بقلم: أتيم قرنق
استوضحني بعض معارفي من جمهورية السودان بشأن مستقبل اللغة العربية في دولة جنوب السودان، على إثر ما تداولته العديد من وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية حول اللغة العربية ووضعها الرسمي، ولا سيما عقب التوجيهات الإدارية التي أصدرها رئيس القضاء، والقاضية بضرورة تدوين مجريات العمل القضائي باللغة الإنجليزية فقط.
وتأتي تلك التوجيهات بعد خمسة عشر عامًا من استقلال البلاد، وخلال هذه المدة، سمحت إدارة القضاء باستمرار استخدام اللغة العربية في المحاكم لأغراض التوثيق والتقاضي، مع العلم أن الدستور ينص على اعتماد اللغة الإنجليزية لغةً رسميةً للدولة.
والنقطة الجوهرية في الموضوع أعلاه هي أن أعدادًا مقدرة من القضاة وغيرهم من الشباب العاملين في مهن أخرى لا يجيدون اللغة الرسمية لبلادهم، في حين أن الدولة بحاجة إلى خدماتهم. ويبدو أن الدولة نفسها، في فترة ما بعد الاستقلال، لم تبذل الجهد المطلوب لتأهيل هؤلاء القضاة الشباب وغيرهم، وتمكينهم من اكتساب القدرات اللغوية التي تؤهلهم لأداء مهامهم على الوجه المطلوب.
وتجدر الإشارة إلى أن معظم هؤلاء القضاة وغيرهم من الشباب أكملوا جميع مراحل تعليمهم باللغة العربية، التي فرضتها الحكومات السودانية على جميع الدارسين في المدارس الحكومية عقب خروج البريطانيين من البلاد عام 1956.
وتأسيسًا على ما تقدم، فمن واجب الدولة تخصيص برنامج تأهيلي للقضاة وغيرهم من الشباب العاملين في مختلف الوحدات الحكومية، لتمكينهم من اكتساب المهارات الأساسية اللازمة لإتقان اللغة الرسمية للبلاد، حتى يتمكنوا من أداء رسالتهم الوطنية والاضطلاع بمهامهم الحكومية بصورة مرضية، بما يتماشى مع متطلبات الدستور.
وقبل أن نتحدث عن وضع اللغة العربية ومستقبلها في جنوب السودان، يجب أن ننبه أولًا إلى وجود لغتين أجنبيتين، من موروثات الاستعمار، يتواصل بهما قطاع كبير من سكان البلاد.
اللغة الأولى هي العربية، ولا سيما العربية الدارجة المعروفة محليًا باسم «عربي جوبا»، التي يتواصل بها الناس في مختلف أنحاء البلاد؛ فهم يتقاضون أمام المحاكم، ويستشيرون الأطباء في المستشفيات، ويتعاملون في المحافل التجارية، ويتحدثون في التجمعات الشعبية، ويتواصلون في مراكز تدريب القوات النظامية، ويتحاورون في الأندية السياسية بهذه اللغة العربية الدارجة. وبذلك، تُعدّ اللغة الأجنبية الأوسع انتشارًا والأقدم حضورًا في جنوب السودان.
أما اللغة الثانية فهي الإنجليزية، وهي لغة النخبة المتعلمة، وتُستخدم في المدن ومؤسسات الحكومة. وهي لغة حديثة نسبيًا، ارتبط انتشارها بالتعليم والسياسة والثقافة.
وقد بسط الناطقون بكلتا اللغتين نفوذهم، في فترات تاريخية مختلفة، بقوة السلاح على سكان جنوب السودان وأرضهم ومواردهم، على امتداد ما يقارب مائتي عام (1821–2011). ومن الطبيعي أن يتعلم المقهور لغة قاهره؛ وكما يُقال: «من تعلّم لغة قومٍ اتّقى شرّهم».
إن دراسة اللغة العربية وكيفية انتشارها في دولة جنوب السودان تقتضي النظر في المراحل التاريخية لدخولها، والغوص في الذاكرة الشعبية، وبيان الوسائط التي أسهمت في انتشارها بين المجتمعات المحلية.
ويبدأ البعد التاريخي للاحتكاكات الاجتماعية بين المجتمعات المحلية والمسلمين من فترة الدويلات الإسلامية، التي تمثلت في ممالك سنار والفور والمسبعات وغيرها، رغم محدودية تلك العلاقات وبدائيتها. ثم امتد هذا التاريخ إلى فترة الاحتلال التركي المصري، مرورًا بالدولة المهدية، وصولًا إلى الحكم الثنائي وتأسيس «الدولة السودانية العربية الحديثة».
إن دراسة تلك العلاقات، وما صاحبها من أحداث، وما خلّفته من انطباعات، وما ترسّب في الذاكرة الجمعية لمجتمعات جنوب السودان، تمثل جوانب مهمة ينبغي فهمها عند البحث في ماضي اللغة العربية واستمرارها ومستقبلها في جنوب السودان.
في الفترة التي سبقت دخول الاحتلال التركي المصري إلى السودان عام 1821، كانت العلاقات السائدة بين الدويلات الإسلامية والمجتمعات المجاورة لها، مثل الدينكا والشلك ومجموعات الفرتيت، تتسم، رغم بدائيتها، بنوع من التوازن والتكافؤ من حيث القدرات العسكرية التقليدية. كما اتسم التبادل التجاري بطابع بدائي متوتر، واعتمد إلى حد كبير على المقايضة.
غير أن ذلك التوازن العسكري والتجاري البدائي تبدّل واختل مع دخول الغزاة المصريين، نتيجة إدخال عنصرين جديدين في طبيعة العلاقات القائمة، هما الأسلحة النارية والتكتيكات العسكرية المتطورة.
وقد أدى هذا التحول النوعي إلى وضع تلك المجتمعات غير المسلمة في موقف عسكري مختل، وأصبحت هي نفسها أهدافًا للغارات التجارية التي استهدفت أفرادها، حيث كان يُقبض عليهم ويُباعون في أسواق النخاسة عبيدًا.
ولضمان الحصول على العبيد، كان لا بد من تنظيم حملات عسكرية مستمرة تداهم القرى، وتقتل السكان وتأسرهم. وكانت اللغة العربية لغة التواصل في تلك الحملات العسكرية، وكذلك في المعاملات الحكومية وإدارة أنشطة تجارة الرقيق.
واستمرت هذه الأوضاع المأساوية والمتوترة منذ عام 1821 وحتى هزيمة الدولة المهدية عام 1898.
وكما أشرنا أعلاه، كانت الحكومة المصرية، التي عُرفت في تلك الفترة بالحكومة التركية المصرية، تدير شؤون المستعمرة باللغة العربية، رغم أنها لم تتمكن، حتى عام 1863، من بسط نفوذها على جميع مناطق جنوب السودان.
ولم يتحقق لها ذلك إلا بعد تعاقد الحكومة المصرية مع المغامر الإنجليزي صامويل بيكر عام 1863، الذي خلفه لاحقًا غردون باشا. وعندها تمكنت الحكومة من بسط سيطرتها على مناطق الجنوب، تحت ذريعة محاربة تجارة الرقيق، وهي تجارة لم تنجح السلطات في القضاء عليها.
وقبل تلك السيطرة الحكومية الشكلية، كانت المنطقة خاضعة عمليًا، وبصورة شبه مطلقة، لغارات ونهب شركات تجارة الرقيق خلال الفترة من 1821 إلى 1863. واستمر نشاط هذه التجارة دون عوائق تُذكر في ظل الحكم المصري، ثم خلال فترة الدولة المهدية، حتى عام 1898.
ومن الجدير بالتنويه هنا أنه بعد اقتناص الأحرار من قراهم والقبض عليهم، كان يُرحَّل بعضهم إلى شمال السودان، أو يُصدَّرون إلى مصر ليُباعوا عبيدًا. وكان بعضهم الآخر يُدرَّب محليًا ويُدمج في صفوف جيش الحكومة، وعُرف هؤلاء تاريخيًا باسم «الباشبزق».
أما العبيد الذين كان يجري تدريبهم وإلحاقهم بجيوش أصحاب شركات تجارة الرقيق، فقد عُرفوا باسم «البازنقر». وعندما قامت الدولة المهدية، جُمعت مجموعات كبيرة من العبيد الجدد، إلى جانب بقايا الباشبزق والبازنقر، في جيش واحد عُرف باسم «الجهادية».
وكان هؤلاء يتعلمون اللغة العربية للتواصل مع مالكيهم وفيما بينهم.
وحتى تلك المرحلة، لم تكن اللغة الإنجليزية معروفة على نطاق واسع؛ إذ لم تكن مستخدمة في معاملات الحكم التركي المصري، ولا في إدارة تجارة الرقيق أو شؤون الدولة المهدية.
ومن هنا، ترسّخ في المخيلة الشعبية لدى قطاعات من مجتمعات جنوب السودان ارتباط اللغة العربية بالعنف والقهر وتجارة الرقيق، حتى غدت، في تلك الذاكرة، لغةً ارتبطت بعملاء تجارة الرقيق ومُلّاك شركاتها.
وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن اللغة العربية خلال فترة الحكم التركي المصري والدولة المهدية (1821–1898) كانت لغة تواصل بين القاهر والمقهور، وبين المسيطر والمغلوب. وكانت، في معظم سياقاتها آنذاك، لغة شفاهية دارجة، ولم يكن انتشارها في جنوب السودان واسعًا كما هو الحال اليوم.
ويُعزى ذلك، وفقًا لهذا الطرح، إلى محدودية التمازج الاجتماعي السلمي بين السكان الأصليين والغزاة، سواء أكانوا من العاملين مع الحكومة أم من المرتبطين بشركات تجارة الرقيق.
وعلى الرغم من محدودية انتشار اللغة العربية آنذاك، وما يحيط ببعض جوانب هذا الانتشار من غموض، فإنه يمكن اعتبار تلك الفترة المرحلة الأولى في تاريخ انتشار اللغة العربية في جنوب السودان.
يتبع…