كيف نُنهي حربنا على نحو منصف في عالمٍ بلا قواعد؟!

د الدرديري محمد أحمد

الأسبوع الماضي استمع الكثيرون باندهاش لكلمة رئيس الوزراء الكندي التي ألقاها في المنتدى العالمي الاقتصادي بدافوس بسويسرا في 20 يناير الجاري، والتي ذاعت وقُرظت وقيل عنها أنها مبدئية وواقعية. فقد جهر الرجل بما ظل مسكوتا عنه لعقود طويلة. قال مارك كارني، وهذا اسمه، “ان النظام الدولي القائم على القواعد آخذٌ في التلاشي”. ثم ذكّر مستمعيه بمقال كتبه عام 1978 المعارض التشيكي سابقا، رئيس تشيكيا فيما بعد، فاتسلاف هافل، يحكي كيف تمكن الشيوعيون من احكام قبضتهم على أوروبا الشرقية. فقال كل صباح يبدأ أي بقّال يومه بأن يضع لافتة في نافذة متجره تقول: “يا عمال العالم، اتحدوا!”، ذلك رغم أنه لا يؤمن بما في اللافتة. لكنه يضعها لتجنّب المتاعب، ولإظهار “الامتثال”.

وبما أن كل بقال في كل شارع يفعل الشيء نفسه، يترسخ النظام الشيوعي ويبقى بسبب مشاركة الناس العاديين في طقوس يعرفون في قرارة أنفسهم أنها زائفة. سمى هافل ذلك “العيش داخل كذبة”. ثم قال كارني لمستمعيه، من رؤساء الدول وكبريات الشركات، آن الأوان لنا دولاً وشركات أن ننزل لافتاتنا. وصفق الجميع بحرارة!!! ثم أضاف كارني لعقود طويلة انخرطنا في مؤسسات “النظام الدولي القائم على القواعد”، وأثنينا على مبادئه، رغم أننا كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت جزئياً غير صحيحة. فالأقوى يستثني نفسه عندما يناسبه ذلك. وقواعد التجارة تُطبَّق بشكل غير متكافئ. والقانون الدولي يُنفَّذ بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعاً لهوية المتهم أو الضحية. لكن الهيمنة الأمريكية الراعية لذلك وفرت نظاماً مالياً مستقراً، وأمناً جماعياً، وأطراً لتسوية النزاعات. لذلك، وضعنا اللافتة في النافذة. وشاركنا في الطقوس.

وتجنبنا إلى حد كبير تسليط الضوء على الفجوة بين الخطاب والواقع. ثم أعلن بجرأة: “دعوني أكون صريحا: نحن في خضم قطيعة، لا مرحلة انتقالية. في الآونة الأخيرة، بدأت القوى الكبرى تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح، والرسوم الجمركية كأداة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل الإمداد كنقاط ضعف يجري استغلالها”. ثم أضاف: “لم يعد بوسعنا العيش داخل ]كذبة المنفعة المتبادلة عبر الاندماج[.

عندما يصبح الاندماج نفسه مصدر اخضاعنا. فالدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها، أو تزويد نفسها بالطاقة، أو الدفاع عن نفسها، تكون خياراتها محدودة. وعندما لا تعود القواعد تحميك، يصبح لزاماً عليك أن تحمي نفسك”. وكان أخطر ما قاله رئيس الوزراء الكندي هو ماذا يعني ذلك لبلاده وماذا هي فاعلة ازاءه. فقد قال: إن السؤال المطروح أمام الدول المتوسطة القوة، مثل كندا، ليس ما إذا كان يتحتم عليها التكيّف مع هذا الواقع الجديد. اذ بدّ من ذلك. وإنما السؤال هو: هل نتكيّف بمجرد أن نبني جدرانا أعلى تعزلنا عمن هم حولنا، أم أننا قادرون على القيام بشيء أكثر طموحاً؟ وأوضح كيف أن بلاده كانت من أوائل الدول التي التقطت جرس الإنذار، وان ذلك قادها إلى إحداث تحول جذري في وضعها الاستراتيجي.

وكشف ان كندا لم تعد تعوّل اليوم على الوضع القديم والمريح القائم على موقعها الجغرافي وعضويتها في التحالفات الكبرى. وأوضح أن نهج كندا الجديد يستند الى “الواقعية القائمة على القيم” والتي لخصها في انها تعني ان تنخرط كندا في العالم بعيون مفتوحة تواجهه كما هو، وليس كما تتمنى أن يكون. ثم كانت مسك الختام عبارة: “لم نعد نعتمد فقط على ‘قوة قيمنا’، بل أيضاً على ‘قيمة قوتنا’. ونحن نبني هذه القوة في الداخل”! هذه الأيام صار مألوفاً أن يصدر نقدٌ لاذعٌ، مثل هذا، للنظام الدولي “القائم على القواعد” من مفكّرٍ غربي مستقل أو من رئيس دولة في الجنوب العالمي دفعت أثمان هذا النظام من أمنها واستقرارها. لكن أن يأتي هذا الاعتراف الصريح من على منبر دافوس، وعلى لسان رئيس وزراء دولة غربية كبرى استفادت لعقود من ذلك النظام، فذلك حدثٌ يستحق التوقّف الجاد عنده. ولم يكن مارك كارني يغرد خارج السرب.

فها هو ذا المستشار الألماني فريدريك ميرز، الذي يقود الدولة ذات الاقتصاد الأكبر في أوروبا، يؤيده فيما ذهب اليه. اذ قال ميرز في خطابه الذي القاه بعد خطاب كارني بيومين إن النظام العالمي الذي ساد في العقود الثلاثة الماضية والقائم على القانون الدولي “كان معيبا على الدوام”.

بل ثمّن ما ذهب اليه كارني من أنه لا ينبغي الاستمرار في الاعتماد على “قوة القيم”، وأنه لابد من إدراك “قيمة القوة”. وقال “إنني اشاطره وجهة النظر هذه”. بل أكد أن ذلك يمثل الرأي العام لدى المتنفذين في الغرب حين أضاف: “ان معظم من في هذه القاعة يشاطرونه تلك الرؤية”. هذه اذن ليست مراجعة فكرية باردة، بل هي تشريح بالمبضع للحظة فارقة في النظام الدولي. لحظة تفككت فيها المرجعيات القديمة واستبدل فيها النظام “القائم على القواعد” بنظام “قائم على القدرة”. وفي هذا العالم الجديد لا يعود الضعيف محمياً بالقانون، بل مكشوفاً أمام إرادة القوى. وعندما وصف كارني ما يجري بأنه “قطيعة” فهو انما يعني بحق أن ما يجري أمام أعيننا اليوم ليس انتقالاً منظّماً نحو نظام عالمي جديد، بل هو انهيارٌ متسارعٌ من دون بديل توافقي. فخلال سنوات قليلة،

تحوّلت أدوات العولمة – مثل سلاسل الإمداد، العملة، التكنولوجيا، وحتى الغذاء والطاقة – من وسائل تعاون الى أسلحة ضغط. فماذا يعني هذا بالنسبة لنا في السودان! خاصة ان هذا الانهيار في النظام العالمي يحدث في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إليه. بل ماذا يعني هذا تحديدا لأم قضايانا الراهنة، وهي كيفية انهاء هذه الحرب على نحو منصف للشعب السوداني.

في عهد الرئيس عمر البشير لم يرض السودان “العيش داخل كذبة” النظام الدولي القائم على القواعد. فلم يؤدِّ طقوس “الامتثال”، ولم يضع اللافتة في النافذة. بل على العكس، تحدّى افتراضات جوهرية لذلك النظام. فقاوم الاشتراطات السياسية الغربية، ورفض وصفات الحكم والأمن المفروضة من الخارج، وانتهج سياسات سيادية اصطدمت بمصالح القوى المهيمنة. وكما تنبّأ هافل، كان العقاب قاسياً. لا لأن السودان كان حالة فريدة ضمن قوى العالم السفلي المدمر للنظام العالمي، بل لأن رفض أداء طقوس “الامتثال” يهدد مصداقية النظام نفسه. فكانت العقوبات، والعزلة، وتشويه السمعة، ودبلوماسية الإرغام.

Exit mobile version