رحلة الإجابة قبل طرح السؤال

آفاق رقمية

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي؟

د. محمد عبد الرحيم يسن

digital.start23@gmail.com

(٥/٢)

عندما يطلب أحدنا من الذكاء الاصطناعي كتابة مقال، أو تلخيص كتاب، أو تحليل قصيدة شعرية، فإن ما يعرض أمامه في ثوان هو استجابة نموذج الذكاء الاصطناعي، أما رحلة هذه  الاستجابة فتبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، قبل أن يفكر المستخدم نفسه في طرح سؤاله.

فالإجابة التي تظهر خلال ثوان ليست وليدة تلك اللحظة، وإنما ثمرة عملية تعلم وتدريب استمرت أشهرا وسنوات، شارك فيها آلاف العلماء والباحثين والمهندسين، واستندت إلى كميات هائلة من المعرفة الإنسانية المتراكمة عبر عقود طويلة.

ولتقريب الصورة إلى الأذهان، فإن رحلة تعلم الذكاء الاصطناعي تشبه طالبا يبدأ رحلته في المدرسة الابتدائية، ثم ينتقل إلى المراحل اللاحقة، ويقرأ الكتب، ويحضر المحاضرات، ويتعلم من معلميه ومن تجاربه اليومية. وعندما يسأل بعد سنوات عن موضوع معين، فإنه لا يبدأ التعلم من جديد، وإنما يستدعي حصيلة معرفية تراكمت لديه عبر الزمن، وتبدأ رحلة تدريب الذكاء الاصطناعي بطريقة مشابهة من حيث المبدأ، مع اختلاف كبير في الحجم والسرعة. ففي البداية يتم جمع كميات ضخمة من البيانات من مصادر متعددة تشمل الكتب والمراجع والدوريات العلمية والموسوعات والمواقع الإلكترونية والأكواد البرمجية والوثائق العامة وغيرها من مصادر المعرفة الرقمية.

بعد ذلك تبدأ مرحلة أكثر تعقيدا تتمثل في تنقية هذه البيانات وفرزها واستبعاد المكرر منها وتصحيح الأخطاء الموجودة فيها. فالبيانات الخام تشبه المواد الأولية التي تحتاج إلى معالجة طويلة قبل أن تصبح صالحة للاستخدام.

وفي هذه المرحلة يظهر جيش غير مرئي من المتخصصين: علماء رياضيات، وخبراء بيانات، ومهندسو برمجيات، ومتخصصون في اللغات، وباحثون في الذكاء الاصطناعي. فهؤلاء لا يكتبون الإجابات التي تصل إلى المستخدمين، وإنما يبنون البيئة العلمية والتقنية التي تمكن النموذج من التعلم واكتشاف العلاقات بين الكلمات والأفكار والمعاني.

ولا تقتصر ضخامة هذه العملية على حجم البيانات وحده، فعملية تدريب النماذج المتقدمة تعد من أكثر المهام الحاسوبية تعقيدا. فبعض النماذج تحتاج إلى آلاف المعالجات المتخصصة تعمل بصورة متواصلة لأسابيع أو أشهر، وتستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية، وتشير التقديرات إلى أن تكلفة تدريب نموذج متقدم واحد قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، تشمل الأجهزة والبنية التحتية والطاقة والكوادر العلمية والبرامج والخوارزميات.

ولو حاولنا تقريب الصورة أكثر، فإن تدريب أحد النماذج الكبرى يشبه إنشاء جامعة عالمية تضم ملايين الكتب وآلاف الأساتذة والباحثين وقاعات دراسية لا تتوقف عن العمل ليلا ونهارا،  والفرق أن هذه الجامعة الرقمية لا تخرج آلاف الطلاب كل عام، وإنما تنتج نموذجا واحدا قادرا على الحوار والكتابة والتحليل والاستجابة لملايين المستخدمين في الوقت نفسه.

ومع استمرار التدريب يبدأ النموذج في اكتشاف الأنماط والعلاقات، فيتعلم أن الكلمة قد تحمل أكثر من معنى، وأن المعنى يتحدد من خلال السياق ، وكذلك يتعلم العلاقة بين السؤال والإجابة، وبين السبب والنتيجة، وبين المقدمة والخاتمة، وبين اللغة العلمية واللغة الأدبية، ومع مرور الوقت تتكون شبكة هائلة من العلاقات الرياضية التي تمثل المعرفة التي اكتسبها النموذج.

وينتشر في العالم اليوم مئات النماذج الكبرى للذكاء الاصطناعي، مثل جات جي بي تي وجيميني، إلى جانب آلاف النماذج المتخصصة في الطب والهندسة والقانون والترجمة والتصنيع وغيرها من المجالات، وهو ما يعكس حجم النمو المتسارع لهذه التقنية وانتشارها في شتى القطاعات.

ومن المثير أن الذكاء الاصطناعي لا يحتفظ بالمعلومات بالطريقة التي يحفظ بها الإنسان الأسماء أو أرقام الهواتف أو نصوص الكتب، فهو لا يعمل كمكتبة ضخمة تسترجع الصفحات عند الطلب، وإنما يحتفظ بالأنماط والعلاقات التي اكتشفها أثناء التدريب، ولهذا يستطيع التعامل مع أسئلة جديدة لم يسبق أن رآها من قبل.

فعندما يرسل شاعر قصيدة كتبها قبل دقائق، أو يطلب باحث تلخيص دراسة حديثة، أو يطلب رائد أعمال فكرة لمشروع جديد، فإن النموذج لا يستخرج إجابة جاهزة من مخزن معلومات، وإنما يبني استجابته اعتمادا على ما تعلمه من علاقات بين الكلمات والمعاني والأفكار. ولهذا يمكنه التعامل مع عدد لا يكاد ينتهي من الأسئلة والموضوعات والصياغات المختلفة. لقد أنتجت البشرية عبر القرون ثروة معرفية هائلة في العلوم والآداب والفنون والخبرات الإنسانية، وجاء الذكاء الاصطناعي ليحول جزءا كبيرا من هذا التراث المعرفي إلى نماذج قادرة على التعلم والاستنتاج والتفاعل. ومع استمرار تطور هذه النماذج تتسع قدراتها عاما بعد عام، وهو ما يجعل فهم آلية عملها أمرا مهما لكل من يستخدمها أو يتأثر بها.

في الحلقة القادمة نقترب أكثر من اللحظة التي يكتب فيها المستخدم سؤاله، لنرى ماذا يحدث داخل النموذج خلال الثانية الواحدة الفاصلة بين الضغط على زر الإرسال وظهور أول كلمة من الإجابة.

Exit mobile version