د. خالد محمد فرح
الاتجاهات الجغرافية الأساسية، وهي الشرق والغرب والشمال والجنوب، معروفة لدى كل الشعوب والثقافات، ويوشك الإحساس بها وتصورها، ان يكون واحداً وعالمياً ومتفقاً عليه، مثل اتفاق معظم البشر على ترتيب ايام الاسبوع السبعة، وان سموها باسماء قد تختلف في النطق وتتفق في المعنى والمدلول العام.
في الثقافة العربية المعيارية، التي يعبر عنها باللغة الفصحى، تطلق على الاتجاهات الجغرافية الأساسية اسماء معينة هي التي ذكرناها في اول هذه الكلمة، ولكن ربما كان لها في اللهجات الخاصة بكل قطر، وحتى على مستوى اللهجات الجهوية والمناطقية داخل القطر الواحد، مسميات مختلفة. ففي السودان مثلاً، يقول اهل شمال السودان ووسطه لاتجاهي الشمال والجنوب، السافل والصعيد على التوالي، بينما يسمون الشرق والغرب باسميهما مع اختلاف طفيف في النطق والنبر. اما في غرب السودان عموما فان الناس يقولون للشمال ” ريح ” ، والجنوب ” صعيد ” وللشرق ” صباح ” فكأنه الاتجاه الذي يبزغ منه الصباح ، ويسمون الغرب غربا كما هو، وهكذا.
كان الناس عموماً، لهم عناية ظاهرة بمعرفة الاتجاهات وتسميتها باسمائها على اختلاف لهجاتهم، وتحديد مواقع بعض المعالم بالنسبة لمعالم اخرى معروفة لمن يخاطبونهم سلفاً وفقاً لذلك ، فيقولون مثلا ان القرية الفلانية تقع غرب المدينة الفلانية، او ان الميدان الفلاني يقع جنوب المدرسة الفلانية ، او ان المخبز الفلاني يقع شمال المركز الصحي الفلاني ، أو ان المسجد الفلاني يقع شرق السوق الفلاني وهكذا ، وكان الناس يفهمون ويتصورون ذلك، لانهم كانوا يصدرون عن ثقافة وتربية عملية مشتركة واحدة.
بيد أني بتُ أخشى بشدة بأن هذا الأمر لم يعد كذلك الان بالنسبة للجيل الحالي، وقد لاحظت ذلك ولمسته في أبنائي أنفسهم وأترابهم من أقاربهم وأصدقائهم. فاذا قلت لهم مثلا ان مول عفراء هو جنوب الساحة الخضراء ، وأن مسجد الخرطوم العتيق يقع غرب ميدان ابو جنزير، أو أن جامعة أفريقيا العالمية تقع شرق السوق المركزي بالخرطوم ، او ان مستشفى الدايات بام درمان يقع شمال دار الرياضة على سبيل المثال ، فان مثل تلك الأوصاف قد لا تعني لهم شيئا البتة في الواقع، رغم ان لهم تصورهم الخاص بمواقع تلك المعالم المذكورة، ويعرفون كيف يصلون إليها إن هم أرادوا ذلك على كل حال. وكثيرا ما كان الواحد يقول لي ” ما تقول لي شمال وجنوب وغرب .. أنا ما بفهم الحاجات دي ، لكن بعرف اصل الحتة دي يا حاج ! “.
ولما كان الشيء بالشيء يذكر، فقد جعلت تنتشر مؤخراً، في معرض سعي بعض الناس لإرشاد بعضهم بعضاً، من أجل الوصول إلى معالم او مواقع بعينها داخل المدينة مثلاً، خصوصا قبل انتشار تطبيق تحديد المواقع بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية او الـ GPS ، جعلت تنتشر عبارة: ” الشمال الجغرافي “، فتسمع او تقرا قول احدهم في الرسائل الخطية والصوتية في الواتساب: ” اتجه شمال جغرافي ! “، وهو يقصد اتجاه الشمال الجغرافي المعروف للتفريق بينه وبين اتجاه اليد الشمال ، لان هذه اليد الشمال او اليسرى قد تكون متجهة نحو اي اتجاه من الاتجاهات الرئيسية الأربعة، وليس اتجاه الشمال الجغرافي بالضرورة. ولذلك إذا قيل اتجه نحو الشمال مطلقا، فان المقصود ينبغي هو ناحية اليد الشمال اياً كان اتجاهها ، ولكن عندما يقال ” شمال جغرافي ” فهو اتجاه الشمال المعروف لا غير. ولذلك فمن المفارقات المضحكة التي قد تسمعها او تقرأها في هذا السياق، هو ان يقول احدهم ” جنوب جغرافي او شرق جغرافي او غرب جغرافي “، لان ذلك امر مفروغ منه وهو من قبيل تحصيل الحاصل ، لان تلك الاتجاهات لا تلتبس أسماؤها باسم أي يد كانت.
فمن قبيل النصيحة العامة، ينبغي تعليم الأطفال الاتجاهات الجغرافية الرسمية بوسيلة بسيطة جدا، هي اخراج الفصل في الصباح الباكر بعد شروق الشمس، والوقوف باتجاه الشمس الطالعة الذي هو اتجاه الشرق قولاً واحدا، والاتجاه الذي عكسه وراء ظهور التلاميذ هو الغرب، واليد الشمال ستكون حينئذٍ في اتجاه الشمال الجغرافي تماما ، واليمين في اتجاه الجنوب، وليتعلموا بقية الاتجاهات الفرعية الأخرى مثل شمال الشمال الشرقي وجنوب الجنوب الغربي لاحقاً ، إن كان ما يزال مما يدرس حتى الآن، عسى أن يكونوا بعد ذلك من المهتدين.