بقلم: يوسف ماجد يوسف
في يونيو، يتوجه وفدنا إلى الرياض للمشاركة في أول منتدى استثماري سوداني–سعودي كبير منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ونصل حاملين نحو 100 مشروع شراكة مقترح بقيمة تتجاوز 50 مليار دولار، تشمل الزراعة والطاقة والمعادن والبنية التحتية والتكنولوجيا. وإن تعاملنا مع هذه القمة كما تعاملنا مع ما سبقها، بالمراسم والوعود العامة والعروض التي تصف الموارد لا الصفقات، فسنعود إلى بلادنا فارغي الأيدي.
ليس هذا بجديد علينا. فلسنوات، عقدنا لقاءات مع مستثمرين خليجيين حول القطاعات ذاتها المألوفة: الزراعة، والثروة الحيوانية، والتعدين. فصّلت عروضنا الإمكانات، لكنها نادرًا ما حددت تكاليف المشاريع، أو العوائد المتوقعة، أو هيكل التنفيذ، أو الجاهزية القانونية، أو الجداول الزمنية للإنجاز. كان الاهتمام حاضرًا في القاعة. ثم لا شيء يتحرك بعد ذلك.
المملكة العربية السعودية في 2026 ليست هي المملكة التي كانت تلتقيها تلك الوفود. فرأس المال بات يتحرك الآن عبر مؤسسات مركزية، في مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة الذي تبلغ أصوله 925 مليار دولار، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. وتُدار الوزارات بشكل متزايد على أيدي تكنوقراط شباب تلقّوا تعليمهم في التمويل والهندسة والاستشارات. وتندمج في منظومتها كبرى بنوك الاستثمار العالمية، ومكاتب المحاماة الدولية، وبيوت الاستشارات. تُقاس الصفقات اليوم بمعيار التنفيذ والسرعة والوضوح، وهذا العام، بمعيار الانضباط المالي أيضًا. فقد فرض صندوق الاستثمارات العامة تخفيضات لا تقل عن 20% في تكاليف أكثر من 100 شركة من شركاته في 2025، مُبطئًا المشاريع ومسرّحًا الموظفين، في إشارة إلى مرحلة أكثر حدة وانتقائية في نشر رأس المال. المشاريع الجاهزة ستظل تُموَّل. أما غير الجاهزة فلا.
الصفقات المقارنة تروي الحكاية.
في مصر، التزم صندوق الاستثمارات العامة بضخ 5 مليارات دولار من الأسهم الجديدة في 2024 عبر شركته المحلية “الشركة السعودية المصرية للاستثمار”، ليرتفع إجمالي الاستثمار السعودي في البلاد إلى نحو 32 مليار دولار موزعة على قطاعات اللوجستيات والكيماويات والتمويل، بمعزل عن 5.3 مليار دولار من الودائع لدى البنك المركزي.
في باكستان، دفعت “منارة للمعادن” السعودية، وهي مشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة “معادن” الحكومية، 540 مليون دولار مقابل حصة 15% في مشروع “ريكو ديك” للنحاس والذهب، بهيكل مرحلي من شريحتين، مع استهداف بدء الإنتاج في 2028. وأضاف الصندوق السعودي للتنمية 150 مليون دولار أخرى للبنية التحتية للتعدين في إقليم بلوشستان. ويُشكّل الاثنان جزءًا من حزمة استثمارية سعودية أوسع بقيمة 5 مليارات دولار مخصصة لإسلام آباد.
في البرازيل، بنت الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني (سالك) مراكز تتجاوز قيمتها 3.5 مليار دولار في سلسلة إمداد البروتين، واستحوذت على ما يصل إلى 15% من عملاق الدواجن البرازيلي BRF مقابل ما يصل إلى 890 مليون دولار، وأسّست مشروعًا مشتركًا بقيمة 150 مليون دولار مع “فيبرا” لنقل طاقة المعالجة إلى داخل المملكة العربية السعودية. وقد وضعت الرياض وبرازيليا هدفًا للتبادل التجاري الثنائي قدره 20 مليار دولار بحلول 2030.
ثلاثة أنماط تبرز هنا. أولًا، يتحرك رأس المال السعودي اليوم عبر أدوات محددة الهوية: صندوق الاستثمارات العامة، وسالك، ومنارة، لكل منها ولاية، وفريق، وخط أنابيب صفقات حيّ. ثانيًا، كل صفقة مُهيكلة: سعر الدخول، وحجم الحصة، وحقوق الحوكمة، والجدول الزمني للإنتاج، والشريك المستثمر. ثالثًا، يتدفق رأس المال باستمرار نحو منصات تخدم أولويات رؤية 2030 ذاتها: الأمن الغذائي، والإمداد بالمعادن، واللوجستيات، وتقنيات المستقبل. لا عرض تقديمي يُقنع هذه الصناديق. بل مشروع قابل للتمويل.
نحن نملك كثيرًا من المكونات الخام: أراضٍ زراعية على نطاق واسع، وواحدة من أكبر قطعان الماشية في إفريقيا، وأحزمة ذهب وحديد لم تُستكشف بعد، ومنفذًا على البحر الأحمر، وإمكانات بشرية. ولسنا طرفًا غير مألوف للرياض. فالمملكة العربية السعودية هي بالفعل أكبر مستثمر عربي لدينا، بحصيلة استثمارات تراكمية تقارب 35.7 مليار دولار، تتركز في نحو 250 مشروعًا زراعيًا، وبتبادل تجاري سنوي يقارب 8 مليارات دولار، يقوده بشكل رئيسي استيراد السعودية لماشيتنا وسلعنا الزراعية. ما تأخّر هو التعبئة، والإعداد، ومصداقية التنفيذ. لقد ظلّ التطمين الشفهي كثيرًا بديلًا عن التوثيق. العلاقات تفتح الباب. والمؤسسات تُبرم الصفقة.
علينا إذن أن نتوقف عن بيع القطاعات وأن نبدأ ببيع المنصات.
ينبغي أن تُصاغ الزراعة بوصفها مناطق زراعة دقيقة تضمّ أنظمة الري، وسلاسل التبريد، وتحليلات المحاصيل، والتخزين، وممرات التصدير إلى جدة وجازان. وينبغي أن تُصاغ الثروة الحيوانية بوصفها سلسلة إمداد بروتيني قابلة للتتبع، مع أنظمة بيطرية، وحجر صحي، ومعالجة وفق الاشتراطات الحلال، ومنظومة لوجستية، أي النموذج ذاته الذي بنته سالك في البرازيل، معكوسًا. وينبغي أن يُصاغ التعدين بوصفه غرف بيانات جيولوجية، وامتيازات شفافة، وطاقات تكرير، وضوابط لمكافحة التهريب. ولأن رأس المال السعودي يدعم بشكل متزايد البنى التحتية المستقبلية، علينا أن نحمل معنا كذلك مقترحات ملموسة للهوية الرقمية، ورقمنة السجل العقاري، والجمارك الإلكترونية، والزراعة المعززة بالذكاء الاصطناعي، وممرات الطاقة المتجددة، وتحديث لوجستي ذكي لميناء بورتسودان.
إن لم نكن جاهزين تمامًا بحلول يونيو، فلا ينبغي أن تُعامَل القمة بوصفها مناسبة لإبرام الصفقات، بل ينبغي أن تُستخدم منصة انطلاق. يمكننا أن نُعلن من خلالها عن “برنامج الجاهزية الاستثمارية السوداني”، وأن نُنشئ فرق عمل فنية مشتركة، وأن نقيم مرفقًا لإعداد المشاريع، وأن نحدد موعد قمة ثانية خلال 9 إلى 12 شهرًا لا تُعرض فيها إلا مشاريع قابلة للتمويل.
والأهم من ذلك كله، علينا أن ننظم أنفسنا بشكل مختلف. أدوار واضحة. تكليفات قصيرة. مؤشرات أداء قابلة للقياس. فرق ممكَّنة. وحدة تنفيذ للمستثمرين. فريق لتمويل المشاريع يُهيكل الصفقات. فريق إصلاح رقمي يُحدِّث إجراءات الموافقات. قائد قطاعي لكل من الزراعة، والتعدين، والموانئ، والطاقة. بطاقات أداء شهرية. مسؤولون محددون بالاسم. مواعيد نهائية مُلزِمة.
المواهب ليست قيدنا. فعبر بلادنا وشتاتنا، ينافس مموّلونا ومهندسونا ومحامونا وتقنيّونا ومشغّلونا في أعلى المستويات في العواصم العالمية. ما ينقصنا هو المنظومة التي تتيح لهذه المواهب أن تؤدي. إن أرسينا الأسس الصحيحة، وحددنا الأدوار الصحيحة، وكافأنا على الإنجاز، فسنحوّل الإمكانات إلى تقدم. الناس جاهزون. وعلى الدولة الآن أن تكون جاهزة أيضًا.