المراجع العام… يا غائبًا عن العين

فيما أرى
عادل الباز

1
يبدو أن المراجع العام يراهن على سياسة دفن الرؤوس في الرمال، ظنًا منه أنها قد تجدي نفعًا. كان الناس يقولون إن النعامة تدفن رأسها في التراب لأنها جبانة وغبية، قبل أن يتضح أنها تفعل ذلك بحثًا عن الطعام وتقليبًا لبيضها، لا خوفًا ولا جبنًا. وهكذا ظلم الإنسان النعامة حين نسب إليها سلوكًا يمارسه هو أكثر منها.
وها هو المراجع العام يدفن رأسه بين جبال التقارير التي لم ينشرها منذ عام 2019، محاولًا تبرئة نفسه بالقول إنه غير مسؤول عن نشرها، وإنه سلّمها إلى الجهات المختصة. وبحسب هذا التبرير، فإن تلك الجهات هي التي تتولى إخفاء التقارير وحجبها عن الرأي العام.
لقد ذكرنا أكثر من مرة أن المادة 48 من قانون المراجع العام تتيح له نشر تقاريره، لكنه، مع ذلك، يعجز عن تطبيق القانون الذي يستند إليه. كما طالبنا الجهات العليا التي تحتفظ بهذه التقارير بأن تبادر إلى نشرها، وطالبنا الحكومة بالضغط في الاتجاه نفسه، حتى تبرئ ذمتها، إن كانت لها ذمة في هذه القضية.
إن حجب تقارير المراجع العام لا يمثل مخالفة إدارية عابرة، بل تترتب عليه نتائج بالغة الخطورة. فأولًا، يؤدي حجب التقارير إلى التستر على شبكات الفساد، ويمنح المتورطين فرصة للإفلات من جرائم موثقة في تقارير رسمية.
وثانيًا، يسمح هذا الصمت لمئات الشركات الحكومية بمواصلة استنزاف المال العام. فهناك شركات لا تنتج ولا تقدم خدمة حقيقية، لكنها تنفق مليارات الجنيهات شهريًا على مقارها ومزاياها وعرباتها وموظفيها، فضلًا عن أوجه النهب الأخرى التي تكشفها التقارير.
أما الخطر الثالث، فيتعلق بتآكل قيمة الأموال المنهوبة. فقد جرى نهب جانب كبير من المال العام بالجنيه السوداني، ثم تحويله إلى عملات أجنبية، ومع مرور السنوات وتفاقم التضخم، تتراجع القيمة الحقيقية لهذه الأموال. وعندئذ يستطيع بعض النهابين إعادتها إلى الخزينة العامة في صورة مبالغ فقدت معظم قيمتها، كما حدث مع الذين نهبوا مليارات من أموال البنوك ثم أعادوها بعد الحرب ملاليم، بل إن بعضهم لا يزال يرفض إعادتها حتى بهذه القيمة المتدنية.
لذلك، فإن نشر التقارير بصورة عاجلة لا يحقق الشفافية فحسب، بل يمكّن الدولة أيضًا من استرداد أموالها بقيمتها الحقيقية، قبل أن يلتهمها التضخم وتضيع آثار الجريمة.
السيد المراجع العام، والسادة المسؤولون عن هذه التقارير، إنكم تتحملون مسؤولية جسيمة جراء عدم نشرها. فأنتم تخالفون القسم الذي أديتموه، وهو قسم عظيم، وتخذلون وطنًا تركتم الفساد يستشري في جسده من دون أن تبادروا إلى كشفه واستئصاله. كما تخذلون الشعب الذي ائتمنكم على أمواله، وحمّلكم أمانة صونها *حملتك امانتى وانت خنت الأمانة* .
2
*وزير النفط… لماذا لا ترحل الآن؟*
أتمنى أن أقرأ تصريحًا واحدًا للسيد وزير النفط يتضمن معلومة مهمة أو قرارًا واضحًا، لكن التصريحات لا تزال تدور حول النوايا واللقاءات العامة.
فقد سافر الوزير إلى السعودية، والتقى مساعد وزير النفط السعودي، ولا نعرف لماذا لم يلتقِ الوزير السعودي، خصوصًا بعد الإعلان عن شراكة استراتيجية بين السودان والسعودية. وأهم ملف ينتظر الشعب السوداني نتائج ملموسة بشأنه هو ملف النفط، وكان من المنتظر أن يحسم الوزير قضية الاتفاق مع شركة أرامكو.
لكن ماذا تحقق حتى الآن، سوى تبادل النوايا؟ البلد تغرق في أزمتها الاقتصادية، والوزير يتحدث عن الرغبة في التعاون. أما المطلوب فهو اتفاق واضح مع أرامكو يعالج إشكال سعر الصرف وتدهور قيمة الجنيه السوداني، ففاتورة الوقود تمثل أحد أكبر أسباب العجز في الميزان التجاري. ومع ذلك، لم يقل الوزير شيئًا واضحًا عن طبيعة العلاقة مع أرامكو أو مستقبل الاتفاق معها.
وعندما عاد الوزير، وجد أن قانون المؤسسة العامة للنفط قد صدر، وأن الرئيس البرهان ألحق ملف النفط بالمؤسسة وأشرف عليه مباشرة. وبذلك لم يعد أمام الوزير، على ما يبدو، سوى أداء دور وزير العلاقات العامة للقطاع النفطي. ولعل الرئيس قد أحسن حين وضع الملف في إطار جديد، فقد باءت معظم التجارب التي خاضتها الوزارة لإصلاح قطاع النفط بالفشل.
لا يبدو أن هناك أملًا في إصلاح حقيقي للقطاع ما دام النهج نفسه مستمرًا. والوزير رجل محترم، وليس في حاجة إلى راتب الوزارة أو إلى التشبث بمنصبها؛ ولذلك فإن الأفضل له أن يغادرها طوعًا، بدلًا من انتظار سقوط الحائط الآيل إلى السقوط لا محالة.
3
*الإسلاميون وتحركات لجنة تهيئة الحوار*
أتابع باهتمام تحركات لجنة تهيئة الحوار، رغم شعوري بأن الزخم الذي بدأت به أخذ في التراجع. كما يبدو لي أن اللجنة تبذل جزءًا كبيرًا من جهدها مع جهات تؤيد الحوار أصلًا، ولا تحتاج إلى أكثر من دعوة للمشاركة، لا إلى حملات إقناع طويلة.
ومن ثم، أقترح أن توجه اللجنة اهتمامها إلى القطاعات التي ترفض الحوار أو لم تنخرط، حتى الآن، في الصراعات السياسية. ويشمل ذلك الكيانات الاجتماعية والفئات المهنية والمجتمعية وغيرها من الأطراف التي يمكن أن تضيف إلى الحوار شرعية أوسع، وتخرجه من نطاق القوى السياسية التقليدية.
ولا أعرف ما إذا كان الاستماع إلى الإسلاميين مدرجًا بوضوح في أجندة لجنة التهيئة، لكنني أرى أن ذلك أمر لا غنى عنه عند الحديث عن حوار سوداني ـ سوداني. فالإسلاميون قوة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، ليس فقط بسبب إسهامهم في حرب الكرامة، وهو إسهام لا يمكن مقارنته بإسهام كثير من القوى الأخرى، بل أيضًا بسبب وزنهم المجتمعي والسياسي الذي يؤهلهم للمشاركة في طاولة الحوار بجدارة.
وفوق ذلك، توجه إلى الإسلاميين اتهامات متكررة، في الداخل والخارج، بأنهم يعرقلون الحوار مع الأطراف الخارجية، ولا سيما مع تحالف «صمود»، وأنهم يحرضون الجيش على عدم الانخراط في المفاوضات. وسواء صحت هذه الاتهامات أم لم تصح، فإن تجاهل الطرف المتهم وعدم الاستماع إلى رؤيته لا يساعد على فهم موقفه، ولا يهيئ لحوار جاد.
إن محاولة عزل الإسلاميين أو تجاوزهم في لجنة تهيئة الحوار، سواء خوفًا من ردود فعل الخارج أو استهانة بإسهاماتهم في الحرب وبقوتهم المجتمعية، ستجعل الحوار السوداني ـ السوداني ناقصًا منذ بدايته. كما قد تحوله إلى حوار يستجيب لأجندة الخارج ويخضع لحساباته، ولا سيما حسابات الرباعية.
وبذلك تكون اللجنة قد ارتكبت خطأً قاتلًا، وحكمت على الحوار بالفشل قبل أن يبدأ. فالحوار الجاد لا يكتمل بإقصاء أي قوة سياسية أو اجتماعية مؤثرة، بل يتطلب الاستماع إلى الجميع وفق معيار واحد، بعيدًا عن ضغوط الخارج وحساباته، وبما يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.

↑
Exit mobile version