تقارير

دبلوماسية واشنطن في السودان ارتدت عليها الضغوط التي كان يُراد منها عزل الجيش السوداني انتهت بعزل واشنطن، وجعلت وقف إطلاق النار أبعد منالاً

بقلم: كاميرون هدسون
الجزيرة – 2 أكتوبر 2026
بعد أكثر من ثلاث سنوات، لا تزال واشنطن تتخبط في محاولاتها للتعامل مع حرب السودان المفجعة. وخلال الأسبوع الماضي ربما وجدت نفسها، من دون قصد، محاصرة في زاوية دبلوماسية لا تتيح لها ولا للجيش السوداني مخرجاً، وهو ما جعل التوصل إلى وقف لإطلاق النار أبعد منالاً.
وبينما اجتمع قادة العالم في نيويورك لحضور الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، مارست واشنطن ضغوطاً مكثفة على قادة القوات المسلحة السودانية لتوقيع وقف غير مشروط لإطلاق النار، من شأنه تجميد الصراع والسماح بوصول المساعدات الإنسانية الضرورية من دون عوائق.
في السابق، كانت قوات الدعم السريع المتمردة، مستفيدة من الدعم الدبلوماسي والإعلامي الواسع من أبرز داعميها الإقليميين، تسارع إلى الموافقة على أي اتفاق يضعها على قدم المساواة مع الجيش الوطني الذي تسعى إلى إزاحته.
لكن، في ظل عدم وجود نية أو قدرة على تنفيذ شروط أي وقف لإطلاق النار، فإن التزام الدعم السريع بالسلام لا يُرجح أن تكون له قيمة أكبر مما يمكن توقعه من جيش مرتزقة ارتكب جولات متعددة من الإبادة الجماعية، بحسب توصيف الكاتب.
ومع ذلك، لا يزال المسؤولون الأميركيون يشيرون مراراً إلى الدعم السريع، في الدوائر الدبلوماسية، باعتباره الطرف الأكثر «تعاوناً».
وفي هذا السياق، ركزت حملة الضغط الأميركية منذ مطلع العام بصورة شبه حصرية على القوات المسلحة السودانية، استناداً إلى اعتقاد – يصفه الكاتب بأنه خاطئ – بأن ممارسة ضغوط كافية ستجبر الجيش على الركوع والتخلي عن مسعاه لتحرير ملايين المدنيين السودانيين العالقين تحت حكم الدعم السريع.
لكن عشرين عاماً من العقوبات الأميركية الشاملة على السودان، التي كانت أشد وطأة وأوسع نطاقاً بكثير من أي عقوبات فرضتها إدارتا دونالد ترامب أو جو بايدن، كان ينبغي – بحسب الكاتب – أن تعلم فريق ترامب أن العقوبات في السودان ليست أدوات يمكن استخدامها تكتيكياً. فهذا نظام أثبت قدرته على تحمل الضغط الأميركي على المدى الطويل.
ومع ذلك، أعقبت جولة جديدة من العقوبات الأميركية على شبكات المشتريات العسكرية التابعة للجيش السوداني في يونيو عقوبات أخرى في يوليو مرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية، رغم ما يراه الكاتب غياباً لأي محاولة موثوقة للتحقيق ميدانياً في وقائع استخدامها.
وفي أغسطس، أضافت الولايات المتحدة خطوة أخرى إلى نهجها العقابي، عندما طرحت مبادرة جديدة في الأمم المتحدة لفرض حظر شامل على الأسلحة في جميع أنحاء السودان، عبر توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور منذ الإبادة الجماعية الأولى هناك في أوائل الألفية، وهو حظر يقول الكاتب إن الدعم السريع وداعميه الإقليميين انتهكوه بصورة شبه يومية منذ اندلاع الحرب.
واعتبرت الخطوة الأميركية الأخيرة، على نطاق واسع، محاولة غير متوازنة لاستهداف شبكات إمداد الجيش التي مكنته أخيراً من تحقيق عدد من الانتصارات الميدانية المهمة وأحدثت تحولاً في زخم الحرب.
لكن واشنطن لم تكن تملك الحد الأدنى من الأصوات، حتى من نصف أعضاء مجلس الأمن، لتوسيع الحظر، فضلاً عن احتمال استخدام روسيا حق النقض. ولذلك وافقت الولايات المتحدة على تمديد تقني لمدة شهر للحظر القائم، أملاً في أن يمنحها الشهر الإضافي وقتاً لحشد مزيد من المؤيدين لمبادرتها.
ويرى الكاتب أن ذلك لن يحدث.
الضغط الأقصى على الخرطوم
جاء الجزء الأخير من حملة «الضغط الأقصى» الأميركية الأسبوع الماضي، عندما قررت واشنطن تشديد الخناق على الخرطوم، وربطت حضور الفريق أول عبد الفتاح البرهان اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بتوقيعه اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت واشنطن قد طرحته سابقاً.
ويقول الكاتب إن أعمال «الابتزاز الدبلوماسي» رهانات شديدة المخاطر، وإن ما حدث في هذه الحالة يعكس إحراج واشنطن العميق وإحباطها المتزايد من فشلها في الحصول على توقيع الاتفاق، أكثر مما يعكس تعنت الجيش.
ومنذ أن طرحت واشنطن للمرة الأولى مقترحها لوقف إطلاق النار في الأيام التي سبقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام الماضي، اصطدمت مراراً برفض الطرفين التوقيع عليه.
لكن المقاتلين سيواصلون القتال، خصوصاً عندما يعتقدون أن الاتفاق المطلوب منهم توقيعه لا يفعل سوى منح الطرف الآخر فرصة لإعادة تنظيم صفوفه وإعادة التسلح.
بل إن وقفاً لإطلاق النار يتم توقيعه في فراغ، ولا يمنح أياً من الطرفين تصوراً لمستقبله، قد يؤدي على الأرجح إلى ترسيخ التقسيم الفعلي القائم أصلاً في البلاد.
ومن الواضح، بحسب الكاتب، أن مثل هذه النتيجة تخدم قوات الدعم السريع، التي ترغب في إضفاء طابع رسمي على سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، أكثر مما تخدم الجيش السوداني، الذي يقول إنه يقاتل من أجل إعادة توحيد البلاد.
ويرى هدسون أن الاعتقاد المتكرر في واشنطن بأن الطرفين يواصلان القتال لأن كلاً منهما يعتقد أنه قادر على تحقيق نصر عسكري شامل يمثل تشخيصاً خاطئاً لدوافعهما.
فهما، بحسب تحليله، يقاتلان لأن كلاً منهما يعتقد أن عليه الانتصار لضمان بقائه.
بيان الخارجية الأميركية يزيد النار اشتعالاً
ويقول الكاتب إن هذا الدافع لمواصلة القتال تعزز أكثر بسبب البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية على عجل وسط الاجتماعات الماراثونية للأمم المتحدة الأسبوع الماضي.
وجاء في البيان:
«لا تمثل القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع ولا قادتهما حكماً شرعياً أو دستورياً للسودان؛ فهم يحكمون بقوة السلاح وحدها. كما أن سلوك كل واحد من قادة الفصائل المتحاربة يجعله غير مؤهل لحكم البلاد».
ويرى هدسون أن هذا الطرح قد يكون صحيحاً على المدى الطويل، لكنه ليس تكتيكاً دبلوماسياً ذكياً إذا كان الهدف إقناع أي من الطرفين بإلقاء سلاحه على المدى القريب.
وبدلاً من ذلك، يبدو البيان، في رأيه، أقرب إلى تبرير بأثر رجعي للمناورة الدبلوماسية الأميركية الأخيرة المتمثلة في منع البرهان من إلقاء كلمة بلاده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبصرف النظر عن مسألة خرق القانون الدولي والبروتوكول الدبلوماسي، أو ما يراه الكاتب تناقضاً في السياسة الأميركية التي سمحت لقادة أنظمة عسكرية في أفريقيا، فضلاً عن وفد إيراني، بالحصول على تأشيرات دخول إلى نيويورك، فإن القرار الأميركي يبدو أكبر من مجرد وسيلة ضغط لإجبار الجيش على وقف إطلاق النار.
ويطرح ذلك، بحسب هدسون، سؤالاً حول ما إذا كانت واشنطن ترفع مستوى الضغط إلى أقصى نقطة متبقية أمامها، عبر محاولة إحداث تغيير أسرع للنظام في السودان.
وعندما تُقرأ هذه الخطوة إلى جانب الإجراءات المتعددة التي اتخذتها واشنطن خلال العام لمعاقبة الجيش السوداني وعزله ونزع الشرعية عنه، يرى الكاتب أن من الصعب تجاهل هذه الفرضية.
لكن هنا أيضاً، فإن السياسة الأميركية التي تحركها التكتيكات أكثر من الاستراتيجية تهدد بجعل الوصول إلى الحلول أكثر صعوبة.
واشنطن تعزل نفسها
يقول هدسون إن التحرك الأميركي أدى بالفعل إلى عزل واشنطن داخل التحالفات الغربية والعربية والأفريقية الواسعة التي لا تضغط من أجل وقف سريع لإطلاق النار فحسب، وإنما من أجل سلام أشمل وأكثر استدامة يعيد السودان إلى حالة من الاستقرار الوطني والإقليمي.
ويضيف أن دولاً عديدة أعربت، منذ ذلك الحين، بهدوء عن خيبة أملها لأن الولايات المتحدة أهدرت فرصة مهمة للدبلوماسية.
ولم تكن أهمية حضور البرهان، وفق هذا الرأي، تتمثل في إتاحة الفرصة له لعرض رؤيته للحرب، وإنما في تمكين عشرات قادة العالم المجتمعين في نيويورك من إسماعه بصورة مباشرة وجماعية مطالبهم بإحلال السلام.
والأكثر أهمية، بحسب الكاتب، كان تحذير السعودية من أنها ستعيد النظر في مشاركتها مستقبلاً في المبادرة الرباعية التي تقودها الولايات المتحدة.
ولا تملك إدارة ترامب سوى القليل من النتائج التي يمكن أن تعرضها منذ إعلانها في الصيف الماضي طموحها لإحلال السلام في السودان.
وبدلاً من ذلك، تبدو الإدارة وكأنها تكرر الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها جهود السلام الأميركية السابقة، عبر الاعتقاد بأن الضغط الدبلوماسي وحده قادر على تشكيل نتائج المعارك العسكرية ودفع قضية السلام إلى الأمام.
وفي الأسبوع الماضي، دفعت واشنطن بهذا النهج إلى أقصى حدوده.
لكن العزلة التي كان يُراد فرضها على الجيش السوداني ارتدت على واشنطن نفسها.
ويخلص كاميرون هدسون إلى أن تغيير المسار والعودة إلى الانخراط مع أطراف الحرب لم يعودا ضروريين فقط لإنقاذ ماء وجه الولايات المتحدة والحفاظ على التحالف الدبلوماسي الذي تسعى إلى قيادته، وإنما أصبحا، في رأيه، السبيل الوحيد لإنقاذ الأرواح في السودان.

الكاتب: كاميرون هدسون، محلل سياسي مستقل متخصص في القرن الأفريقي. عمل سابقاً مديراً للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة جورج دبليو بوش، كما شغل منصب كبير موظفي عدد من المبعوثين الأميركيين الخاصين إلى السودان.
تنويه: الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى