تبدو ثورة الذكاء الاصطناعي في ظاهرها معركة خوارزميات ورقائق حاسوبية. لكن تحت هذه الطبقة التكنولوجية توجد معركة أكثر تقليدية بكثير: من يملك الكهرباء؟
النماذج العملاقة تحتاج إلى مراكز بيانات تضم عشرات الآلاف من المعالجات المتخصصة، تعمل على مدار الساعة وتحتاج إلى طاقة هائلة للتشغيل والتبريد.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكبر خمس شركات تكنولوجيا أنفقت أكثر من 400 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إنفاقها الرأسمالي بنحو 75% خلال 2026. أي أن استثمارات خمس شركات أصبحت أكبر من مجمل الاستثمار العالمي في إنتاج النفط والغاز.
استهلكت مراكز البيانات نحو 485 تيراواط/ساعة من الكهرباء في 2025، ويتوقع أن يقترب الاستهلاك من 950 تيراواط/ساعة بحلول 2030، أي نحو ضعف المستوى الحالي وما يقارب 3% من استهلاك الكهرباء العالمي.
لكن المتوسط العالمي يخفي أرقاماً أكثر أهمية محلياً. مركز بيانات ضخم مخصص للذكاء الاصطناعي قد يستهلك كهرباء تعادل مدينة صغيرة. وبعض المنشآت الجديدة يمكن أن تستهلك طاقة تعادل ملايين المنازل.
وهذا يغير خريطة الاستثمار.
في الماضي كانت شركات التكنولوجيا تختار مواقع مراكز البيانات بالقرب من المدن ومراكز الاتصالات. أما الآن فأصبح السؤال الأول: أين توجد الكهرباء الرخيصة والمضمونة؟
ولهذا بدأت مراكز البيانات الأوروبية تبتعد عن لندن وفرانكفورت وأمستردام إلى مناطق أبعد تتوافر فيها الأرض والطاقة. وتشير بيانات حديثة إلى أن متوسط بعد المراكز العملاقة الجديدة عن المدن سيرتفع بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة فالبلد الذي يستطيع توفير الكهرباء المستقرة بأسعار تنافسية، إلى جانب الألياف الضوئية والمياه والتشريعات، يستطيع جذب مليارات الدولارات من استثمارات الذكاء الاصطناعي.
وهنا تعود الطاقة النووية والغاز والطاقة الشمسية إلى الصورة. الشركات الكبرى لم تعد تكتفي بشراء الكهرباء من الشبكة، بل توقع عقوداً طويلة الأجل مع محطات نووية ومشروعات متجددة وتبحث حتى في المفاعلات النووية الصغيرة.
لكن هناك مشكلة أخرى: الشبكات.
يمكن بناء مركز بيانات خلال عامين أو ثلاثة، بينما قد يستغرق بناء خطوط نقل الكهرباء ومحطات التوليد الجديدة سنوات أطول بكثير. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن نحو 20% من مشروعات مراكز البيانات المخطط لها معرضة للتأخير إذا لم تتوسع شبكات الكهرباء بالسرعة المطلوبة وتثير هذه الثورة سؤالاً سياسياً أيضاً. ماذا يحدث عندما يتنافس مركز بيانات عملاق مع السكان والصناعة على الكهرباء والمياه؟
قد تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى المفاضلة بين مصنع يوفر آلاف الوظائف، ومركز بيانات قيمته مليارات لكنه يوظف عدداً أقل بكثير بعد اكتمال البناء.
وهكذا تنتقل المنافسة في الذكاء الاصطناعي من المختبر إلى محطة الكهرباء.
قد تكون الرقائق هي «عقل» الثورة الجديدة، لكن الكهرباء هي دمها. ومن دونها تصبح مليارات الدولارات من المعالجات مجرد صناديق معدنية باهظة الثمن.