتعلق برفض عودة أسامة داوود، وإنما بترتيب أولويات الدولة.

ويشير إلى أن أكثر من 350 مصنعاً بالمنطقة الصناعية في بحري ما تزال متوقفة عن الإنتاج بسبب أزمة الكهرباء، رغم أن أصحابها عادوا عقب استعادة المنطقة، وأعادوا تأهيل مصانعهم بعد ما تعرضت له من نهب وتخريب خلال الحرب.

ويقول إن هذه المصانع تمثل ركناً أساسياً في الاقتصاد السوداني، وإن عدداً من أصحابها دعموا القوات المسلحة خلال الحرب، وكانوا من أوائل العائدين إلى مواقع الإنتاج، لكنهم ما زالوا ينتظرون حلولاً لمشكلة الكهرباء.

ويتساءل عبد الماجد عن أسباب معالجة إمدادات الكهرباء لبعض الشركات الكبرى، بينما تظل مئات المصانع الأخرى خارج الخدمة، معتبراً أن نجاح إعادة الإعمار يبدأ بإنصاف جميع المنتجين، لا بمعالجة أوضاع شركات بعينها.

لا تحاكموا الناس بالشبهات

وفي الاتجاه المقابل، يدعو الصحفي ضياء الدين بلال إلى التعامل مع القضية بعيداً عن الاتهامات غير المثبتة.

ويؤكد أن أسامة داوود لم تثبت بحقه، حتى الآن، أي مسؤولية قانونية تتعلق بدعم المليشيا، وأن من يمتلك أدلة على خلاف ذلك ينبغي أن يقدمها للجهات المختصة، حتى يكون الحكم قائماً على الوقائع لا على الانطباعات.

ويرى أن إقصاء الأشخاص استناداً إلى الشبهات أو طبيعة العلاقات لا يخدم المصلحة الوطنية، وأن السودان في حاجة إلى استيعاب كل من لم تثبت مسؤوليته عن أي عمل يضر بالبلاد.

بين النقد والدفاع:

أما الصحفي الهندي عز الدين، فيقدم رؤية مختلفة، إذ يقر بأن أسامة داوود كان من أكبر المستفيدين من الامتيازات التي وفرها نظام الإنقاذ، مشيراً إلى أنه سبق أن خاض حملات صحفية انتقد فيها ما وصفه بالامتيازات الحكومية التي حصلت عليها شركاته، خاصة في ملفات القمح المدعوم والعقود الحكومية.

وفي المقابل، يؤكد الهندي أن المعلومات التي لديه تشير إلى أن أسامة داوود لا تربطه علاقة بقوات الدعم السريع، بل كانت بينه وبين قيادتها خلافات، نافياً ما يتردد عن وجود صلات بين الجانبين.

ويرى أن الجدل الذي رافق لقاء رئيس الوزراء مع أسامة داوود كان يمكن تجنبه لو تم بعيداً عن التغطية الإعلامية، لكنه دعا في الوقت نفسه رجل الأعمال إلى استثمار علاقاته الإقليمية للمساهمة في دعم استقرار السودان ووقف الحرب.

دعوات للحذر

ويتبنى الكاتب الصحفي عزمي عبد الرازق موقفاً أكثر تحفظاً، إذ يرى أن عودة أسامة داوود تستوجب مراجعة دقيقة في ظل ما يثار حول تجربته الاقتصادية وعلاقته بالسلطة في فترات سابقة.

ويشير إلى أن الرجل كان من أبرز المستفيدين من سياسات النظام السابق، ويطالب بألا تقترن عودته بأي امتيازات استثنائية أو احتكارية، وأن تكون المنافسة متاحة أمام جميع المستثمرين على قدم المساواة.

كما يدعو إلى توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، باعتبارها الأكثر قدرة على دعم الاقتصاد وخلق فرص العمل.

رفض قاطع:

وامتد الجدل إلى خارج الدوائر الاقتصادية والإعلامية، حيث أعلن لاعب كرة القدم السابق هيثم مصطفى رفضه استقبال أسامة داوود، معتبراً أن توقيت اللقاء لا يتناسب مع حجم التضحيات التي قدمتها القوات المسلحة والقوات المساندة خلال الحرب.

ووجّه هيثم مصطفى عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي انتقادات حادة لأسامة داوود ولطريقة استقباله، وطرح اتهامات بحقه، وهي اتهامات تعبر عن موقفه الشخصي ولم تصدر بشأنها أحكام قضائية تثبتها.

بين الحاجة إلى الاستثمار ومطالب العدالة.

ويكشف الجدل الذي أثارته عودة أسامة داوود أن السودانيين لا يختلفون حول أهمية عودة الاستثمار الوطني، لكنهم يختلفون حول الكيفية والمعايير.

فبينما يرى فريق أن السودان لا يستطيع النهوض دون عودة كبار المستثمرين ورؤوس الأموال الوطنية، يطالب فريق آخر بأن تكون العودة في إطار بيئة جديدة تقوم على الشفافية، وتكافؤ الفرص، وعدم تكرار الامتيازات التي أثارت الجدل في الماضي.

وفي نهاية المطاف، تبدو القضية أكبر من مجرد عودة رجل أعمال، فهي تعكس نقاشاً واسعاً حول شكل الاقتصاد الذي يريده السودانيون في مرحلة ما بعد الحرب، وحول العلاقة بين الدولة ورأس المال، وكيفية تحقيق التوازن بين جذب الاستثمار، وضمان العدالة والمنافسة المتكافئة.

ويبقى السؤال مفتوحاً:

هل تمثل عودة أسامة داوود بداية لعودة رؤوس الأموال السودانية، أم أن نجاح هذه المرحلة سيظل مرهوناً ببناء بيئة استثمارية عادلة، تطبق القانون على الجميع، وتمنح الفرص لجميع المستثمرين دون استثناء؟

Exit mobile version