عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا ayagoub@gmail.com ٢٨ يوليو ٢٠٢٦
(١) ليست كل الحروب تنتهي عندما تصمت البنادق، وإنما تنتهي حين يستيقظ الضمير، ويعلو صوت الحكمة على ضجيج الرصاص، ويدرك الإنسان أن الوطن الذي أكلته النيران لا يمكن أن يُبنى بمزيد من النار. ولهذا أكتب إليكم اليوم… الشباب في مليشيا الدعم السريع. لا لأجادلكم، ولا لأشمت بكم، ولا لأنتزع منكم حقكم في أن يروي كل منكم قصته للتاريخ، وإنما لأنني أخاطب ما بقي فيكم من صوت الوطن، وما بقي في قلوبكم من رحمة، وما بقي في ضمائركم من مساحة تتسع للحقيقة قبل أن يكتب التاريخ كلمته الأخيرة. لقد وقفنا مع القوات المسلحة السودانية منذ اليوم الأول لهذه الحرب، لا حبًا في الحرب، وإنما إيمانًا بأن الدولة، مهما ضعفت، تبقى الإطار الذي يحفظ وحدة السودان، وأن الجيوش الوطنية قد تنهزم في معركة، لكنها لا ينبغي أن تنهزم في معركة الدولة نفسها. وكانت الأيام الأولى عصيبة؛ فالقيادة العامة والقصر الجمهوري ومحيطه كانا تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع، وكانت المدرعات محاصرة، والإذاعة السودانية في أم درمان خارج سيطرة الدولة والكباري ، وسقطت مدن ومناطق مهمة، حتى ظن كثيرون أن صفحة التاريخ قد طُويت، وأن الأمر قد حُسم. أما أنا ونفر كثير من الشعب، فكنا على يقين لم يتزعزع، ليس لأنه يقين سياسي، وإنما لأنه يقين يصنعه التاريخ نفسه؛ وهو أن القبيلة، مهما اشتدت شوكتها، لا تستطيع أن تنتصر على الوطن، وأن المليشيا، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تهزم الدولة إلى الأبد. فقد تسيطر على مدينة، وقد تربح معركة، لكنها لا تستطيع أن تحتل ضمير أمة، ولا أن تصادر ذاكرة شعب، ولا أن تلغي حقيقة أن الأوطان أبقى من كل القوى السياسية والقبائل والحركات المسلحة العابرة. واليوم، وبعد أن امتدت الحرب، واستنزفت الأرواح، وأحرقت القرى والمدن، وملأت البيوت باليتم والثكل والحزن، لم يعد السؤال: من يربح؟ بل أصبح السؤال هو كم بقي من السودان حتى نختلف عليه؟ في هذه الرسالة لا أخاطب المرتزقة العابرون للحدود و الذين حملوا السلاح طمعًا في المال أو الغنيمة، ولا أولئك الذين جعلوا الحرب تجارة، والدماء موردًا، والخراب وسيلة للثراء. فهؤلاء اختاروا طريقهم، ولكل من ارتكب جريمة حسابه أمام العدالة. إنما أخاطب أبناء السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذه الحرب؛ أبناء القبائل والقرى والفرقان والمدن، الذين دفعت بعضهم الحماسة، أو الولاء القبلي، أو الخوف، أو سوء التقدير إلى حمل السلاح. أخاطب أولئك الذين فقدوا إخوانهم وأصدقاءهم وأبناء عمومتهم، حتى أصبحت مجالسهم أكثر امتلاءً بأسماء الغائبين منها بأحاديث المستقبل. يا أبناء السودان… قفوا مع أنفسكم لحظةً واحدة، بعيدًا عن أصوات البنادق، وبعيدًا عن الخطب التي لا تسمع صراخ الأمهات. اسألوا أنفسكم، كم بقي من رفاق الأمس؟ وكم بقي من أعماركم؟ وهل ما زالت هذه الحرب تقربكم من الغاية التي خرجتم من أجلها، أم أنها أصبحت، يومًا بعد يوم، تبتلع ما بقي منكم ومن وطنكم؟
(٢) إن أعظم القادة في التاريخ لم يكونوا أولئك الذين عرفوا كيف تبدأ الحروب، وإنما أولئك الذين عرفوا متى يتوقفون عندما يصبح الاستمرار عبئاً، وتصبح كلفة الحرب أكبر من أي نصرٍ يمكن تحقيقه. ولهذا لم يتردد القائد الألماني فريدريش باولوس في ستالينغراد في اتخاذ القرار الأصعب عندما أدرك أن مواصلة القتال لن تعني إلا موت من بقي من جنوده. واتخذ القائد البريطاني آرثر بيرسيفال القرار ذاته في سنغافورة حين رأى أن الإصرار على القتال لن يورث إلا مزيدًا من الضحايا. كما حمل القائد الأمريكي جوناثان وينرايت عبء القرار المؤلم في الفلبين عندما أصبحت المقاومة بلا أفق. وقد اختلف المؤرخون في تقييم تلك القرارات، لكنهم اتفقوا على حقيقة واحدة: أن القائد لا يفقد شرفه عندما يحمي حياة من يقودهم بعدما يفقد القتال معناه. أما أنتم، فإن مسؤوليتكم اليوم لا تقل عن مسؤولية قادتكم. فلا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن الشجاعة لا تكون إلا في الموت. فالشجاعة الحقيقية قد تكون في إنقاذ الحياة، وفي الإصغاء إلى صوت العقل عندما يصبح هو الصوت الوحيد القادر على إنقاذ الوطن. إن الإنسان لا تُنقصه الحقيقة، وإنما يعلي مكانته و يرفعه الاعتراف بها. وما شهدته هذه الحرب من انتهاكات، ومن ظلم، ومن تهجير، ومن ترويع للمدنيين، ومن اعتداء على الأموال والممتلكات، ترك جراحًا غائرة في نفوس السودانيين. وهذه الجراح لن تلتئم بالإنكار، ولن تمحوها الأيام، وإنما يبدأ شفاؤها عندما تُقال الحقيقة، ويُعترف بالمظالم، ويُرد الحق إلى أهله، ويأخذ القانون مجراه بعدلٍ وإنصاف. إن الاعتراف بالحقيقة ليس إذلالًا، بل هو أول انتصار للضمير. والاعتذار الصادق ليس ضعفًا، بل هو أول خطوة في استرداد الكرامة الإنسانية. فالأمم لا تتعافى بالنسيان، وإنما تتعافى بالشجاعة الأخلاقية؛ شجاعة الاعتراف، وتحمل المسؤولية، وفتح الطريق أمام عدالة تنصف الضحايا، ومصالحة تحفظ كرامة الجميع.
(٣) وقبل أن أختم، أذكركم بأن الحروب لا تترك وراءها إلا سؤالين ، سؤال الرحمة، وسؤال العدالة. فإذا كانت هناك مسارات للعفو عن بعض ما يتعلق بالحق العام، فإنها فرصة لا ينبغي أن تضيع. أما الحقوق الخاصة التي ترتبت على الدماء التي أُريقت، والأرواح التي أُزهقت، والممتلكات التي نُهبت، والكرامات التي انتُهكت، فهي حقوق ثابتة لأصحابها، لا يملك أحد إسقاطها نيابة عنهم، وسيظل الفيصل فيها هو القضاء العادل، حيث يأخذ كل ذي حق حقه. فلا تجعلوا الخوف من الحساب سببًا لإطالة أمد الحرب، ولا تجعلوا اليأس يحول بينكم وبين العودة إلى وطنكم. فمواجهة الحقيقة أكرم من الهروب منها، والاحتكام إلى العدالة أشرف من الاحتماء بالسلاح. إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من القبور، بل إلى مزيد من الحكماء. ولا يحتاج إلى رجال يجيدون صناعة الموت، بقدر ما يحتاج إلى رجال يمتلكون شجاعة إيقافه. إذا كانت الشجاعة قد حملتكم يومًا إلى ميادين القتال، فإن السودان ينتظر منكم اليوم شجاعةً أعظم؛ شجاعة مراجعة النفس، والاعتراف بالحقيقة، وإنقاذ من بقي من الأرواح، حتى يفتح الله لهذا الوطن بابًا إلى التعافي، وتعود القبائل إلى التعايش، وتعود الدولة إلى القيام بواجبها، ويعود السودان وطنًا يسع جميع أبنائه. وحين يفتح التاريخ دفاتره، لن يسأل فقط: من انتصر؟ بل سيسأل السؤال الذي يبقى بعد أن يصمت الجميع، “من امتلك الشجاعة ليوقف نزيف الوطن، قبل أن يكتب التاريخ كلمته الأخيرة؟”