فاتورة الظلام — كهرباء الخرطوم بين شبكة منهارة وشمس مثقلة بالرسوم

وليد دليل
خبير مصرفي

في العاصمة السودانية، صار الظلام جدولاً يومياً يُحسب بالساعات لا بالمصادفة. ما بين اثنتي عشرة وعشرين ساعة انقطاع متصل في بعض المناطق، بحسب ما كشفته وزارة الطاقة نفسها حين وصفت الأزمة بأنها ليست انقطاعات عابرة، بل نتيجة مباشرة لحجم الدمار الذي أصاب الشبكة القومية منذ اندلاع الحرب في أبريل من عام ألفين وثلاثة وعشرين. والرقم الذي يختصر المأساة هو أن الصراع أتى على ما يقارب ستين بالمئة من قدرات قطاع الكهرباء في البلاد، فتحولت شبكة كانت أصلاً متقادمة إلى هيكل منهك يعمل بأقل من نصف طاقته المطلوبة: إذ تحتاج البلاد إلى ما يتجاوز ثلاثة آلاف وخمسمائة ميغاواط لتغطية الاستهلاك الزراعي والصناعي والسكني، بينما لا يتعدى الإنتاج الفعلي اليوم ألفي ميغاواط. هذه الفجوة، بمنطق الاقتصاد لا بمنطق البيانات الرسمية، تعني ببساطة أن الدولة تدير عجزاً بنيوياً بأدوات إدارة أزمة يومية، وهو ما يفسر لماذا يبدو كل حل مطروح مؤقتاً ومرتجلاً مهما بلغت جديته.
الكلفة الاقتصادية لهذا الانهيار قابلة للقياس، وقد قُدرت خسائر قطاع الكهرباء وحده بنحو ثلاثة مليارات دولار منذ اندلاع الحرب، وهو رقم لا يشمل الخسائر التراكمية في القطاعات المرتبطة به. في أسواق الخرطوم وأم درمان، يروي تجار المواد الغذائية واللحوم كيف تحولت قطوعات التيار من إزعاج مؤقت إلى عبء تشغيلي دائم، حين تعطلت ثلاجات أحد المحال بشكل متكرر إلى درجة بلغت تكلفة إصلاحها نحو مليون جنيه سوداني، أي ما يقارب ألفاً وستمائة وسبعين دولاراً بأسعار الصرف الحالية، وهو مبلغ يوازي رأس مال تشغيلي كامل لمحل صغير. هذه الكلفة المباشرة تضاف إلى فاتورة تشغيل المولدات التي يتحملها كل تاجر ومواطن، في وقت لا يزال فيه التضخم يلتهم القدرة الشرائية رغم تراجعه من مستويات تجاوزت الثمانين بالمئة خلال عام ألفين وخمسة وعشرين إلى نحو أربعين بالمئة في مارس الماضي. والانقطاع لم يبق حبيس جدران السوق، بل امتد إلى المستشفيات حيث توقفت أجهزة الأكسجين عن مرضى الغسيل الكلوي والأطفال في الحضانات، فتحول من أزمة طاقة إلى أزمة صحة عامة بكل معنى الكلمة.
المفارقة الأكثر دلالة على طبيعة الإدارة الحالية للقطاع تكمن في كيفية توزيع الإنفاق. فبينما تعجز الدولة عن تمويل استكمال محطات توليد وطنية دائمة، ظلت تدفع للبارجة التركية العائمة قبالة بورتسودان مبالغ تتراوح بين سبعة وتسعة ملايين دولار شهرياً كإيجار وتكاليف تشغيل، أي ما يقارب مئة مليون دولار سنوياً مقابل أصل مؤجر لا تملكه الدولة ولا يضيف طاقة توليدية دائمة إلى الشبكة. وقد بدأت السلطات أخيراً بالتعاقد مع شركة نواوي لتوريد بارجة توليد بديلة بقدرة مئة ميغاواط ومحطة أرضية بخمسين ميغاواط، بسعر تشغيل يقارب خمسة سنتات لكل كيلوواط ساعة، وهو ما يمثل، إذا فُعّل فعلاً، وفراً حقيقياً مقارنة بالتعاقدات السابقة. لكن مجرد الحاجة إلى الاستعانة ببارجات مستأجرة بدل استكمال محطات وطنية جاهزة تقريباً، يكشف عن أن جوهر الأزمة إداري ومالي بقدر ما هو تقني، وأن القرار غالباً ما ينحاز إلى الحل الأسرع لا الأجدى على المدى الطويل.
وفي خضم هذا الواقع، اتجه المواطن مضطراً إلى الطاقة الشمسية بوصفها الملاذ الوحيد المتبقي، لا كخيار مستقبلي بل كوسيلة تعايش يومية. غير أن هذا البديل، بدل أن يحظى بحوافز تُسرّع انتشاره وتخفف الضغط عن الشبكة القومية، وجد نفسه في يوليو الماضي محل جدل واسع حين أعلنت وزارة الطاقة والنفط عن رسوم على مكونات الأنظمة الشمسية بلغت ألف جنيه لكل لوح، وألف جنيه لكل كيلوفولت أمبير من العاكسات، ومئة جنيه لكل أمبير ساعة من البطاريات، إضافة إلى نصف مليون جنيه لتسجيل اسم عمل ومليون جنيه لتسجيل شركة. وقد أوضحت جهات في الوزارة لاحقاً أن هذه الرسوم ليست جديدة بمعناها الحرفي، بل امتداد لرسوم فحص فني قائمة منذ سنوات، وأن قيمتها رمزية إذا قورنت بالسعر السوقي الفعلي للوح الواحد الذي يتجاوز ثلاثمائة وخمسين ألف جنيه. لكن هذا التوضيح، مهما كان دقيقاً من الناحية الإجرائية، لا يُسقط السؤال الأهم: لماذا تُفرض أي كلفة إضافية، رمزية كانت أو فعلية، على القطاع الوحيد الذي يمتص جزءاً من فشل الدولة في توفير الكهرباء؟ فحين تكون الشمس هي الشبكة البديلة الفعلية لملايين السودانيين، فإن أي إجراء يزيد تعقيد الاستيراد أو الترخيص، حتى لو لم يرفع السعر مباشرة، يبعث إشارة سياسية خاطئة في توقيت لا يحتمل مثل هذه الإشارات. وتكفي المقارنة مع دول الجوار التي اختارت المسار المعاكس تماماً، حين أعفت بعضها معدات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية بالكامل تشجيعاً على الانتقال إلى الطاقة المتجددة، بينما اكتفت أخرى بحماية محدودة وموجهة لصناعتها المحلية دون أن تُثقل كاهل المستهلك النهائي.
الخروج من هذا المأزق لا يُبنى على معالجات متفرقة تُطلق كلما اشتد الغضب الشعبي، بل يستوجب فصلاً واضحاً بين منطق التنظيم ومنطق الجباية، بحيث تُمنح الطاقة الشمسية حوافز حقيقية بدل أن تُعامل كنشاط تجاري خاضع للرسوم والتراخيص المعقدة. كما أن الاستثمار في شبكات شمسية مجتمعية صغيرة، تجمع الطلب على مستوى الحي الواحد لإنشاء محطات مركزية تخفض الكلفة عن الأسرة الفردية، يمثل مساراً أكثر واقعية من انتظار إعادة إعمار الشبكة القومية بالكامل في ظل استمرار الحرب. أما على مستوى التوليد المركزي، فإن نجاح تجربة بارجة نواوي، إن استمرت بالفعل بالكلفة المعلنة، يفتح نافذة لإعادة توجيه الإنفاق نحو مشاريع توليد وطنية دائمة بدل الاستمرار في تأجير أصول لا تملكها الدولة بمئة مليون دولار سنوياً. فالسودان يملك من مصادر الشمس ما يكفي لتحويل هذا الاضطرار إلى ميزة استراتيجية حقيقية، لكن ذلك يظل مرهوناً بانتقال إدارة القطاع من عقلية إطفاء الحرائق اليومية إلى عقلية البناء طويل المدى، وهو الفارق الذي سيحدد ما إذا كانت العتمة استثناءً عابراً أم سمة دائمة في مشهد الخرطوم الاقتصادي.

Exit mobile version