تخيّل عزيزي القارئ ان مزارعاً يملك أرضاً خصبة ومياهًا تكفي للزراعة لكنه يقضي سنواته في إعداد جداول المحاصيل دون أن يحصد ما يسد حاجته، تلك صورة تختصر جانباً من المفارقة السودانية: بلد غني بالموارد البشرية و الطبيعية تعاقبت عليه الخطط الاقتصادية لكن ثمار التنمية ظلت أقل من سقف طموحات مواطنيه، فمنذ الاستقلال في العام 1956م لماذا تكررت الخطط ولم تتكرر النجاحات بالقدر نفسه؟ ابتداءً من الخطة العشرية إلى برامج الإصلاح، حين بدأ السودان مبكراً الاهتمام بالتخطيط للتنمية فأطلق الخطة العشرية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من العام (1961م–1970م) مستهدفاً توسيع الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة لكن الخطة لم تستمر وفق أهدافها الأصلية، وتراجعت مكانتها مع تغير الظروف السياسية والاقتصادية. ثم جاءت الخطة الخمسية الأولى من العام (1970م–1974م) والخطة السداسية من العام (1977م–1982م)، وتوالت بعدها برامج اقتصادية متعددة خلال الثمانينيات والتسعينيات، اتجه بعضها إلى معالجة أزمات الاقتصاد واتجه بعضها الآخر إلى تغيير طريقة إدارة الدولة للنشاط الاقتصادي. وفي العقود التالية برزت سياسة التحرير الاقتصادي والخصخصة، ثم ظهرت خطط وبرامج أخرى من بينها الخطة الخماسية من العام (2012م–2016م) لكن انفصال جنوب السودان في العام 2011م وما ترتب عليه من فقدان معظم عائدات النفط وضع الاقتصاد السوداني أمام تحديات كبيرة وجسيمة في تمويل الموازنة وتوفير النقد الأجنبي، ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م ازدادت الصورة تعقيداً؛ إذ تضررت المنشآت والأسواق وتعطل الإنتاج في مناطق واسعة، ونزح الملايين من المواطنين وأصبح استرداد النشاط الاقتصادي وإعادة بناء ما دمرته الحرب من أبرز الأولويات للحكومة الحالية. من هذا المنطلق لا يعني أن جميع الخطط التي وضعت قد فشلت بالكامل، فقد تحققت إنجازات في بعض الفترات والقطاعات لكنها اي الانجازات تثير سؤالاً جوهرياً: لماذا لم تتحول تلك الجهود إلى تنمية مستقرة تحمي الاقتصاد من الأزمات المتكررة؟ وأين تتعثر الخطط الاقتصادية؟ *أولا:* تغير الحكومات وتبدل الأولويات. تبدأ حكومة برنامجاً ثم تأتي أخرى فتغير اتجاهه قبل معرفة ما تحقق منه، وبدلاً من البناء على التجارب السابقة يبدأ التخطيط أحيانا من نقطة الصفر فتضيع الأموال والسنوات والخبرات. *ثانياً:* الطموحات أكبر من الإمكانات. تضع بعض الخطط أهدافاً واسعة دون تحديد مصادر التمويل أو تقدير تكاليف المشروعات بدقة وعندما تقل الإيرادات تتعثر المشروعات بينما تستمر الالتزامات الحكومية والضغوط المعيشية.
*ثالثاً:* ضعف المتابعة والمحاسبة. ليست المشكلة في كتابة الأهداف بل في معرفة من المسؤول عن تنفيذها، ومتى ينجزها، وكيف تُقاس النتائج، فإذا تأخر مشروع أو أُهدرت أمواله دون مساءلة واضحة فإن الخطة تفقد قيمتها العملية. *رابعاً:* ضعف الاهتمام بالإنتاج. نحن يمتلك أراضي زراعية وثروة حيوانية ومعادن وفرصاً صناعية كبيرة ومع ذلك لم تتحول هذه الإمكانات إلى إنتاج متنوع ومستقر بالقدر المطلوب، فالمزارع يحتاج إلى التمويل والكهرباء والطرق ومنافذ التسويق، والمنتج يحتاج إلى بيئة تساعده على المنافسة والتصدير. *خامساً:* الصدمات السياسية والحروب الاهلية. لا يمكن تجاهل أثر عدم الاستقرار والصراعات في تعطيل الاستثمار وتدمير المنشآت وتقليص الموارد المتاحة للتنمية، لكن خطورة هذه الصدمات تزداد عندما لا يمتلك الاقتصاد مؤسسات قوية وخططاً مرنة تساعده على الصمود و التعافي السريع. *سادساً:* ضعف التنمية المتوازنة. عندما تتركز الخدمات والطرق والاستثمارات في مناطق محدودة تُحرم مناطق أخرى من فرص الإنتاج والعمل، والتنمية المتوازنة ليست مطلباً اجتماعياً فحسب بل وسيلة لتوسيع السوق والاستفادة من مواردنا كافة. ماذا نحتاج الآن؟ نحتاج الان إلى خطة وطنية تتجاوز عمر الحكومات وتبدأ بتحديد الأولويات وفق الموارد المتاحة، مع تقديم الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والتعدين المسؤول عن البيئة، وتطوير الصادرات، وتوفير فرص العمل. كما ينبغي نشر تقارير دورية توضح ما خُطط له، وما نُفذ، وما تعثر، وأسباب التعثر، ومن يتحمل المسؤولية. فالمواطن لا يريد وثائق جميلة بقدر ما يريد كهرباء مستقرة، ومياه متاحة، وفرص عمل، وأسعاراً يمكنه تحملها. وفي الختام يبقي السؤال الأهم: أين تذهب الخطط عندما تنتهي المؤتمرات والورش؟ إن السودان لا يحتاج إلى إعلان خطة جديدة في كل مرحلة بقدر حاجته إلى تنفيذ ما يُعتمد منها، ومراجعة الأخطاء بشجاعة، وحماية المشروعات من التقلبات السياسية والإدارية، فهل نملك الإرادة لتحويل التخطيط من أوراق محفوظة إلى إنتاج ملموس يراه المواطن في حياته اليومية؟ أم سنظل نغيّر أسماء الخطط وأهدافها المعلنة بينما تتكرر أسباب التعثر، وتدفع الأجيال الجديدة ثمن الفرص الضائعة؟