تقارير

قطع طريق نفط البحر الأحمر قد يكون أزمةً أكبر من أن يحتملها العالم

بقلم: رون بوسو – رويترز
23 يوليو 2026
لندن – أدى اتساع رقعة الحرب مع إيران إلى البحر الأحمر إلى إلقاء كرة نار جديدة في أسواق النفط العالمية، إذ عرقل التعافي الهش لتدفقات الطاقة، في تطور قد ينعكس على الاقتصاد العالمي عبر تباطؤ متزايد في النمو.
وبعد نحو أسبوعين من تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تصاعدت التوترات في الشرق الأوسط بشكل حاد عقب إعلان جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، يوم الاثنين فرض حصار على السفن السعودية الراغبة في عبور مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
ضربة جديدة لتدفقات النفط العالمية
جاء هذا التطور ليزيد من تعقيد حركة النفط العالمية التي كانت تعاني أصلاً من تداعيات الإغلاق الأخير لمضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الذي يربط الخليج بالأسواق العالمية.
وأصبح ميناء ينبع السعودي على الساحل الغربي، الذي يعتمد على مضيق باب المندب للوصول إلى الأسواق الآسيوية، المنفذ الرئيسي لصادرات النفط السعودية بعد أن أصبح مضيق هرمز – الذي كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية – شبه مغلق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير.
ومنذ مارس، صدّرت المملكة نحو خمسة ملايين برميل يومياً عبر ساحلها الغربي، أي أكثر من ضعف مستويات ما قبل الحرب، وكان نحو 80% من هذه الشحنات يعبر باب المندب، وفقاً لبيانات شركة Kpler المتخصصة في تتبع حركة الشحن.
لكن المسار الذي بدا في البداية حلاً ناجحاً أصبح اليوم هدفاً مباشراً.
إعادة رسم خريطة تجارة النفط
أدى الحصار الحوثي إلى إعادة تشكيل طرق تجارة النفط العالمية بصورة عاجلة.
فالكثير من ناقلات النفط السعودية المتجهة إلى آسيا بدأت تتجنب باب المندب كلياً، فتدخل أولاً قناة السويس إلى البحر المتوسط، ثم تلتف حول القارة الأفريقية للوصول إلى وجهتها.
ولا تقف التعقيدات عند هذا الحد، إذ إن أكبر ناقلات النفط الخام لا تستطيع عبور قناة السويس وهي محملة بالكامل بسبب قيود العمق.
ولهذا تضطر إلى:
● تفريغ جزء من حمولتها جنوب القناة.
● نقل الكميات عبر خط أنابيب.
● إعادة تحميلها قرب الإسكندرية.
● ثم استئناف رحلتها.
وتؤدي هذه الإجراءات إلى إضافة أربعة أسابيع على الأقل إلى زمن الرحلة المعتاد، أي أكثر من مضاعفة مدة الإبحار، مع ارتفاع كبير في تكاليف النقل البحري والتأمين.
تعثر تعافي قطاع التكرير
يشكل هذا الاضطراب ضربة قوية لقطاع التكرير العالمي، الذي يمثل حالياً الحلقة الأضعف في منظومة الطاقة العالمية.
فقد شهدت مصافي آسيا تراجعاً حاداً في الإنتاج خلال الأزمة، ولم تبدأ بالتعافي إلا مؤخراً بعد زيادة صادرات النفط الخليجي عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو.
وفي الصين، خفضت المصافي معدلات التشغيل بنسبة 18% في يونيو مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، ليهبط الإنتاج إلى أدنى مستوياته منذ بدايات جائحة كورونا في مارس 2020.
كما خفضت بكين وارداتها من النفط الخام وصادراتها من الوقود بهدف الحفاظ على الإمدادات المحلية والحد من آثار ارتفاع الأسعار.
لكن هذا التعافي الوليد مرشح للتوقف مجدداً مع تعطل الإمدادات وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من شهر.
الحرب في أوكرانيا تزيد الأزمة
في الوقت نفسه، ساهمت الحرب في أوكرانيا في تعميق أزمة التكرير.
فقد أدت الهجمات المتواصلة بالطائرات المسيّرة الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية إلى تقليص عمليات التكرير، كما دفعت موسكو إلى حظر صادرات الديزل، ما حرم الأسواق العالمية من مصدر رئيسي للإمدادات.
ونتيجة لذلك، أصبحت أسواق الوقود أكثر تعرضاً للضغوط من سوق النفط الخام نفسه.
فمنذ اندلاع الحرب مع إيران:
● ارتفعت أسعار الديزل الأوروبية والبنزين الأمريكي بنحو 65%.
● بينما ارتفع خام برنت بنحو 30% فقط.
كما سجلت هوامش أرباح تكرير الديزل مستويات قياسية، بما يعكس اتساع الفجوة بين توافر النفط الخام ونقص المنتجات المكررة.
تراجع الطلب العالمي
بدأت أسعار الوقود المرتفعة تؤثر بصورة مباشرة على أنماط الاستهلاك.
فقد تراجع الطلب العالمي على النفط خلال الربع الثاني من عام 2026 بنحو 5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليبلغ 99.1 مليون برميل يومياً، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
وكان التراجع الأكبر في آسيا وأوروبا.
وفي الصين:
● انخفض استهلاك الديزل بنحو 10% في مايو.
● وتراجع الطلب على البنزين بنسبة 5%.
● بينما هبط استهلاك اللقيم البتروكيماوي بنسبة 17%.
أما في أوروبا، فقد انخفض استهلاك الديزل بنسبة 5.7% ليصل إلى 4.5 مليون برميل يومياً.
ويشير انخفاض استهلاك الوقود عادةً إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي.
ورغم إمكانية التحول إلى مصادر طاقة بديلة على المدى الطويل، فإن الاستجابة الفورية لارتفاع الأسعار تكون غالباً في صورة تدمير للطلب، أي انخفاض الاستهلاك نتيجة ارتفاع التكلفة.
وفي هذا السياق، قال كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، إنديرميت جيل، لرويترز إن الحرب مع إيران قد تخفض معدل النمو العالمي في عام 2026 إلى 1.3% فقط، مقارنة بـ 2.9% في العام الماضي.
حلول مؤقتة… لكن الأزمة تتفاقم
هناك بعض البدائل التي قد تخفف من حدة الأزمة، إذ يبدو أن الهند رفعت معدلات تكرير النفط الروسي.
لكن الكاتب يحذر من أن استمرار إغلاق المزيد من طرق تصدير النفط سيؤدي إلى:
● إعادة توجيه تدفقات الطاقة العالمية.
● إطالة أمد الاضطرابات.
● زيادة الأضرار الاقتصادية.
مرحلة جديدة أكثر خطورة
يزداد الوضع تعقيداً مع استمرار انخفاض المخزونات النفطية العالمية.
فقد ساعدت الاحتياطيات التجارية والاستراتيجية خلال الأشهر الأولى من الحرب في تعويض فقدان الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، إلا أن هذه المخزونات أخذت تتآكل تدريجياً مع استمرار الأزمة.
وأصبح العالم اليوم يمتلك هامشاً أقل بكثير لمواجهة الصدمات مقارنة بما كان عليه في فبراير الماضي.
ويرى الكاتب أن التصعيد الأخير في البحر الأحمر لا يمثل مجرد أزمة شحن جديدة، بل يهدد آخر مسار عملي سمح باستمرار تدفق النفط من الشرق الأوسط بعد تعطيل مضيق هرمز، وهو ما يكشف هشاشة التعافي الذي شهدته السوق خلال الأشهر الماضية.
ويختتم بالقول إن أسواق النفط نجحت خلال الأشهر الماضية في التكيف مع صدمة جيوسياسية تلو الأخرى، لكن تعطل مضيقي هرمز وباب المندب في وقت واحد قد يدفع قدرة السوق على التكيف إلى حدودها القصوى.
ومع تعمق نقص الوقود وتراجع الطلب، فإن أزمة الطاقة العالمية قد تدخل مرحلة أشد خطورة وأكثر إيلاماً للاقتصاد العالمي.
ملاحظة: الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب رون بوسو، كاتب العمود في وكالة رويترز، ولا تعكس بالضرورة موقف الوكالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى