رأي

العلاقات الروسية الأفريقية

د إيناس محمد أحمد

روسيا الاتحادية حديثاً، أو الاتحاد السوفيتي (سابقا )، هي إحدى القوى العظمى في عالم قطبي ، لها دور أساسي في تأسيس منظمة الأمم المتحدة، ولها مقعد دائم في مجلس الأمن ورثته بعد تفكك الاتحاد السوفيتي مع حق الفيتو وهو ما يمنحها القدرة على رفض أي قرار يتعارض مع مصالحها أو مصالح حلفائها ، ولها ثقلها الدولي الذي حافظ علي السلم والأمن الدوليين في الكثير من المواقف أهمها مواجهة ازدواجية المعايير التي تنتهجها الدول الغربية تجاة القضايا الأفريقية والعربية.

علي صعيد القانون الدولي هناك العديد من فقهاء القانون الدولي الروس الذين برعوا في وضع نظريات القانون الدولي الحديث ، أبرزهم غريغوري تونكين (G.I . Tunkin) الذي أسهم في وضع نظرية سوفيتية متفردة حول مصادر القانون الدولي تقوم علي أن القانون الدولي هو نتاج توافق بين الدول ذات السيادة وليس نتاجاً لقيم غير وطنية أو غربية خالصة.

كما يؤكد الفقة الروسي على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واعتباره ركيزة لاستقرار النظام الدولي ويقف بذلك في مواجهة نظريات غربية مثل التدخل لصالح حقوق الإنسان أو مسؤولية الحماية الدولية ، و يميل الفقة الروسي في القانون الدولي إلى تقييد ولاية المحاكم الدولية برضا الدولة الصريح للاخذ أو اللجوء إليه ،حتى لا يستخدم القضاء الدولي ك كرت ضغط سياسي أو قانوني من القوي الدولية.

يتبنى الفكر الروسي رؤية نقدية معارضة للهيمنة الغربية على تفسير وتطبيق قواعد القانون الدولي مثل الاختلاف حول استخدام القوة والدفاع الشرعي وأن المعاهدات الدولية يجب أن تكون قائمة على الرضا الحر والمساواة الفعلية بين الدول والتأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها ؛ وقد جاءت كل هذا المبادئ والقيم متوافقة مع الحالة الدولية التي كانت تعيشها الدول الأفريقية التي خرجت للتو من ظلام الاستعمار إلى نور الحرية والاستقلال، مما مهد لتوطيد العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية منذ تلك الحقبة .

دولياً لعبت روسيا دوراً محوريا في تطور القانون الدولي الحديث وكان للدبلوماسي والقانوني الروسي (Fyodor Martens) (فيديور مارتينز ) الأثر الكبير في تطور القانون الدولي خلال مؤتمر لاهاي للسلام الأول عام 1899م كمقترح توافقي شكل قاعدة جوهرية تمنع اعتبار أي حالة غير منصوص عليها في المعاهدات الحربية أنها خارج إطار القانون .
تم إدراج هذا المبدأ لاحقا في اتفاقيات دولية مثل البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف ، ولا يزال يؤخذ به أمام محكمة العدل الدولية.

نتيجة لدعم روسيا لحركات التحرير الوطني الكثيرة التي انتشرت في أفريقيا، استخدمت موسكو منصة الأمم المتحدة لدعم استقلال الدول الأفريقية وإقامة علاقات ثنائية معها مثل السودان ومصر وليبيا والمغرب وتونس وغانا وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى، كان ذلك مطلع ستينيات القرن الماضي، و المتابع للعلاقات الروسية الأفريقية يجدها تتطور وتتوسع بشكل كبير ، إذ تبنى الاتحاد السوفيتي – وقتها – مبادرة التحرير في 14ديسمبر 1960م ، و بموجب هذه المبادرة اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، هذا القرار شكل صكاً دولياً ساعد حركات التحرير الوطني والمقاومة ضد المستعمر في أفريقيا لنيل الاستقلال.

زاد الأمر توطيدا حينما أصبح بين الاتحاد السوفيتي والدول الأفريقية المستقلة علاقات وتمثيل دبلوماسي ثم توقيع اتفاقيات مشتركة في مجالات التجارة والنقل الجوي والبحري ، وازداد عدد الدول الأفريقية التي تقيم علاقات تجارية واقتصادية مع الاتحاد السوفيتي من 4 دول في العام 1960م إلى 37 دولة في العام 1980م إلى 50 دولة أفريقية في التسعينات.

لكن مع تفكك الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات من القرن الماضي فقدت روسيا امكاناتها الهائلة المتراكمة للتعاون مع الدول الأفريقية، وانخفض حجم التبادل التجاري بين روسيا والقارة الافريقية وترتب على ذلك عواقب جيوسياسية واقتصادية باهظة على الجانبين الروسي والأفريقي ، حيث فقدت روسيا الأسواق الأفريقية الكبيرة للسلع الروسية المصدرة ذات القيمة المضافة العالية الي جانب أنها مورد للمواد الخام عالية الجودة.

رغم عودة الاهتمام بالقارة الأفريقية مرة أخرى ، إلا أن الخطوات كانت بطيئة إلى حد ما ، إلى أن جاءت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي على روسيا فتحولت بوصلة أولويات السياسة الخارجية الروسية تجاة أفريقيا، وظهر ذلك جليا في المرسوم الرئاسي الروسي الصادر في 7 مايو 2018م بشأن الأهداف الوطنية والاستراتيجية لتنمية روسيا حتي عام 2024 م ، حيث أعلنت الرئاسة الروسية عزمها علي توطيد دعائم سياستها الخارجية خاصة تجاة أفريقيا والتي تمثل لها كتلة تصويتية كبيرة في الأمم المتحدة لمواجهة أمريكا ودول الإتحاد الأوروبي .

في ظل تصادم المصالح وتقاطع الاطماع تسعى روسيا جاهدة إلى الحفاظ على علاقاتها مع أفريقيا بشكل متطور ومستمر بما يخدم مصالح الطرفين لذلك عقدت القمة الروسية الأفريقية الأولى في أكتوبر 2019 م ، في مدينة سوتشي الروسية وشارك فيها قادة وممثلون عن 43 دولة أفريقية تحت شعار من أجل السلام والأمن والتنمية .
ثم عقدت القمة الروسية الأفريقية الثانية في العام 2023م بمدينة سان بطرسبرغ بروسيا الاتحادية ، تحت شعار مع السلام والأمن والتطور ، وتجلى في هذا الشعار اهتمام روسيا بعمق العلاقات الثقافية والتعليمية عبر توفير المنح الدراسية للطلاب الأفارقة وكان ذلك محور آخر يدخل في العلاقات الروسية الأفريقية.

وتأتي القمة الروسية الأفريقية الثالثة في أكتوبر الجاري للعام 2026م بمدينة موسكو، وينعقد على هامش القمة المنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي الأفريقي ، حيث من المتوقع أن تعتمد القمة التي تعقد كل ثلاث سنوات خطة عمل الفترة من 2027_ 2029م في مجالات الزراعة والطاقة والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع ، بالإضافة إلى تعزيز الحوار السياسي والتنسيق الأمني وتعزيز التجارة والاقتصاد، لكن أهم حدث هو الكشف عن نظام دفاع جوي متعدد الطبقات يجمع بين الكشف الراداري والتشويش الإلكتروني تم تصميمه لحماية المدنيين والعسكريين وحماية المرافق المدنية الحيوية .

علي الصعيد الوطني يشارك السودان في القمة الروسية الأفريقية الحالية بوفد رفيع المستوي برئاسة الفريق اول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي ، وبين السودان وروسيا الكثير من أواصر الصداقة والتعاون الدولي ، مما يجعل ملف إعادة إعمار السودان بعد الحرب من أقوى الملفات، إلى جانب تعزيز التنسيق العسكري والامني ، والتنسيق الاقتصادي بين البلدين في قطاع الثروة المعدنية والحيوانية والزراعية، تنمية البني التحتية ، والاستفادة القصوي من موارد السودان وثرواته لتقوية اقتصاده.

كما تملك روسيا أيضاً إمكانيات دعم الاقتصاد السوداني خاصة مجالات النفط والتعدين والطاقة الكهربائية والغاز ، وجميعها مجالات حيوية يحتاج السودان إلى تنميتها عبر اتفاقيات ثنائية بين البلدين ومتابعتها إلى أن تنفذ على أرض الواقع بالفعل، ذلك أن أي اتفاقيات دون آلية تنفيذ قوية لن تثمر وستكون مجرد نوايا طيبة فقط .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى