سيّاح بصفات رسمية !!

المُبـر محمـود

طالعت خبراً عن زيارة وفد من وزارة الزراعة والري إلى المغرب لبحث التعاون في مجال إدارة الموارد المائية وتطوير أنظمة الري. و انتهى الخبر، كما تنتهي عشرات الأخبار المشابهة، إلى عبارات جامدة ومحفوظة من قبيل “تبادل الخبرات” و ”تعزيز التعاون” و ”إبداء الاستعداد” و”فتح آفاق الشراكة”. وهي عبارات باتت تتكرر إلى درجة يصعب معها التمييز بين زيارة وأخرى، أو معرفة ما الذي عاد على السودان منها غير الصور التذكارية والبيانات البروتوكولية.

ما يثير الاستغراب أن السودان، وفي مجالي الزراعة والري تحديداً، لا تنقصه المعرفة الضرورية. فبلادنا تمتلك من الخبرات الزراعية والريّية ما يجعلها، تاريخياً، من أكثر دول المنطقة معرفة بهذا القطاع. والمشكلة لم تكن يوماً في نقص المعرفة حتى نسافر آلاف الكيلومترات بحثاً عنها، بل في العجز المزمن عن تطبيق ما نعرفه أصلاً. فلا أحد يحتاج إلى وفد خارجي ليكتشف أن القطاع الزراعي يحتاج إلى تمويل، وأن البنية التحتية في المشاريع تحتاج إلى صيانة، أو أن ضعف الإدارة يلتهم أي فرصة للنهوض بالإنتاج. هذه حقائق يعرفها كل مزارع قبل أن يعرفها أي خبير.

ثم إن المغرب، مع كامل الاحترام لتجربته، ليس النموذج الأقرب إلى الحالة السودانية الراهنة. فالمغرب يعمل في ظروف مستقرة سياسياً ومؤسسياً واقتصادياً، بينما يواجه السودان آثار حرب طاحنة وأزمة اقتصادية خانقة وضعفاً واضحاً في مؤسسات الدولة. ولذلك فإن الحديث عن نقل الخبرات بين واقعين مختلفين إلى هذه الدرجة يبدو أقرب إلى الترف الإداري منه إلى البحث الجاد عن حلول.

واذا كان لا بد من النظر إلى الخارج، فالأولى أن يكون ذلك نحو تجارب نشأت تحت ظروف أقرب إلى واقعنا، كالهند ومصر ورواندا وإثيوبيا والفلبين، وهي دول واجهت بدرجات متفاوتة أزمات ونزاعات وضغوطاً وتعقيدات مؤسسية واقتصادية، واضطرت إلى ابتكار حلول عملية للنهوض بالإنتاج الزراعي في بيئات صعبة. أما البحث عن وصفات جاهزة من تجارب نشأت في ظروف مختلفة تماماً، فلن يغير كثيراً من واقعنا المأزوم.

لكن المشكلة أكبر من زيارة وزير الزراعة الى المغرب. فهذه الزيارة ليست سوى مثال واحد لظاهرة أصبحت ملازمة لكل مؤسسات الدولة. وتتمثل في شغف كبار وصغار المسؤولين بالزيارات الخارجية. وفود تغادر وأخرى تعود، واجتماعات تعقد، وصور تنشر، وبيانات تصدر، ثم لا يجد المواطن أثراً ملموساً لكل ذلك. وكأن السفر أصبح إنجازاً بحد ذاته، بغض النظر عما إذا كان قد حقق نتيجة أم لا.

والأمر لا يتعلق فقط بالمال العام الذي يُنفق على هذه الرحلات، رغم أن البلاد تمر بواحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية وتحتاج إلى كل دولار يمكن توفيره. ولكن هناك أيضاً وقت المسؤولين، وهو مورد لا يقل قيمة عن المال. فالمسؤول الذي يقضي أياماً بين المطارات والفنادق وقاعات الاجتماعات هو مسؤول غائب عن الميدان في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى وجوده وسط المشكلات الحقيقية لا وسط المجاملات العبثية.

لهذا كله، فقد آن الأوان لتتعامل الدولة مع هذه الزيارات السياحية بعقل مختلف. حيث يجب أن تخضع كل رحلة خارجية لدراسة جدوى حقيقية قبل اعتمادها. ما المشروع الذي ستجلبه؟ ما التمويل الذي ستؤمنه؟ ما النتيجة التي يمكن قياسها؟ وما الجدول الزمني لتنفيذها؟ أما الزيارات التي تنتهي إلى “تفاهمات” و”إبداء استعداد” و”بحث سبل التعاون”، فلا تستحق أن تمول من مال دولة تعيش في ظل هذه الظروف الإستثنائية، ولا تستحق أن يُهدر عليها وقت مسؤول يفترض أن يكون منشغلاً بما هو أكثر إلحاحاً داخل البلاد. والسودان اليوم لا تنقصه المعرفة، ولا تنقصه التفاهمات، بل ينقصه شيء واحد: تنفيد ما يعرفه.

Exit mobile version